img
img

تربية النفس على المحاسبة الذاتية: منهج إسلامي تربوي متكامل

img
المنصة التربوية الشاملة

تربية النفس على المحاسبة الذاتية: منهج إسلامي تربوي متكامل

أ.د عصام اشويدر

 رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 

ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه

تعد قدرة الإنسان على محاسبة نفسه أحد أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة القادرة على التطور والنجاح. لكن المتأمل في واقع مجتمعاتنا يلحظ انتشار ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين والتنصل من المسؤولية، وهي ظاهرة تبدأ منذ الطفولة وتترسخ مع التقدم في العمر. يأتي المنهج الإسلامي ليؤسس لثقافة مغايرة قوامها تحمل المسؤولية ومحاسبة النفس، وهو ما يتوافق مع أحدث نظريات علم النفس التربوي في بناء شخصية متزنة وإيجابية.

أولاً: الأساس الشرعي للمحاسبة الذاتية

 دلالات الآية الكريمة "قُلْ فَأَنفُسِكُمْ"

يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أل عمران

تمثل هذه الآية قاعدة أساسية في المنهج الإسلامي لتربية النفس، حيث توجه المسلم إلى البحث عن أسباب المصائب والإخفاقات في نفسه أولاً، لا في العوامل الخارجية. نزلت الآية في سياق غزوة أحد عندما تساءل المسلمون عن سبب هزيمتهم، فكان الرد الرباني بتوجيههم لمحاسبة أنفسهم ومراجعة أفعالهم، بدلاً من البحث عن أسباب خارجية.

يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي قل لهم يا محمد: إن الذي أصابكم إنما هو بسبب أنفسكم، حيث خالفتم أمر الرسول". وهذا المبدأ يؤسس لمفهوم المسؤولية الذاتية، وأن الإنسان هو صانع مصيره بإرادته واختياراته.

أدلة نقلية أخرى تؤكد مبدأ المحاسبة الذاتية

1. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]

2. حديث النبي ﷺ: "كَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ" -رواه الترمذي

3. قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم"

هذه النصوص تؤسس لمنهج متكامل في التربية الذاتية يقوم على استشعار المسؤولية الفردية والمحاسبة المستمرة للنفس، بعيداً عن إلقاء اللوم على الظروف والآخرين.

 ثانياً: التحليل النفسي لظاهرة إلقاء اللوم على الآخرين

  جذور المشكلة في الطفولة المبكرة

تشير الدراسات النفسية إلى أن سلوك إلقاء اللوم على الآخرين يبدأ تشكله منذ مراحل الطفولة المبكرة. عندما يتعثر الطفل ويسقط، ويقوم الوالدان بتوجيهه لضرب الأرض أو الطاولة، فإنهما يغرسان فيه - دون قصد - بذور التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على العوامل الخارجية.

يوضح الدكتور كارول دويك في نظرية العقلية النامية (Growth Mindset) أن الأطفال الذين يعتادون على تحميل المسؤولية 

للآخرين يطورون ما يسمى بـ "العقلية الثابتة" (Fixed Mindset)، حيث يعتبرون الفشل نتيجة لعوامل خارجية لا يمكن السيطرة عليها، بينما يطور الأطفال الذين يتعلمون تحمل المسؤولية "عقلية النمو" التي تمكنهم من رؤية التحديات كفرص للتعلم والتطور.

التطور السلبي لسلوك إلقاء اللوم

يتطور هذا السلوك مع نمو الطفل ليصبح نمطاً راسخاً في شخصيته، فتجده:

- يلقي باللوم على المعلم عند رسوبه في الامتحان

- يحمّل زملاءه مسؤولية إخفاقه في العمل الجماعي

- يبرر أخطاءه بظروف خارجية لا دخل له بها

وقد أظهرت الدراسات النفسية أن هذا النمط السلوكي يؤدي إلى:

