img
img

السياسة الشرعية نظام الشورى في الإسلام - نموذج حضاري رائد للحكم الرشيد

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

السياسة الشرعية نظام الشورى في الإسلام - نموذج حضاري رائد للحكم الرشيد

أ.د عصام اشويدر 

دكتوراه العلوم الساسية ماستر إدارة المخاطر 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 

رئيس المنصة العالمية للدفاع عن الإنسان 


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه 

 المقدمة: الحاكمية لله.. والسلطة للأمة

من فجر الإسلام، أرسى القرآن الكريم معادلة فريدة في الحكم والسياسة لم تعرفها البشرية قبله، حين أسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، تجمع بين الحاكمية المطلقة لشرع الله، والسلطة التنفيذية للأمة، عبر نظام يُعرف بـ"السياسة الشرعية". 

هذا النظام الإلهي لم يكن مجرد نظرية مثالية، بل تجسد واقعاً عملياً في دولة المدينة المنورة على يد النبي ﷺ، وتطور في عهد الراشدين، مؤسساً لحضارة امتدت قروناً، وأنتجت نموذجاً فذاً في الحكم الرشيد الذي يعتمد "الشورى" منهجاً وممارسة.

تكمن أهمية دراسة نظام السياسة الشرعية والشورى في أنه يقدم بديلاً حضارياً متكاملاً لأنظمة الحكم البشرية التي تراوحت بين استبداد شمولي يسحق كرامة الإنسان، وفوضى ديمقراطية تطلق العنان لنزواته ورغباته بعيداً عن قيم العدل والفضيلة. 

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أصول السياسة الشرعية، وتفكيك مفهوم الشورى، وبيان ملامحه التطبيقية عبر التاريخ الإسلامي، مع مقارنته بالنظم السياسية المعاصرة، لإثبات صلاحيته وتفوقه كنموذج للحكم الرشيد للبشرية جمعاء في كل زمان ومكان.

الفصل الأول: السياسة الشرعية - تأصيل المفهوم وبيان الأصول

المفهوم الشامل للسياسة الشرعية

السياسة الشرعية ليست مجرد نظام حكم أو قواعد إدارية، بل هي منظومة متكاملة لإدارة شؤون الأمة وفق الرؤية الربانية التي أرساها الوحي. يقول الإمام ابن القيم في تعريفها: "هي ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي". 

تمتاز السياسة الشرعية بأنها تجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، فهي تستند إلى قواعد شرعية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، لكنها تترك مساحة واسعة للاجتهاد في تطبيق هذه القواعد بما يحقق مقاصد الشريعة ويلبي حاجات الناس.

عندما أرسى الإمام الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" قواعد الولاية العامة، وفصّل الجويني في "غياث الأمم" مسائل الإمامة، لم يكونا يضعان نظريات جامدة، بل كانا يستخلصان من النصوص والتطبيقات النبوية والراشدية منظومة حكم متكاملة تصلح لكل عصر مع اختلاف الآليات والوسائل.

 المرتكزات الأساسية للسياسة الشرعية

تقوم السياسة الشرعية على ركائز أساسية تميزها عن غيرها من النظم السياسية:

أولاً: سيادة الشريعة: ليس المقصود بها تطبيق الحدود فحسب، بل خضوع الدولة والمجتمع لمنظومة القيم والأخلاق والتشريعات الإسلامية. فالقانون في الإسلام ليس من صنع البشر بل هو وحي إلهي معصوم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

ثانياً: مسؤولية الحاكم: الحاكم في الإسلام ليس ملكاً مقدساً ولا إلهاً متجسداً، بل هو وكيل عن الأمة ومسؤول أمام الله وأمامها. وقد جسّد أبو بكر الصديق هذا المبدأ في خطبته الشهيرة عندما تولى الخلافة فقال: "وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن 

أسأت فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

ثالثاً: رعاية المصالح: تتمحور السياسة الشرعية حول تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم ضمن ضوابط الشريعة. يقول العز بن عبد السلام: "الشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح". وهذا ما يجعلها نظاماً ديناميكياً قادراً على التكيف مع متغيرات الحياة.

