img
img

تحليل المشهد الليبي مع توصييات استراتيجية

img
الشبكة

تحليل المشهد الليبي مع توصييات استراتيجية

أ.د عصام اشويدر 
 رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان 



بسم الله الرحمن الرحيم 
 تفاصيل الانقسام والصراع

 
تشهد ليبيا منذ سنوات حالة من الانقسام السياسي والأمني الحاد، انعكست في وجود حكومتين متنافستين، وصراعات داخلية معقدة، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة وقد اشتد هذا الأمر في هذه الأيام، فيما يلي تفصيل للمشهد الليبي الحالي:


المشهد الأول : 

1. الانقسام السياسي والمؤسساتي
توجد حكومتان فعليتان:
حكومة في الشرق مقرها بنغازي، مدعومة من البرلمان الليبي وقائدها الفعلي خليفة حفتر، وتحظى بدعم قوي من مصر والإمارات وروسيا.
حكومة في الغرب مقرها طرابلس، تعرف بـ"حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهي معترف بها دولياً وتحظى بدعم تركيا، وبتأييد أمريكي محدود.
2. الدعم الخارجي وأبعاده
مصر: تعتبر شرق ليبيا امتداداً لأمنها القومي، وقد أعلنت مراراً أن تجاوز خط "سرت/الجفرة" من قبل قوات الغرب أو حلفائها سيقابل بردع عسكري مصري مباشر. 
ترى القاهرة أن استقرار ليبيا ضرورة لحماية حدودها الغربية من الفوضى، ولقطع الطريق على النفوذ التركي والإسلامي.
الإمارات وروسيا: تدعمان حفتر عسكرياً وسياسياً، وتوفران له السلاح والغطاء الدولي، سعياً لتثبيت نفوذ حليف قوي ومعادٍ للإسلاميين في شرق ليبيا.
تركيا: تدخلت بقوة لصالح حكومة طرابلس، وقدمت الدعم العسكري الذي كان حاسماً في صد هجوم حفتر على العاصمة عام 2020، كما تسعى لتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية في شرق المتوسط.
أمريكا: موقفها متذبذب، لكنها تميل حالياً لدعم الاستقرار ومنع سيطرة روسيا على شرق المتوسط عبر حفتر.
3. المشهد الأمني والعسكري
الشرق: تسيطر عليه قوات حفتر بقبضة أمنية قوية، مع دعم من تيارات سلفية(مدخلية) وفلول النظام السابق، ويُتهم النظام هناك بالفساد وتغليب الطابع الوراثي في الحكم.
الغرب: تعاني حكومة الدبيبة من ضعف السيطرة على المجموعات المسلحة المتعددة والمتنافسة في طرابلس ومحيطها، حيث لا يوجد جيش موحد، بل شبكة من الميليشيات والعصابات المسلحة التي تتصارع على النفوذ والموارد. هذا التشرذم يفسر كثرة الصراعات الدامية في العاصمة، ويفقد الحكومة القدرة على بسط سيطرتها الكاملة.
4. الاقتصاد ومؤسسات الدولة
البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط لا تزالان تحافظان على قدر من الحياد، وتوزع عائدات النفط والرواتب بشكل متساوٍ بين الشرق والغرب، في محاولة لتجنب انهيار اقتصادي شامل أو تقسيم فعلي للبلاد.
5. الأوضاع الشعبية والاحتجاجات
تتصاعد الاحتجاجات في الغرب ضد حكومة الدبيبة بدعم استخباراتي داخلي وخارجي، بدعوى الفساد، الفوضى الأمنية، وتدهور الأوضاع المعيشية، حيث شهدت طرابلس ومدن أخرى مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة وتغيير النظام. كما أدت الاشتباكات الأخيرة إلى سقوط قتلى وجرحى، واستقالة وزراء، واقتحام مقرات حكومية.
6. سيناريوهات المستقبل
الوحدة الوطنية: خيار صعب وبعيد في ظل الانقسامات والتدخلات الخارجية.
الفيدرالية: قد تتجه ليبيا إلى نظام فيدرالي موسع بحكومتين شرقية وغربية، مع استمرار تقاسم الموارد.
الانقسام المستمر: السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً هو استمرار الانقسام، مع محاولات كل طرف تقويض الآخر إما عبر المواجهة العسكرية أو التخريب الأمني والاستخباري.
محاولات حفتر: بعد فشل هجومه العسكري على طرابلس، لجأ حفتر إلى محاولات زعزعة استقرار الغرب عبر التحريض بين الفصائل المسلحة، وإثارة الفوضى الأمنية لإضعاف حكومة الدبيبة.
7. رهانات الأطراف
خصوم حكومة طرابلس يراهنون على إسقاطها عبر الفوضى والاختراقات الداخلية، تمهيداً لإعادة دمج أنصار حفتر و"المداخلة" في مؤسسات الغرب، وتهيئة الطريق لسيطرة حفتر على كامل ليبيا.
الدبيبة يسعى لتقوية مركزه، وتوحيد الجماعات المسلحة تحت سلطته، لكنه يواجه مقاومة عنيفة من زعامات 
الميليشيات التي ترفض الانضواء تحت حكم مركزي.