- انخفاض الدافعية للتعلم والتطور

- ضعف القدرة على حل المشكلات

- تدني مستوى الثقة بالنفس على المدى البعيد

- صعوبة تكوين علاقات اجتماعية صحية

- الشعور المستمر بالإحباط والظلم

 ثالثاً: منهج تربية النفس على المحاسبة الذاتية

  خطوات عملية لتعويد الطفل على محاسبة نفسه

 1. تعليم الطفل الاعتراف بالخطأ

- تشجيع الطفل على قول عبارات مثل "أخطأت" و"أنا آسف" دون خوف من العقاب

- تقديم القدوة العملية من خلال اعتراف الوالدين بأخطائهم أمام الطفل

- تعزيز السلوك الإيجابي عند اعتراف الطفل بخطئه من خلال الثناء على شجاعته

 2. تدريب الطفل على تحمل العواقب

- تطبيق مبدأ "النتائج الطبيعية" للأفعال، بحيث يتعلم الطفل أن لكل فعل نتيجة

- تجنب التدخل السريع لإنقاذ الطفل من نتائج أخطائه (ما لم تكن خطيرة)

- مساعدة الطفل على فهم العلاقة بين تصرفاته ونتائجها من خلال الحوار الهادئ

  3. تعزيز ثقافة "ما حدث بسببي"

- تشجيع الطفل على استخدام عبارات إيجابية تعبر عن المسؤولية مثل "أستطيع أن أحسّن هذا" بدلاً من "هذا صعب"

- تحويل لغة الطفل من "لم أستطع الحل لأن المسألة صعبة" إلى "لم أفهم المسألة جيداً، سأحاول مرة أخرى"

- تعليم الطفل تقنية "ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟" بعد كل موقف سلبي

4. تنمية مهارة التفكير الناقد

- طرح أسئلة تأملية على الطفل مثل "ما الذي يمكنك فعله بشكل مختلف في المرة القادمة؟"

- تعليم الطفل تحليل المواقف بموضوعية من خلال أنشطة تفاعلية

- مساعدة الطفل على التمييز بين ما هو ضمن سيطرته وما هو خارج عنها

 رابعاً: نماذج تطبيقية من السيرة النبوية

مواقف من حياة النبي ﷺ

1. موقفه يوم حنين: عندما انهزم المسلمون في بداية المعركة، لم يلق النبي ﷺ اللوم على أصحابه، بل واجه الموقف بشجاعة وثبات، وقال: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، مُتحملاً مسؤولية القيادة في لحظة حرجة.

2. استشارته لأصحابه في أحد: رغم أن رأيه كان البقاء في المدينة، قبل برأي الأغلبية بالخروج للقتال، ولم يلق باللوم عليهم عندما تغيرت مجريات المعركة.

 مواقف من حياة الصحابة

1. موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال: "أقيلوني فلست بخيركم"، معترفاً بإمكانية الخطأ ومستعداً لتحمل المسؤولية.

2. موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، حيث قال: "والله لو أن الله لم يفرج عنهم لأدخلت على كل بيت من المسلمين مثلهم من أهل الجدة، فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم"، متحملاً مسؤولية رعاية الناس في وقت الأزمة.

3. قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما فقد خاتم النبي ﷺ في بئر أريس، حيث لم يلق اللوم على أحد وتحمل مسؤولية ما حدث.

هذه المواقف تعكس منهجاً تربوياً متكاملاً في تحمل المسؤولية ومحاسبة النفس، وتمثل نماذج عملية يمكن الاقتداء بها في تربية الأبناء.

خامساً: أخطاء تربوية شائعة تعزز ثقافة إلقاء اللوم

 1. تبرير أخطاء الطفل دائماً

من الأخطاء الشائعة أن يسارع الوالدان إلى تبرير أخطاء الطفل في كل موقف، مما يحرمه من فرصة التعلم وتحمل المسؤولية. على سبيل المثال، عندما يتأخر الطفل عن المدرسة ويبرر الوالدان ذلك للمعلم بأسباب غير حقيقية، فإنهما يرسخان في نفسه ثقافة التنصل من المسؤولية.