رابعاً: الشورى: وهي الآلية التي اختارها الإسلام لضمان مشاركة الأمة في صناعة القرار السياسي، وهي ليست مجرد إجراء شكلي بل ركن أساسي في بناء الدولة والمجتمع، حتى إن الله تعالى أمر بها نبيه ﷺ في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].

 المجالات الفسيحة للسياسة الشرعية

تمتد السياسة الشرعية لتشمل مجالات واسعة في حياة الأمة:

- المجال التشريعي: فيما لم يرد فيه نص قطعي، حيث يتسع باب الاجتهاد والتقنين وفق مقاصد الشريعة.

- المجال القضائي: في تنظيم المحاكم وتعيين القضاة وإجراءات التقاضي.

- المجال الإداري: في تنظيم المرافق العامة وإدارة موارد الدولة.

- المجال المالي: في تحديد موارد بيت المال ومصارفه.

- المجال الدولي: في العلاقات مع الدول الأخرى والمعاهدات والتحالفات.

عندما فتح عمر بن الخطاب العراق، لم يقسم أراضيها على الفاتحين رغم مطالبة الصحابة بذلك، بل جعلها وقفاً على المسلمين، وفرض عليها الخراج. هذا الاجتهاد العبقري كان تطبيقاً للسياسة الشرعية التي تراعي مصالح الأجيال القادمة، وتحقق التوازن بين حقوق الفاتحين وحاجات الدولة المستقبلية.

الفصل الثاني: نظام الشورى - التأصيل القرآني والتطبيق النبوي

 الشورى في القرآن الكريم - أمر إلهي وليس خياراً بشرياً

جاء القرآن الكريم ليجعل الشورى ركناً أساسياً في بناء المجتمع الإسلامي، فوصف المؤمنين بأن ﴿أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، جاعلاً الشورى قرينة للصلاة والإنفاق في سبيل الله، مما يدل على أهميتها القصوى في الحياة الإسلامية.

ولم يكتفِ القرآن بذلك، بل أمر النبي ﷺ نفسه بمشاورة أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وهذا الأمر 

جاء بعد غزوة أُحد التي تعرض فيها المسلمون لانكسار بسبب اتباع الرسول ﷺ لرأي الأغلبية في الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة، مما يعني أن الشورى واجبة حتى عند حصول نتائج سلبية من تطبيقها.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه". وهذا يؤكد أن الشورى ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي مبدأ حاكم وضرورة شرعية لصحة الولاية والحكم.

 الشورى في السيرة النبوية - تجسيد عملي للمبدأ القرآني

لم تكن الشورى في حياة النبي ﷺ مجرد شعار، بل كانت ممارسة يومية تجسدت في مواقف عديدة:

- في غزوة بدر، استشار النبي ﷺ أصحابه في مواجهة قريش، فقال الحباب بن المنذر: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فقال: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله". فأخذ النبي ﷺ برأيه وغيّر موقع المعركة.

- في غزوة الأحزاب، اقترح سلمان الفارسي حفر الخندق حول المدينة قائلاً: "كنا إذا حوصرنا بفارس حفرنا خندقاً حولنا". فأخذ النبي ﷺ بهذه المشورة التي كانت سبباً في إحباط هجوم الأحزاب.

- في أسرى بدر، استشار النبي ﷺ أصحابه في مصير الأسرى، فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر بالقتل، فمال إلى رأي أبي بكر، ثم نزل القرآن مؤيداً لرأي عمر.

- في صلح الحديبية، عندما أشار أبو بكر بقبول الصلح رغم شروطه المجحفة ظاهرياً، وكان في ذلك الخير للإسلام والمسلمين.

هذه المواقف وغيرها تؤكد أن النبي ﷺ، رغم أنه معصوم وموحى إليه، كان يلتزم بمبدأ الشورى، مما يجعلها واجبة من باب أولى على من يأتي بعده من الحكام.

  مجالات الشورى والقضايا المتعلقة بها

الشورى في الإسلام ليست محصورة في مجال معين، بل تشمل كل القضايا التي تهم الأمة، ويمكن تقسيمها إلى:

1. القضايا المتعلقة بالوحي: وهذه لا مجال للشورى فيها، لأن الوحي قطعي ومعصوم.

