img
img

هل يمكن أن تكون تجربة النمور الآسيوية حاضرة في مستقبل سوريا: الإصلاح عبر الصدمة؟

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

هل يمكن أن تكون تجربة النمور الآسيوية حاضرة في مستقبل سوريا: الإصلاح عبر الصدمة؟

أ. مهند العبد الله

باحث وكاتب اجتماعي


لطالما تحدث الرئيس السوري عن إعجابة في تجربة سنغافورة الالهامية له في المقابلات مع الصحفيين وايضا ذكرها الشيباني في مؤتمر دافس امام تون بلير  انها التجربة السورية القادمة سوف تكون مثل سنكافورة 

تُعد تجربة "النمور الآسيوية" – وهي هونغ كونغ، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان – من أبرز النماذج الناجحة للإصلاح الاقتصادي والتنموي في القرن العشرين. اعتمدت هذه الدول على استراتيجيات جريئة قائمة على التصنيع الموجه للتصدير، والاستثمار في التعليم، وبناء مؤسسات قوية. لكن السؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن لسوريا، التي أنهكتها الحرب والأزمات الهيكلية، أن تستلهم هذه التجربة، وتتبنى نموذج "الإصلاح عبر الصدمة" الذي طبقته اليابان بعد الحرب العالمية الثانية؟ وهل يمكن لهذا النهج أن يكون حلاً لبناء نظام إداري واقتصادي جديد، بعد عقود من الفشل المؤسسي؟

الإصلاح عبر الصدمة: دروس من تجربة اليابان

بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945، وجدت البلاد نفسها في حالة كارثية: بنية تحتية مدمرة، واقتصاد منهار، ومجتمع يعاني من صدمة نفسية. هنا، تدخلت الولايات المتحدة، المحتلة آنذاك، لفرض إصلاحات جذرية عبر "صدمة" منهجية هدفت إلى تفكيك النظام القديم وبناء دولة ديمقراطية حديثة. شملت هذه الإصلاحات:

1.إعادة هيكلة النظام السياسي: بإلغاء النظام العسكري، وتبني دستور ديمقراطي يحد من سلطة الإمبراطور.

2.إصلاح زراعي: توزيع الأراضي على الفلاحين، مما قلل الفوارق الطبقية ودفع عجلة الإنتاج.

3.تفكيك الزايباتسو التكتلات الصناعية: لتعزيز المنافسة ومنع احتكار السلطة الاقتصادية.

4.الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا: كأساس للتنمية طويلة المدى.

كانت هذه الإصلاحات "صادمة" لأنها غيرت البنى التقليدية جذرياً، لكنها حوّلت اليابان إلى عملاق اقتصادي خلال ثلاثة عقود.

سوريا اليوم: إرث الفشل المؤسسي

على النقيض، تعاني سوريا من نظام إداري واقتصادي فاشل تركه النظام البائد ، تُرَاكَمت إخفاقاته على مدى عقود. فوفقاً لتقارير البنك الدولي (2022)، تحتل سوريا مراكز متأخرة عالمياً في مؤشرات الحوكمة، والشفافية، وجودة الخدمات العامة. وقد تفاقم هذا الوضع بسبب قيام النظام منذ 2011 الى ارضى انصاره وجرهم الى الوظائف الغير الكفائية ، التي دمرت البنية التحتية، وزادت من مركزية السلطة، وأفرزت اقتصاداً ظلاً يُقدّر بنحو 40% من الناتج المحلي (منظمة الأمم المتحدة، 2023). اليوم، يواجه النظام السوري تحدياً ثلاثياً: إعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات، واستعادة الشرعية.

هل يمكن تطبيق نموذج "الصدمة" في سوريا؟

لكي تكون تجربة النمور الآسيوية واليابان ملهمة لسوريا، لا بد من تحليل عوامل النجاح في تلك النماذج ومقارنتها بالواقع السوري:

1.الاستقرار السياسي والشرعية:  

نجحت اليابان لأن الإصلاحات نفذت تحت مظلة احتلال فرض الاستقرار، بينما تفتقر سوريا إلى إجماع سياسي دولي أو دعم دولي موحد. فالتجربة السورية تتطلب أولاً تسوية سياسية لجميع الاطرف في المجتمع، وتضمن مشاركة جميع الأطراف في عملية الإصلاح.

2.الدعم الخارجي والتمويل:  

 تلقت اليابان مساعدات مالية ضخمة عبر "خطة مارشال"، في حين تواجه سوريا عقوبات دولية تعيق إعادة الإعمار. بدون رفع العقوبات وحزمة تمويلية تشمل إعفاء الديون، ستبقى أي إصلاحات حبراً على ورق.

3. الإرادة الإصلاحية:  

 الإصلاح عبر الصدمة يتطلب قيادة سياسية مستعدة لتقديم تنازلات. في سوريا.

4. بناء المؤسسات بدلاً من تفكيكها:  

بينما ركز النموذج الياباني على بناء مؤسسات جديدة، تحتاج سوريا إلى إصلاح مؤسسات منهكة، مثل القضاء والإدارة المحلية، مع مكافحة الفساد عبر أنظمة رقابية مستقلة.

مقترحات لإصلاح سوري مستوحى من النمور الآسيوية

رغم التحديات، يمكن لسوريا تبني عناصر من نموذج "الصدمة" مع تكييفه مع واقعها:

-إصلاح إداري صادم:  

  تفكيك البيروقراطية المركزية عبر تطبيق اللامركزية الإدارية، ودمج الكفاءات بعيداً عن المحسوبيات.

-تحرير الاقتصاد تدريجياً:  

فتح القطاعات غير الإستراتيجية للاستثمار الخاص، مع إطلاق برامج تدريبية لتمكين الشباب من دخول سوق العمل، كما فعلت كوريا الجنوبية في سبعينيات القرن الماضي.

-التركيز على التعليم التقني:  

  إنشاء جامعات متخصصة في المجالات التكنولوجية، لدعم الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، وهو ما فعلته سنغافورة لتحقيق قفزة نوعية.

-إشراف دولي:  

  تشكيل هيئة إصلاح برعاية أممية، تضمن توازن المصالح وشفافية توزيع الموارد، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار.

الخاتمة: الإصلاح ممكن لكن بشروط

التجربة الآسيوية تثبت أن الإصلاح عبر الصدمة ممكن، لكن نجاحه في سوريا مرهون بتحقيق شروط أولية، أهمها التسوية السياسية، والدعم المالي الدولي، وقيادة تتبنى التغيير دون خوف. دون ذلك، سيظل الحديث عن الإصلاح مجرد أمنية. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تعرف طريق الإصلاح قادرة على النهوض حتى من تحت الأنقاض، كما فعلت اليابان يوماً.

تعليقات

الكلمات الدلالية