أ. ملكة حسن
مختصة في القانون الخاص
محللة قانونية وسياسية تونسية
إن الطفل مدلول أجمعت على تعريفه القوانين المقارنة بأنه الشخص الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني حسب ما تحدده تشاريع الدول و هو 18 سنة بالنسبة للقانون الفلسطيني وهو نفس التعريف الذي إعتمدته إتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة. من ذلك فإن الطفل يتميز عن الشخص الراشد بكونه إما صغيرا منعدم التمييز أو صغيرا مميزا.
وفي الصورتين السابق ذكرهما، يتمتع الطفل بحماية قانونية دولية ووطنية تكفل له التمتع بحقوقه. وحقوق الطفل كغيرها من الحقوق لها أساس تستمد منه مشروعيتها ولها ضمانات تحمي هذه الحقوق من أن يطالها أي إعتداء.
أولا: أساس حقوق الطفل.
الأساس الأخلاقي لحقوق الطفل.
إن أساس حقوق الطفل هو أولا أساس أخلاقي، حيث أن الطفل منذ ولادته تربطه رابطة أخلاقية مع محيطه الخارجي سواء كان محيطه العائلي أو محيطه الإجتماعي، بحيث يصبح هذا المحيط مسؤولا أخلاقيا عن ضمان حقوق الطفل، خصوصا و أن التشريع الإسلامي كمحدد لضوابط الأخلاق أكد على حقوق الطفل وإلزامية إحترامها. حيث كفل التشريع الإسلامي للطفل الحق في الحياة وحرم كل أنواع الإعتداءات التي تطال هذا الحق، كما كفل التشريع الاسلامي حق الطفل في الإسم الحسن والنسب الثابت وحقه في التغذية والصحة والنظافة والتربية والإرشاد وحقه في العلم وفي المساواة مع غيره. كما نظم التشريع الإسلامي حقوق اللقيط. وهو ما يعني أن لحقوق الطفل أساس أخلاقي نجد مصدره في التشريع الإسلامي الذي يوجب على المسلمين إحترام حقوق الطفل وضمانها.
الأساس القانوني لحقوق الطفل.
أما الأساس الثاني لحقوق الطفل، فهو الأساس القانوني، حيث أن القانون باعتباره مجموعة الأحكام المنظمة للمجتمع سواء كان المجتمع الدولي أو المجتمع بمفهومه الداخلي يضمن حماية حقوق الطفل من كل إعتداء أو انتهاك يمكن أن يطال هذه الحقوق.
و تجد مؤسسة حقوق الطفل أساسها القانوني على مستوى التشريع الدولي أولا، وعلى مستوى التشريع الوطني ثانيا. إذ أن التشريع الدولي أكد في العديد من المناسبات على أهمية حقوق الطفل كما عددها ونص عليها في الإتفاقيات والمواثيق الدولية.
بداية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، والذي منح للطفل العديد من الحقوق والمتمثلة بالأساس في الحق في الحياة والسلامة حيث أنه حق تم التنصيص عليه في جميع المصادر الدولية لحقوق الطفل للتأكيد على أهميته نظرا لكونه من الحقوق الطبيعية للإنسان عامة. ومنحه أيضا الحق في الحرية والحق في الحماية الإجتماعية كما منحه الحق في الاعتراف له بالشخصية القانونية إضافة إلى تمتعه بالحقوق ذات الطابع الفردي كالحقوق المدنية والإقتصادية والسياسية.وتعتبر هذه الحقوق من حيث طبيعتها القانونية حقوقا أساسية لا يجوز النيل منها أو المساس بها، وبالخصوص الحق في الحياة.
ثانيا ، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الإجتماعية والإقتصادية.
حيث أن العهد الدولي الخاص بدوره أقر حق الطفل في الحياة بالإضافة إلى أنه جرم عقوبة الإعدام في حقه. كما منع إعدام المرأة الحامل حماية للجنين وهو منع إحترمته العديد من التشريعات الخاصة، وألزم هذا العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية الأسرة والمجتمع على حد السواء بأخذ التدابير الضرورية لحماية الطفل وتمكينه من ضمان حقوقه.
ثالثا، الميثاق الإجتماعي الأوروبي، حيث يعتبر هذا الميثاق من المواثيق الهامة التي رتبت ٱثار حمائية، ذلك أنه أقر العديد من الحقوق الهامة لفائدة الطفل. ليمنحه الحق في الصحة والحق في التعليم و الحق في الضمان الإجتماعي والمساعدة، والحق في الحماية ضد الأخطار البدنية والأخلاقية التي يتعرض لها الأطفال بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالإضافة إلى هذه الحقوق جرم الميثاق الإجتماعي الأوروبي إستغلال الأطفال سواء كان هذا الاستغلال جنسيا أو بالإسترقاق أو أي ممارسة شبيهة بالرق، كما جرم التجارة بالأعضاء.