2. القضايا الاجتهادية: وهي التي لم يرد فيها نص قطعي، وهنا يتسع مجال الشورى لتشمل:

   - اختيار الحاكم وعزله

   - السياسة الخارجية والحرب والسلم

   - التشريعات التنظيمية والإدارية

   - توزيع الثروات والموارد

   - استحداث المؤسسات والهياكل الإدارية

3. القضايا التنفيذية: وهي المتعلقة بتنفيذ القرارات واختيار الوسائل المناسبة.

يقول الإمام ابن تيمية: "والواجب على ولاة الأمور المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه مع أنه كان يوحى إليه، ولأن المشاورة فيها اجتماع عقول العقلاء، والنظر فيما يقع من الأمور الكلية ونتائجها".

  الفصل الثالث: التجربة الراشدية - تطوير نظام الشورى وترسيخه

 الشورى في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه - نموذج الاختيار الحر

تولى أبو بكر الصديق الخلافة عبر عملية شورى حرة في سقيفة بني ساعدة، حيث تداول الصحابة الرأي واستقر اختيارهم عليه بإجماع نهائي بعد مناقشات ومداولات. وقد كانت هذه أول تجربة عملية في اختيار الحاكم بعد وفاة النبي ﷺ، وقد أرست قاعدة مهمة وهي أن الإمامة عقد بين الحاكم والأمة، وليست حقاً إلهياً للحاكم.

ولم يكتف أبو بكر بذلك، بل جسّد مبدأ الشورى في كل قراراته، فكان يجمع الصحابة في المسجد النبوي عند مواجهة القضايا المهمة. ومن أبرز تطبيقاته للشورى:

- استشار الصحابة في قتال مانعي الزكاة، وبعد مناقشات مستفيضة استقر رأيه على قتالهم.

- استشارهم في إرسال الجيوش لفتح الشام والعراق رغم التحديات الداخلية.

- استشارهم في اختيار عمر خليفة من بعده.

وكانت خطبته الأولى منهاجا للشورى عندما قال: "وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".

 الشورى في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه - مأسسة النظام وتوسيعه

إذا كان أبو بكر قد ثبت أركان الشورى، فإن عمر بن الخطاب قد طور آلياتها وأسس أول مجلس شورى منظم في الإسلام. وقد تميزت تجربته بعدة ملامح:

- إنشاء مجلس للشورى: ضم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وكان يستشيرهم في القضايا المهمة.

- توسيع قاعدة المشاركة: لم يقتصر على كبار الصحابة، بل كان يستشير الشباب والنساء أيضاً، فقد استشار عبد الرحمن بن عوف في مسألة الطاعون، واستشار أم المؤمنين حفصة في مدة غياب الجندي عن زوجته.

- استحداث الدواوين: التي نظمت عمل الدولة وضمنت شفافية القرارات.

- المشاورة العامة: حيث كان يخاطب الناس في المسجد: "أيها الناس، من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومني"، وقد قام إليه أحدهم وقال: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا". فرد عمر: "الحمد لله الذي جعل في الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه".

ومن أشهر تطبيقاته للشورى قضية الأراضي المفتوحة في العراق والشام، فقد أراد الصحابة قسمتها بين الفاتحين، لكنه استشار الجميع واستقر رأيه على إبقائها بيد أهلها مع فرض الخراج عليها ليكون مورداً دائماً للدولة، معللاً ذلك بقوله: "فما لمن يأتي من 

المسلمين بعدكم؟".

وكان قمة تطبيقه للشورى تشكيل مجلس الستة لاختيار الخليفة من بعده، حيث وضع ضوابط دقيقة للاختيار تضمن الحرية والنزاهة.

 الشورى في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه - استمرارية المنهج رغم التحديات

رغم الأحداث والفتن التي عصفت بالأمة في النصف الثاني من الخلافة الراشدة، إلا أن مبدأ الشورى ظل حاضراً في منهج الخلفاء

حرص عثمان بن عفان على الالتزام بمبدأ الشورى رغم التحديات التي واجهها، ومن أبرز تطبيقاته:

- استشار الصحابة في مشروع جمع القرآن على مصحف واحد، واستقر الرأي على المصحف العثماني الذي وحد الأمة على قراءة واحدة.