2. إلقاء اللوم على الأشياء الجامدة

عندما يتعثر الطفل ويسقط، ويقول له الوالدان: "اضرب الأرض 

لأنها آذتك"، فإنهما يعلمانه - دون قصد - أن سبب المشكلة خارج عنه، بدلاً من توجيهه لفهم كيفية تجنب السقوط مستقبلاً.

3. الحماية المفرطة من تحمل النتائج

عندما ينسى الطفل واجباته المدرسية ويسارع الوالدان لإكمالها عنه ليلاً، أو عندما يكسر شيئاً ويقوم الوالدان بإصلاحه دون مشاركته، فإنهما يحرمانه من فرصة تعلم الدرس وتحمل نتائج تصرفاته.

4. النقد المستمر والمقارنة مع الآخرين

التركيز على انتقاد الطفل ومقارنته بالآخرين يدفعه للبحث عن مبررات خارجية لإخفاقاته، كقوله: "أنا لست ذكياً مثل أخي" أو "المعلم لا يحبني"، بدلاً من تركيزه على تطوير مهاراته.

5. عدم إعطاء الطفل مسؤوليات تناسب عمره

كثير من الآباء يتجنبون إعطاء أطفالهم مسؤوليات منزلية بحجة صغر سنهم، مما يحرمهم من تنمية حس المسؤولية والقدرة على تحمل تبعات القرارات.

 سادساً: فوائد التربية على المسؤولية والمحاسبة الذاتية

1. بناء الثقة بالنفس الحقيقية

الطفل الذي يتعلم تحمل المسؤولية يطور ثقة حقيقية بنفسه نابعة من إدراكه لقدرته على التأثير في محيطه وتغيير واقعه، بدلاً من الشعور بأنه ضحية للظروف.

 2. تنمية القدرة على حل المشكلات

عندما يتعلم الطفل البحث عن الأسباب في داخله أولاً، يصبح أكثر قدرة على تحليل المواقف بموضوعية وإيجاد حلول إبداعية للمشكلات.

3. تحسين العلاقات الاجتماعية

الشخص الذي يتحمل مسؤولية أفعاله ويعترف بأخطائه يكون أكثر قدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية قائمة على الاحترام المتبادل والصدق.

4. زيادة الدافعية للتعلم والتطور

عندما يدرك الطفل أن نجاحه أو فشله مرتبط بمجهوده الشخصي، يزداد حماسه للتعلم والتطوير المستمر لذاته.

5. المرونة النفسية في مواجهة التحديات

الأشخاص الذين يتمتعون بحس المسؤولية الذاتية يكونون أكثر مرونة في مواجهة التحديات والصعوبات، ويتعافون بسرعة أكبر من الإخفاقات.

ختاما  نحو منهج تربوي متكامل

تربية النفس على المحاسبة الذاتية ليست مجرد أسلوب تربوي، بل هي منهج حياة متكامل يستمد أصوله من تعاليم الإسلام ويتوافق مع أحدث نظريات علم النفس التربوي. هذا المنهج يسهم في بناء جيل واعٍ يتحمل مسؤولية أفعاله ويسعى دوماً للتطوير والتحسين، دون الاعتماد على الظروف الخارجية أو إلقاء اللوم على الآخرين.

يبدأ هذا المنهج من البيت، حيث القدوة العملية من الوالدين، 

ويمتد ليشمل المدرسة والمجتمع. ولعل أهم ما يميزه أنه يجمع بين الأصالة الإسلامية بمفاهيمها العميقة في تزكية النفس ومحاسبتها، وبين المعاصرة في أساليبه وتطبيقاته التربوية.

إن تبني هذا المنهج في تربية أبنائنا يسهم في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات ومتجاوز لثقافة اللوم والتبرير التي أصبحت سائدة، ويؤسس لنهضة حقيقية قوامها الإنسان الواعي المسؤول.

تعليقات

الكلمات الدلالية