وهو سعي من هذا الميثاق الإجتماعي الأوروبي للتنبيه بأن الأخطار التي تهدد حقوق الطفل ليست فقط تلك الأخطار المباشرة وإنما هي أيضا الأخطار غير المباشرة التي يمكن أن تقلص أو تعدم حقوق الطفل في بيئته الإجتماعية.
رابعا، ميثاق حقوق الطفل العربي، حيث أن هذا الميثاق لم يقتصر على التأكيد على حقوق الطفل فقط وإنما جعل الدولة مسؤولة على ضمان تمتع الطفل بحقوقه حيث منح للدولة كفالة حقوق الطفل وضمان حمايتها كما أكد على وجوبية حماية الطفل من الإستغلال الأسري له وحقه في أن يكون مقدما في الحصول على الإغاثة و الوقاية عند الكوارث خاصة إذا كان من الأطفال المعوقين.
أما على مستوى المعاهدات الدولية، فنجد خامسا، إعلان حقوق الطفل العام لسنة 1959، والذي كرس بدوره الحقوق الأساسية للطفل، ليقر له بالحق في الحياة و الحق في الحرية والحق في حرية الرأي والتعبير والحق في رعاية الطفل وضمان وسائل تعليمه وضمان أمانه الاسري، كما جرم إعلان حقوق الطفل العام تعذيب الطفل.
على أنه لا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم. و من قراءة إعلان حقوق الطفل لسنة 1959 يتبين أنه جعل من مسؤولية ضمان حقوق الطفل مسؤولية مشتركة تتداخل فيها العديد من الأطراف لحماية الطفولة ومنع تهديدها.
ونجد سادسا، إعلان بقاء الطفل لسنة 1990 ، حيث أقر هذا الإعلان للطفل بحقه في الصحة و حقه في التغذية وحقه في التعليم الأساسي ومحو الأمية وحقه في النمو الإقتصادي والتنمية. كما كرس تقديم الدعم للأطفال المعوقين و تنظيم الأسرة.
سابعا ، إتفاقية 1989 لحقوق الطفل والتي إعترفت بالطفل كشخص من أشخاص القانون ومنحته جميع الحقوق التي أقرتها المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق السابقة على رأسها حق الطفل في الحياة.
أما على مستوى التشريع الوطني، فلقد نظم قانون الطفل الفلسطيني حقوق الطفل في فلسطين. وبالرغم من أن فلسطين تعتبر جحيم الطفولة الٱن لما تشهده من إبادة جماعية ضد الأطفال و النساء فيها إلا أن هذا لا ينفي إعتراف قانونها الوطني بحقوق الطفل كاملة، بل إنه لمن المدهش معرفة ما للطفل الفلسطيني من حقوق والتي قد تكون من حيث مضمونها أهم قيمة من الحقوق الممنوحة للأطفال في الدول المتقدمة. فلقد أقر هذا القانون الفلسطيني المنظم لحقوق الطفل العديد من الحقوق والإمتيازات للطفل الفلسطيني حيث منحه الحق في الحفاظ على حياته وضمان ديمومتها من قبل الدولة في حالات الكوارث والطوارئ والنزاعات المسلحة، كما منحه الحق في أولوية التمتع بالإغاثة والحماية والرعاية، وله الحق في اتخاذ مصلحته الفضلى في جميع الإجراءات التي تتخذ في شأنه مهما كان مصدرها، وله الحق في تلبية حاجياته النفسية والعقلية والجسدية والأدبية، كما له الحق في البقاء والنماء والتمتع بحياة ٱمنة ومستقرة، وله الحق في المساواة وفي حمايته من جميع أشكال التمييز بسبب جنسه أو لونه أو جنسيته أو دينه أو أصله القومي أو الديني أو الإجتماعي أو ثروته أو إعاقته أو أي نوع ٱخر من التمييز. كما يتمتع الطفل الفلسطيني بجميع الحقوق الأساسية المنصوص عليها في التشريع الدولي من حق في الاسم واللقب والجنسية وحق في الشخصية القانونية وحق في حرية الرأي والتعبير وحق في إحترام حياته الخاصة وأن يعيش في كنف أسرة وله الحق في الصحة والحق في الضمان الإجتماعي والحق في التعليم والثقافة وله أيضا الحق في الحماية حسب ما نص عليه هذا القانون.