- استشارهم في توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي لاستيعاب أعداد الحجاج والمصلين المتزايدة.

- التزم بالشورى في اختيار الولاة والقادة، وإن اختلف الصحابة معه في بعض اختياراته فيما بعد.

 علي بن أبي طالب رضي الله عنه- الشورى في ظروف الفتنة

واجه علي بن أبي طالب أصعب الظروف في تاريخ الخلافة الراشدة، لكنه حافظ على مبدأ الشورى حتى في أحلك الأوقات:

 الشورى في القرارات السياسية الكبرى:

- استشار كبار الصحابة في قرار نقل عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة، بعد أن أصبحت المدينة بعيدة عن مركز الأحداث.

- شاور ابن عباس وعبد الله بن جعفر وغيرهما في استراتيجية التعامل مع الخوارج وأهل الشام.

- استشار أهل الرأي في قضية التحكيم بعد صفين، رغم اعتراضه الشخصي عليها، ولكنه قبل برأي الأغلبية حقناً للدماء.

الشورى في الإدارة والحكم:

- أنشأ مجلساً استشارياً في الكوفة ضم علماء الصحابة والتابعين مثل الحسن البصري وعبيد الله بن أبي رافع.

- كان يعقد جلسات مشورة عامة في مسجد الكوفة، ويقول: "اللهم إني أبرأ إليك من الاستبداد، وأعوذ بك من أن أحكم بغير ما أنزلت".

- استشار الفقهاء في المسائل الشرعية المعقدة التي نشأت من جراء الفتن، مثل حكم البغاة وأموال القتلى في الحروب الداخلية.

الشورى مع المخالفين:

تميز علي بموقف فريد في تطبيق الشورى، حيث كان يستشير حتى 

من يخالفونه في الرأي:

- دعا طلحة والزبير للتشاور معه قبل خروجهما للبصرة، وحاول إقناعهما بالعدول عن موقفهما.

- أرسل إلى معاوية مبعوثين للتفاوض والتشاور في حل الخلاف سلمياً قبل اللجوء للقتال.

- استشار عبد الله بن عباس في مفاوضة الخوارج، رغم رفضهم المبدئي للحوار.

 نماذج من شوراه الفقهية:

- استشار عبد الله بن عباس في مسألة ميراث الجد مع الإخوة، وقال: "لولا أن أبا بكر وعمر قضيا فيها لقضيت برأي آخر".

- شاور الفقهاء في حكم من قتل في صفين من الطرفين: هل هم شهداء أم لا؟ واستقر على أنهم "إخواننا بغوا علينا".

- استشار في مسألة أموال بيت المال المنهوبة أثناء الفتن، وكيفية استردادها دون ظلم للناس.

مبادئه في الشورى:

وضع علي بن أبي طالب مبادئ واضحة للشورى ظلت مرجعاً للفقهاء:

- "لا رأي لمن لا يُطاع": أي أن الشورى تستلزم تنفيذ ما يُتفق عليه.

- "المشورة عين الهداية": مؤكداً على أهمية الاستشارة في الوصول للحق.

- "من استبد برأيه هلك": محذراً من مخاطر الاستبداد حتى لو كان الحاكم على حق.

وهكذا جسد علي بن أبي طالب أروع صور الشورى في أصعب الظروف، مما يؤكد عمق هذا المبدأ في النظام السياسي الإسلامي وقدرته على التكيف مع جميع التحديات.

يقول الإمام الشافعي: "كان أمر الخلفاء الراشدين الشورى، لا يقضون أمراً دونها".

 الفصل الرابع: تطور نظام الشورى في التاريخ الإسلامي - بين المثالية والواقع

مؤسسات الشورى في العصر الأموي والعباسي

رغم تحول نظام الحكم إلى ما يشبه الملكية الوراثية في العصرين الأموي والعباسي، إلا أن مبدأ الشورى ظل حاضراً في صور مختلفة:

- مجلس الشورى: استمر وجوده كمؤسسة استشارية تضم العلماء والقادة والوجهاء، وإن كان دوره محدوداً.

- ديوان المظالم: الذي كان بمثابة رقابة قضائية على الولاة والعمال، 

وكان يرأسه القاضي أو الخليفة نفسه.

