img
img

الخصخصة في سورية: هل هي خيار مناسب الآن؟

img
منصة الإدارة و الاقتصاد الإسلامي

الخصخصة في سورية: هل هي خيار مناسب الآن؟

د. عبد السلام زكريا

دكتور إدارة أعمال رئيس قسم إدارة الاعمال في جامعة باشاك شاهير

بعد أكثر من عقد من زمن الثورة السورية المباركة  وأكثر من 60 عام من الفساد في ظل حكم العبث، عانت بنية الاقتصاد من التدهور والنزيف المستمر، وبعد سقوط حكم العبث وفي محاولة لإنعاش الاقتصاد السوري بدأنا الآن نسمع  أصوات داخل بعض أروقة اتخاذ القرار تدعو إلى الخصخصة كأداة "سحرية" لإعادة تفعيل العجلة الاقتصادية،  والمبرر لهذا التوجه حسب زعمهم في سوء إدارة القطاع العام وتضخم العمالة وتدني الإنتاجية  وعبء الإنفاق الحكومي، وهنا لابد من طرح تساؤل عميق هل الخصخصة حقا تمثل علاجا لكافة المشكلات الاقتصادية أم أنها قد تتحول إلى عملية "بيع المضطر" لأصول الدولة.

أولاً: لماذا تطرح الخصخصة الآن

يعاني القطاع العام في سورية كما تشير العديد من التقارير من اختلالات بنيوية حادة حيث أن أكثر من 60% من الشركات الصناعية العامة كانت إما خاسرة أو متوقفة عن العمل، والإنتاجية في مؤسسات القطاع العام أقل بـ 70% من نظيراتها في القطاع الخاص وذلك على الرغم من امتلاكها على عدد أكبر من العاملين، ومع ارتفاع في التكاليف التشغيلية في العديد من القطاعات كالكهرباء والنقل دون تحسن مماثل في الخدمات، ولكل ما سبق ذكره قد تبدو الخصخصة خيار جيد وحيلة من لا حيله له، لكن هذا "الخيار" قد يخفي وراءه كوارث اقتصادية واجتماعية كبيرة.

ثانياً: تجارب الخصخصة عالمياً

لم تنطوي تجارب الخصخصة التي تمت سابقاً من بريطانيا إلى روسيا ومن مصر إلى الأرجنتين دائماً على قصص نجاح، فمثلا أدت خصخصة الأصول الكبرى في روسيا في (تسعينيات القرن الماضي) إلى ظهور طبقة *الأوليغارشية* وهم قلة من رجال الأعمال الذين أصبحوا يمتلكون ثروات ضخمة ومارسوا سلطة سياسية مباشرة ونهب منظم للثروة الوطنية مما أدى الى تفاقم الفقر، كذلك نجد أنه تم في مصر (1991–2007) بيع 190 شركة حكومية لكن 80% من عمليات البيع كانت بأسعار أقل من القيمة السوقية لها مما أدى الى ارتفاع البطالة بنسبة 35% بين العمال المسرحين وحدث تراجع في عدالة توزيع الدخل وخسارة لموارد الدولة وإيراداتها، بالإضافة إلى أن خصخصة المياه والكهرباء في الأرجنتين أدت إلى انخفاض جودة الخدمة وارتفاع الأسعار بأكثر من 300% خلال 5 سنوات فقط مما أدى إلى احتجاجات واسعة وانهيار ثقة المواطنين بالدولة، فسوء إدارة الموارد وغياب العدالة في توزيع الثروة حسب اعتقادي من أهم أسباب تفكك المجتمعات وثورات الشعوب، وحتى لا ننظر إلى الموضوع من زاوية واحدة نجد على الجانب الآخر أن تجارب مثل المغرب وتونس بينت أن الخصخصة (الجزئية المدروسة المصحوبة بإصلاحات حوكمة) يمكن أن تفضي إلى نتائج إيجابية نسبياً.

ثالثاً: المخاطر المحتملة للخصخصة المتسرعة للقطاع العام في سورية

1.فقدان السيطرة على بعض القطاعات الحيوية: خصخصة الكهرباء أو المياه أو قد تؤدي إلى كارثة إنسانية في ظل ضعف القوانين الناظمة والخطط الاقتصادية المتكاملة.

2.تسريح العمالة دون وجود بديل: حيث يصبح أغلب العاملين في المؤسسات العامة (خاصة في ظل ضعف امكانياتهم وعدم تلقي تدريبات حديثة في مجال عملهم) معرضون لخسارة وظائفهم دون وجود البديل.

3.تمكين طبقات اجتماعية قليلة من النفوذ المالي: فبالتأكيد سيستحوذ على القطاعات التي تتم خصصتها أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والتي لا قبل للمستثمرين متوسطي الثروة منافستهم وبالتالي وإعادة تدوير النسخة السورية من "الأوليغارشية" الروسية والتي كانت موجودة بالفعل وأدت الى اندلاع الثورة والاحتجاجات الشعبية في سورية. 

4.انفجار اجتماعي: في بلد يعاني أصلاً من فجوة ثقة عميقة سابقة بين الدولة والمواطنين.

رابعاً: إصلاح القطاع العام أولاً: الخيار الواقعي في سورية اليوم

اعتقد بأنه لا توجد في السياق السوري في الوقت الراهن أرضية مؤسسية أو سياسية مناسبة تجعل خصخصة القطاع العام خياراً مناسباً، فالخصخصة الآن أشبه بإجراء عملية جراحية دقيقة على مريض نزف الكثير من الدماء في غرفة مظلمة وبأدوات قديمة ومتهالكة، فالآن يجب أن تكون الأولوية لإعادة بناء الدولة من الداخل بالقانون والكفاءة والحوكمة، ثم يتم النقاش لاحقاً أي القطاعات نعيد هيكلتها؟ وأيها نفتح أبوابه للاستثمار المشروط؟ وأيها نحافظ عليه.

مقترحات لإصلاح القطاع العام قبل الحديث عن خصخصته:

•تطبيق أسلوب الإدارة بالأهداف وربط الأجر بالأداء واعتماد أسلوب الإدارة المطبق في المنظمات الخاصة فلا يوجد عمل مدى الحياة إلا لمن يستحقه، فالوظيفة العامة يجب أن تكون مغرم لا مغنم.

•تعزيز استقلالية الرقابة المالية وتفعيل المحاسبة الفورية.

•دعم الشراكات مع القطاع الخاص (PPP)  Public-Private Partnership كخيار وسطي مرن.

•إعداد كادر إداري قيادي محترف عبر مراكز تدريب وطنية مستقلة.

“رأيي صواب يحتمل الخطأ.. وأي غيري خطأ يحتمل الصواب”

تعليقات

الكلمات الدلالية