المشهد الثاني : المخططات السياسية لقوات حفتر وفضائحه
 1. انتهاكات شرعية في الممارسات الميدانية
- استهداف المدنيين: قصف الأحياء السكنية والمستشفيات (موثق من الأمم المتحدة)
- التمويل من دول تنتهك حقوق المسلمين: الإمارات (خروقاتها في السودان واليمن ودعم الثورات المضادة) ومصر (انقلاب السيسي)
- التحالف مع مرتزقة فاغنر الروس: وهم من القوات التي قتلت المسلمين في سوريا و تقتلهم في أفريقيا
 2. مخالفات ضد الشرعية
- الانقلاب على الشرعية: رفض نتائج مؤتمر الحوار الوطني 2015
- تعطيل العملية السياسية: عرقلة الانتخابات منذ 2014
- الاستيلاء على المال العام: تحويل عائدات النفط الشرقي لتمويل الحرب
3. التواطؤ الدولي المشبوه
- الدعم الروسي: يهدف لإنشاء قواعد عسكرية تهدد أمن المتوسط
- التنسيق المصري: لفرض هيمنة على شرق ليبيا
- التمويل الإماراتي: جزء من مشروع الهيمنة الإقليمية المعادي للإسلاميين


المشهد الثالث: كشف الأدلة على عدم شرعية حفتر وأجندته
1. انتهاكات موثقة من منظمات حقوقية
- جرائم حرب: حسب تقارير الأمم المتحدة 2020-2023
- تعذيب المعتقلين: في سجون برقة والجفرة
- تهجير قسري: لأهالي طرابلس والزنتان
 2. تحالفات غير شرعية
- الارتباط بالموساد: عبر وسطاء في قبرص (حسب تسريبات ويكيليكس)
- التعاون مع مليشيات مسيحية: في تشاد وأفريقيا الوسطى
- التمويل من دول معادية للربيع العربي
 3. أجندة هدم الدولة
 -تقسيم ليبيا: مشروع "الفيدرالية" المزعوم
- إضعاف الاقتصاد: حظر تصدير النفط لأشهر
- تدمير المؤسسات: استهداف المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط


 المشهد الرابع: الأدلة على المؤامرة الخارجية
1. وثائق الأمم المتحدة: تثبت تورط روسيا والإمارات في تمويل المرتزقة
2. تحقيقات دولية: عن صفقات أسلحة غير مشروعة عبر مصر
3. تسريبات إعلامية: عن اجتماعات سرية بين حفتر والموساد
4. تقارير استخباراتية: عن مخطط لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات
 توصيات 
 ✓توصيات شرعية للتعامل مع الأزمة
 1. واجبات الحكومة الشرعية
- إعلان الجه/اد الدفاعي: لحماية المدنيين والمؤسسات(بضوابط الشرع)
 -تفعيل القضاء: محاكمة مجرمي الحرب من قوات حفتر
- حفظ الأمانات: إدارة الموارد لصالح كل الليبيين
2. واجبات العلماء والدعاة
- بيان حكم الشرع: في الانقلابات العسكرية
- كشف المؤامرات: ضد وحدة ليبيا
- التأكيد على: أن قتال حفتر "قتال الصائل" يجب دفعه ولا نامت اعين المداخلة 
✓ توصييات عامة ونصائح :
 1. توحيد الصف الداخلي
- إصلاح أمني عاجل: إنشاء قوة أمنية موحدة تحت سلطة الحكومة، وإدماج الميليشيات في هيكل مؤسسي منظم
- فتح حوار وطني حقيقي: مع كافة الأطراف في الغرب الليبي، بما فيها المعارضة للدبيبة، للتوافق على خارطة طريق واضحة أساسها المحافظة على الثوابت الإسلامية 
- الإصلاح الإداري: مكافحة الفساد بشكل حازم وشفاف، وتحسين أداء مؤسسات الدولة
2.تعزيز الشرعية الشعبية
- تحسين الخدمات الأساسية: الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم 
- إطلاق مشاريع تنموية: خاصة في المناطق المهمشة والمتضررة من الصراع
- خطاب إعلامي متماسك: يشرح رؤية الحكومة وخططها وإنجازاتها
- تفعيل دور المجتمع المدني: للمشاركة في صنع القرار وتقريب وجهات النظر 
3. الاستراتيجية الدبلوماسية
- تنويع العلاقات الدولية: عدم الاعتماد فقط على الدعم التركي، وفتح قنوات مع دول أخرى واستغلال الصراع الدولي 
- تحييد مصر 
- استثمار الدعم بعض دول المنطقة المغاربية: وتوسيعه ليشمل مجالات أمنية وسياسية
- إعادة الزخم للمسار الأممي: والضغط لتنفيذ خارطة طريق واضحة
 4. الاستراتيجية العسكرية والأمنية
- توحيد القيادة العسكرية: تحت سلطة وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي
- إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية: وتطهيرها من العناصر المخترقة
- ضبط جهة الجنوب الليبي
- تأمين العاصمة والمنشآت الحيوية: لمنع أي محاولات انقلابية
5. الإصلاح الاقتصادي
- تنويع مصادر الدخل: وعدم الاعتماد الكلي على النفط
- إعادة إعمار البنية التحتية: خاصة الطرق والمستشفيات والمدارس
- دعم القطاع الخاص: وخلق فرص عمل للشباب
- ترشيد الإنفاق الحكومي: ومكافحة تهريب الدعم والوقود
 6. استراتيجية مكافحة الاختراق الأمني
- تفكيك شبكات التجسس: المرتبطة بحفتر في الغرب الليبي
- تعزيز الرقابة على المعابر الحدودية: لمنع تسلل العناصر المعادية
- إصلاح جهاز المخابرات: ليكون أكثر فعالية في رصد التهديدات
7.  استراتيجية على المستوى الإعلامي والمعلوماتي
- إنشاء مركز للرصد والتوثيق لفضح المخططات المستهدفة للدولة الليبية
- تطوير خطاب إعلامي مؤثر يعزز الثقة في مؤسسات الدولة الشرعية
- مواجهة حملات التضليل الإعلامي بالحقائق والبراهين الدامغة
8. الاستراتيجية الفقهية الدعوية 
 • توحيد الخطاب الديني:
- تشكيل مجلس علماء موحد يصدر الفتاوى الرسمية
- مواجهة الفتاوى الضالة التي تروجها جماعات حفتر
- توحيد المناهج الدعوية في المساجد والمعاهد
 • إحياء الهوية الإسلامية:
- إطلاق برامج تربوية تعزز العزة بالدين
- كشف مخططات التغريب والعلمنة التي يدعوا اليها حفتر
- ربط الشباب بتراثهم الإسلامي عبر السيرة النبوية
• التأهيل الدعوي:
- تدريب الدعاة على الفقه السياسي الشرعي
- إعداد خطباء قادرين على مخاطبة جميع الشرائح
- تأسيس معاهد لتخريج دعاة معتدلين
• الإصلاح التعليمي:
- مراجعة المناهج الدراسية لتعزيز الهوية الإسلامية
- تنقية الكتب من الأفكار الدخيلة
- إدخال مواد شرعية تعزز الوحدة الوطنية أساسها الثوابت الإسلامية 
• مواجهة الفتن:
- كشف مخططات التقسيم والتفريق
- التصدي للإشاعات والأخبار الكاذبة
• تمكين المرأة المسلمة:
- برامج دعوية خاصة بالنساء
- إعداد داعيات مؤهلات
- الحفاظ على الهوية الإسلامية في التعليم النسائي
خلاصة التحليل ونظرة استشرافية
إن موقف السياسة الشرعية الإسلامية يؤيد بوضوح الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً باعتبارها تمثل الإطار الأنسب لحفظ وحدة ليبيا وصيانة مقدراتها. المخططات المستهدفة للدولة الليبية واضحة في مسارات متعددة تهدف إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف سيادتها ونهب ثرواتها.
على الحكومة الشرعية أن تعزز شرعيتها من خلال تحسين أدائها في خدمة المواطنين والعمل وفق مبادئ التشريع الإسلامي التي منها العدالة والشفافية، مع الاستمرار في فضح المخططات التي تستهدف وحدة البلاد وسيادتها وقبل ثوابتها الدينية. الطريق نحو استقرار ليبيا وازدهارها يتطلب تكاتف جميع الجهود الوطنية المخلصة في إطار دولة القانون والمؤسسات تستمد تشريعاتها من الكتاب والسنة .
{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(الأنفال:30)

تعليقات

الكلمات الدلالية