- الحسبة: التي كانت تراقب الأسواق والمرافق العامة وتضمن تطبيق الشريعة في المعاملات.

تُعد  مسالك السياسة الشرعية ومنها الشورى من أهم المفاهيم التي تميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من الأنظمة السياسية المعاصرة. وبالرغم من التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في العصر الحديث، فإن النموذج الإسلامي للحكم يظل صالحاً لكل زمان ومكان بفضل الخصائص الفريدة التي يتمتع بها. يستعرض هذا الفصل أسباب تفوق النموذج الإسلامي مع تقديم أمثلة تطبيقية توضح كيفية تحقيق هذه المبادئ في واقعنا المعاصر.

 أسباب تفوق النموذج الإسلامي

أولاً: التوازن بين الحاكمية والسلطة

يحقق النموذج الإسلامي توازناً فريداً بين سيادة الشريعة وحق الأمة في الرقابة والمشاركة، مما يمنع الاستبداد ويحول دون الفوضى. فالحاكم مقيد بالشريعة، والأمة تشارك في صناعة القرار وتراقب أداء الحاكم.

مثال تطبيقي: يمكن تطبيق هذا التوازن من خلال إنشاء محكمة دستورية عليا مهمتها مراقبة توافق القوانين مع الشريعة الإسلامية، 

بالإضافة إلى مجلس شورى منتخب يمثل الأمة ويشارك في التشريع والرقابة. كما تم تطبيقه في نموذج الخلافة الراشدة، حيث كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومه"، وكانت المرأة العادية تستطيع أن تصحح للخليفة فهمه لبعض الأحكام كما حدث في قضية تحديد المهور.

ثانياً: المرونة والتجدد

تجمع السياسة الشرعية بين ثبات المبادئ ومرونة الآليات، فهي تتيح الاجتهاد في الوسائل بما يحقق مقاصد الشريعة ويلبي حاجات الناس في كل عصر.

مثال تطبيقي: يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير آليات الشورى، مثل استخدام المنصات الإلكترونية لاستطلاع آراء المواطنين في القضايا المهمة، كما يمكن إنشاء نظام "الشورى الإلكتروني" الذي يتيح للمواطنين المشاركة في صنع القرارات عبر الإنترنت. وقد طبقت هذه المرونة في عهد الخلفاء الراشدين حين استحدث عمر بن الخطاب نظام الدواوين وسك العملة استجابة لمتطلبات الدولة المتوسعة، وكذلك عندما طور عثمان بن عفان نظام نسخ المصاحف لتوحيد الأمة.

ثالثاً: تحقيق العدل والمصلحة

الشورى تضمن مشاركة أصحاب الرأي والخبرة في صناعة القرار، وتمنع الانفراد والاستبداد، وتحقق وحدة الأمة وتماسكها.

مثال تطبيقي: يمكن تشكيل مجالس استشارية متخصصة (اقتصادية، اجتماعية، علمية، إلخ) تضم خبراء في مختلف المجالات لتقديم المشورة للحكومة في القضايا المتخصصة. وقد طبق هذا المبدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين استشار أصحابه في معركة بدر حول موقع النزول، فأشار عليه الحباب بن المنذر بتغيير الموقع، وكذلك في غزوة الخندق حين أخذ بمشورة سلمان الفارسي في حفر الخندق. وفي التاريخ الإسلامي، أنشأ الخليفة العباسي المأمون "بيت الحكمة" الذي جمع العلماء من مختلف التخصصات والديانات للمشاركة في تطوير العلوم والمعارف.

 رابعاً: الرقابة والمحاسبة

الحاكم في النظام الإسلامي مسؤول أمام الله ثم أمام الأمة، ويجوز عزله إذا جار أو خالف الشريعة، مما يمنع الاستبداد ويضمن التزام الحاكم بالحق والعدل.