وهو ما يعني أن حقوق الطفل الفلسطيني بالرجوع إلى ما كرسه القانون الدولي الإنساني والقانون الفلسطيني على حد السواء معترف بها قانونيا وطنيا ودوليا.
فهل من ضمانات تحمي حقوق الطفل الفلسطيني من الإنتهاك؟
ثانيا : ضمانات حماية حقوق الطفل الفلسطيني الوطنية والدولية.
ضمانات حماية حقوق الطفل الفلسطيني المكرسة على مستوى التشريع الداخلي والدولي.
لئن تم الإعتراف بحقوق الطفل الفلسطيني على المستوى الوطني والدولي، فإن هذا الإعتراف تم تدعيمه بحماية قانونية كرست على الصعيدين الداخلي والدولي.
ذلك أنه على المستوى الدولي تم إنشاء لجنة حقوق الطفل التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، والتي يقدم لها الدول الاطراف المصادقين على الإتفاقية تقاريرا منتظمة عن كيفية حمايتهم لحقوق الطفل على المستوى الوطني ، كما تقوم هذه اللجنة بمراقبة تنفيذ الدول الأطراف لإتفاقية حقوق الطفل وللبروتوكولات الإختيارية الملحقة بها من ناحية أخرى.
أما على المستوى الوطني، فلقد نص قانون الطفل الفلسطيني في الفصل الثامن والتاسع منه على ميدان حماية حقوق الطفل الفلسطيني والٱليات المفعلة لذلك، وتتمثل جملة هذه الٱليات في إنشاء دائرة لدى وزارة الشؤون الإجتماعية تسمى دائرة حماية الطفولة والتي تضم بدورها عددا من مرشدي حماية الطفولة، والذين يتمتعون بصفة الضبط القضائي وذلك في مجال تطبيق هذا القانون. وتوكل لمرشد حماية الطفولة مهمة التدخل الوقائي و العلاجي في جميع الحالات التي تهدد سلامة الطفل و صحته البدنية و النفسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا القانون أوجب على كل شخص تبين له وجود تهديد للطفل أو صحته البدنية أو النفسية إبلاغ مرشد حماية الطفولة ولا يجوز في جميع الحالات الإفصاح عن هوية المخبر ، ويصبح الإبلاغ وجوبيا على المربين والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم ممن تعهد إليهم حماية الأطفال والعناية بهم.
ضمانات محدودة تحول دون حماية الطفل الفلسطيني وحقه في الطفولة.
لئن كان القانون الفلسطيني في مضمونه معترفا للطفل الفلسطيني بحقوقه وضامنا لها إلا أن كمال التشريع لا يمكن أن يتحقق في ظل الحرب التي تعيشها فلسطين، إذ أن إستمرار حرب الإبادة على غزة منذ السابع من أكتوبر جعل من حقوق الطفل الفلسطيني في حكم العدم. حيث سجلت هذه الحرب الأخيرة على قطاع غزة حوالي 15 ألف طفل قتيل، بين من تم العثور على جثمانهم تحت الأنقاض وبين من لم يتم العثور عليهم أو عثر عليهم دون معرفة هويتهم القانونية. لا احد ينكر أن فلسطين اليوم أصبحت جحيم الطفولة، حيث أغلقت المدارس، وتم الإعتداء بشكل صارخ على حق أطفال فلسطين في الحياة، ولم يعد مفهوم الأسرة وبقية المفاهيم الأخرى المترتبة عن تكوينها ذو معنى ، حيث أن جرائم الإبادة جعلت من قانون الطفل الفلسطيني ومن معاهدات ومواثيق وإتفاقيات حقوق الإنسان حبرا على ورق، ما دفع بعض فقهاء القانون الدولي الإنساني إلى إعتباره قانونا فئويا، لا يتم تطبيقه على الجميع. بإعتبار أن الطفل في فلسطين اليوم ليس الطفل نفسه في بقية دول العالم. إن نتيجة هذه الحرب اللامتناهية جعلت من حقوق الطفل حقوقا صورية، لا وجود ولاضمان لها في الواقع. فبقدرما تعددت الفصول والمواثيق التي تدافع عن حق الطفل في الحياة إلا أنه لا حياة للأطفال بعد الٱن في غزة إذا لم تتوقف هذه الإبادة الجماعية.
فإلى متى ستبقى حقوق الطفل في غزة دون ضمانات حمائية حقيقية
اكتب مراجعة عامة