مثال تطبيقي: يمكن تأسيس هيئة رقابية مستقلة تضم علماء الشريعة وخبراء القانون والإدارة، مهمتها مراقبة أداء الحكومة 

ومحاسبة المسؤولين عن أي انحراف أو فساد. وقد تجلى هذا المبدأ في قصة المرأة التي اعترضت على عمر بن الخطاب في المسجد حين أراد تحديد المهور، فقال عمر: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". كما أن مبدأ "الحسبة" في الإسلام يجسد هذا المعنى، حيث يمكن لأي فرد من أفراد المجتمع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى لو كان المنكر صادراً من الحاكم نفسه ، وتاريخ الاسلام مليء بالامثلة.

خامساً: الواقعية والتدرج

يتميز النموذج الإسلامي بالواقعية في التعامل مع الظروف المختلفة، والتدرج في تطبيق الأحكام بما يراعي الظروف والنوازل الحديثة .

مثال تطبيقي: يمكن وضع خطة مرحلية لتطبيق النظام الإسلامي تبدأ بالإصلاح التربوي والاجتماعي والإداري، ثم الإصلاح الاقتصادي، وصولاً إلى الإصلاح السياسي الشامل ، فتطبيق الحدود  وقد طبق هذا المنهج في صدر الإسلام حين تدرج التشريع في مختلف المجالات .

من الأمثلة التطبيقية المثال الأول: عام الرمادة - واقعية عمر رضي الله عنه في مواجهة الأزمات

في عام الرمادة (18هـ) أصاب الجزيرة العربية قحط شديد، فأوقف عمر بن الخطاب حد السرقة مؤقتاً قائلاً: "لا تُقطع يد السارق في 

عام السَّنة (المجاعة)"، مطبقاً قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات". كما منع توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية وركزها على إطعام الجوعى.

المثال الثاني: - تدرج في التطبيق التعامل مع أهل الكتاب 

 وضع نظام الذمة كمرحلة انتقالية، وتدرج في تطبيق بعض الأحكام وكان كالتالي

 التدرج الزمني في الأحكام:

في العهد المكي:

- لم تُفرض عليهم أحكام خاصة

- التركيز على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

في العهد المدني المبكر:

- صحيفة المدينة: اعتبر اليهود جزءاً من الأمة

- "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" في البداية

التدرج في التطبيق:

- المرحلة الأولى: المعاملة بالمثل والعدل

- المرحلة الثانية: فرض الجزية بدلاً من المشاركة العسكرية وبدل قتالهم 

  "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"

لكنهم اليهود كعادتهم اهل غدر 

- المرحلة الثالثة: وضع قواعد للتعايش (عهد عمر مع أهل إيلياء)

 مثال عملي - عهد عمر مع أهل إيلياء:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:

- أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم

- لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها

- لا يُكرهون على دينهم

- ولا يُضار أحد منهم"

 سادساً: الشمولية والتكامل

النموذج الإسلامي يتعامل مع الإنسان ككل متكامل، ويراعي جميع جوانب الحياة الروحية والمادية، الفردية والجماعية.

مثال تطبيقي: يمكن إنشاء نظام تعليمي يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، ويهتم بتربية الإنسان المسلم المتوازن روحياً وعقلياً وجسدياً. وقد تجلى هذا المبدأ في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حيث ازدهرت العلوم الشرعية جنباً إلى جنب مع العلوم الطبيعية والإنسانية. وفي العصر الحديث، يمكن الاستفادة من تجربة بعض الجامعات الإسلامية التي تجمع بين تدريس العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، مثل جامعة الأزهر في مصر.

تحديات تطبيق النموذج الإسلامي في العصر الحديث وبعض سبل التغلب عليها

تمتلك المنظومة الإسلامية رؤية متكاملة للحكم والحياة، إلا أن ترجمة هذه الرؤية إلى واقع معاصر تواجه جملة من التحديات الجوهرية التي تحتاج إلى معالجة عميقة:

أولاً: التحديات الفكرية والثقافية

يواجه المشروع الإسلامي إشكالية عميقة في القبول المجتمعي، حيث ساهمت عقود من التغريب في:

- ترسيخ القيم العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة

- تشويه صورة الحكم الإسلامي عبر وسائل الإعلام العالمية

- انتشار النزعات الفردية التي تتعارض مع مفهوم الأمة الواحدة

ثانياً: التحديات السياسية والجيوسياسية

تعيق البيئة السياسية المعاصرة تطبيق النموذج الإسلامي من خلال:

- هيمنة الأنظمة الاستبدادية على كثير من البلاد الإسلامية

- الضغوط الدولية المباشرة عبر العقوبات الاقتصادية

- معارضة القوى الكبرى لأي نموذج حكم مستقل عن الهيمنة الغربية خاصة تطبيق الشريعة

ثالثاً: التحديات الاقتصادية والتنموية

أفرز النظام العالمي الجديد عوائق هيكلية تتمثل في:

- الارتباط العضوي بالمنظومة الرأسمالية العالمية

- تبعية المؤسسات المالية الإسلامية للبنوك التقليدية

- هيمنة الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصادات المحلية

رابعاً: التحديات التنفيذية والمؤسسية

تعاني التجارب الإسلامية المعاصرة من:

- ضعف الكوادر المؤهلة لإدارة الدولة الحديثة

- غياب الآليات التنفيذية للشريعة في المجال العام

- مشاكل التدرج في التطبيق بين الواقع والمثال وحصرها في العقوبات

بعض الرؤى للتغلب على التحديات:

يمكن تجاوز هذه العقبات من خلال:

 -مشروع فكري تجديدي يعيد صياغة المفاهيم الإسلامية بلغة العصر لا بلغة الإنهزاميين المدعنين للغرب 

قال الإمام عَلِيٌّ رضي الله عنه: "حَدِّثُوا النَّاسَ، بما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ ورَسولُهُ" (انظر صحيح البخاري، حديث 127)

 وأيضا قال عبد اللهِ بنَ مَسْعُودٍ: "ما أنْتَ بمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلَّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً". (انظر صحيح مسلم في المقدمة، حديث 5)

 - بناء تحالفات إستراتيجية بين القوى الإسلامية والتوجهات 

الإصلاحية وإستغلال الصراعات الدولية في ذلك

- تطوير نماذج اقتصادية بديلة قائمة على الزكاة و التكافل والاستقلال

- إعداد الفرد المسلم الإعداد الإيماني والعسكري 

- إعداد كوادر متخصصة في الحكم والإدارة وفق الرؤية الإسلامية

- اعتماد منهج التدرج الحكيم في التطبيق لا الإلغاء

إن هذه التحديات - وإن بدت جسيمة - فهي ابتلاء وامتحان من الله عز وجل، وما نحن إلا مأمورون بالأخذ بالأسباب والمضي قدماً في تطبيق شريعة الله. فالأمر كله بيد الله، وما علينا إلا أن نبذل الجهد والصبر والتخطيط والعمل الدؤوب ونتوكل عليه سبحانه. يقول الحق تبارك وتعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"، ويقول أيضاً: "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ". فإن كان النصر من الله، فلا قوة تقف في وجهنا، وإن كان الابتلاء من الله، فهو خير لنا ولو لم نعلم. وبهذا اليقين والثبات على منهج الله، تتحول العقبات إلى منطلقات للنهضة الحقيقية المباركة.

خاتمة

إن صلاحية النموذج الإسلامي لكل زمان ومكان ليست مجرد شعار، بل هي حقيقة تؤكدها الخصائص الفريدة التي يتمتع بها هذا النموذج، بل هو قبل ذلك كله امر رباني ينبغي الإلتزام به وحقيقه واقعيا .

 والتحديات التي تواجه تطبيقه في العصر الحديث ليست مستحيلة التجاوز، بل هي تستدعي اجتهاداً متجدداً وعملاً دؤوباً من علماء الأمة ومفكريها وقادتها. ولعل في تجارب بعض الدول الإسلامية  ما يبشر بإمكانية تطبيق جوانب من هذا النموذج بنجاح، مع مراعاة خصوصيات كل مجتمع وظروفه.

إن العودة إلى النموذج الإسلامي في الحكم ليست عودة إلى الماضي، بل إستجابة لأمر الله و استلهام لقيم الحق والعدل والشورى التي جاء بها الإسلام، وصياغتها في قوالب عصرية تلبي احتياجات المجتمعات المسلمة المعاصرة وتحقق لها النهضة والتقدم والازدهار وجامع كل ذلك عزة المسلم وكرامته .

تعليقات

الكلمات الدلالية