أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مقدمة
تواجه الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر أخطاراً متعددة، من أعداء خارجيين كالولايات المتحدة الأمريكية وقادتها، وأعداء داخليين يتمثلون في الفرق المنحرفة والطوائف الباطنية كالرافضة وقادتهم. وتعتبر المقارنة بين هذه الأخطار والموازنة بينها من المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى بصيرة نافذة وميزان شرعي دقيق، حتى لا نقع في فخ التهوين من خطر معين على حساب آخر، أو الانشغال بطرف مع إهمال طرف آخر.
أولاً: خطر العدو الداخلي والخارجي في ميزان الشرع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فتنة الشبهات التي تفسد الدين أعظم من فتنة الشهوات"، وقال أيضاً: "فساد الدين
أعظم من فساد الدنيا، وصلاح الدين أعظم من صلاح الدنيا". هذه القاعدة مهمة جداً في تقييم الأخطار، فالعدو الذي يأتي بلباس الصديق ويتظاهر بالإسلام ثم يطعن فيه أخطر بكثير من العدو الظاهر البين.
وقد أكد هذا المعنى الإمام ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" بقوله: "وقد كان السلف أشد شيء على أهل البدع، لأن أهل البدع يلبسون على الناس دينهم، ويفسدون عليهم عقائدهم وهم لا يشعرون".
ثانياً: المقارنة بين ترامب وسليماني - دراسة حالة
عند المقارنة بين دونالد ترامب (كرئيس للولايات المتحدة) وقاسم سليماني (كقائد عسكري إيراني رافضي)، ينبغي النظر في عدة جوانب:
1. طبيعة العداء:
- ترامب: عدو خارجي صريح، معروف توجهه المعادي للإسلام والمسلمين، وقد اتخذ قرارات سياسية ضد مصالح المسلمين مثل حظر دخول مسلمي بعض الدول إلى أمريكا.
- سليماني: عدو داخلي يتظاهر بالإسلام، مع كونه ينتمي إلى
الطائفة الرافضية التي تطعن في صحابة النبي ﷺ وأمهات المؤمنين، وتتبنى مشروعاً طائفياً توسعياً على حساب أهل السنة.
2. من حيث تأثير الجرائم:
- جرائم ترامب وأمريكا: جرائم واضحة ومعلنة، كالعدوان العسكري على بلاد المسلمين، وقتل المدنيين، ودعم الاحتلال الإسرائيلي، لكن هذه الجرائم - على فظاعتها - تأتي من عدو معلوم لا يخفي عداءه.
- جرائم سليماني والمشروع الإيراني: جرائم مغلفة بغلاف ديني، ومصبوغة بصبغة إسلامية زائفة، مما يجعلها أشد خطراً على عقيدة المسلمين وهويتهم. وقد كان سليماني رمزاً للمشروع الرافضي التوسعي في المنطقة، والذي شمل:
- نشر المذهب الرافضي وعقائده المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.
- تكفير الصحابة وسبهم، وخاصة أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأمنا عائشة رضي الله عنها.
- تفتيت وحدة المسلمين عبر إثارة النعرات الطائفية.
- دعم الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، التي ارتكبت مجازر بحق المسلمين.
- دعم نظام بشار الأسد الذي قتل مئات الآلاف من السوريين.
3. أقوال العلماء في الأمرين:
قال الإمام الذهبي رحمه الله في "سير أعلام النبلاء": "لم يبتل الإسلام بأشد ضرراً من الباطنية، فإنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً".
وفي"منهاج السنة النبوية "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله):
"الرافضة هم أشد الناس خصومةً وبغضاً للحق وأهله وللسنة وأهلها، وعقيدتهم أبعد العقائد عن الإسلام".
وقال أيضاً:
"هم دائمًا يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم".
وفي "نيل الأوطار"
قال الإمام محمد بن علي الشوكاني (رحمه الله):
"وهكذا من ألقى مقاليد أمره إلى رافضي وإن كان حقيراً، فإنه لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه".
قال القاضي عياض في "الشفاء": "ولقد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها"
وجاء في "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفرق"
للبغدادي، و"السنّة" لعبد الله بن أحمد بن حنبل، و"السنّة" للخلال ، قال عامر الشعبي: "والسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة ودعوتهم مدحوضة ورايتهم مهزومة، وأمرهم مشتت كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين"
«لقد وثقت كتب التاريخ الإسلامي أن من أبرز أمثلة خيانة الشيعة الرافضة للأمة الإسلامية: تحالفهم مع أعداء المسلمين في أوقات حرجة، مثل تعاون ابن العلقمي مع التتار في إسقاط بغداد، ونصير الدين الطوسي مع المغول في القضاء على الخلافة العباسية»
وبناءً على ما سلف، فإن خطر سليماني والمشروع الإيراني الرافضي أشد على الإسلام وأهله من خطر ترامب والولايات المتحدة، لأن الأول يتستر بالإسلام ويطعن فيه من الداخل، بينما الثاني عدو واضح معلوم العداوة.
ثالثاً: قواعد الموازنة بين الأخطار من منظور شرعي
1. النظر في مآلات الأفعال:
يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات": "النظر في مآلات
الأفعال معتبر مقصود شرعاً، سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة". وبتطبيق هذه القاعدة، فإن مآلات المشروع الرافضي الذي كان سليماني أحد رموزه أخطر من مآلات السياسات الأمريكية، لأن الأول:
1. يستهدف عقيدة المسلمين وتغييرها من الداخل.
2. يعمل على تفتيت وحدة المسلمين عبر إثارة النعرات الطائفية.
3. يشوه صورة الإسلام عندما يرتكب جرائم باسمه.
2. تقديم درء المفاسد على جلب المصالح:
قال العلامة ابن باز رحمه الله: "من قواعد الشرع المطهر أن الشر إذا لم يمكن دفعه كله دفع أعظمه شراً بارتكاب أخفهما". وعلى هذا، فإذا كان لدينا خطران أحدهما يستهدف الدين والعقيدة (كخطر المشروع الرافضي بإستعماره الفارسي) والذي يلبس على الناس بإظهاره الإسلام والآخر يستهدف المصالح المادية كهدف رئيس والدين (كالاستعمار الأمريكي)، فإن درء خطر الدين مقدم شرعاً.
3. خطر الغزو الفكري والعقائدي أشد من الغزو العسكري:
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "الغزو الفكري
أشد خطراً من الغزو العسكري، لأن الأول يستهدف القلوب والعقول، ويغير المفاهيم، وينشر الشبهات". ولهذا، فإن الخطر الإيراني الرافضي الذي يتبنى غزواً فكرياً وعقائدياً ضد أهل السنة، أشد خطراً من الخطر الأمريكي الذي يعتمد على القوة العسكرية والضغط الاقتصادي.
رابعاً: خصوصية الخطر الرافضي وجرائم سليماني
يمتاز الخطر الرافضي الذي كان سليماني أحد رموزه بخصائص تجعله أشد خطراً على الأمة:
1. التلبس بالإسلام مع مخالفة أصوله:
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: "وهذا من أعظم الفساد أن يعتقد المفسد أنه مصلح، فإنه لا يقلع عن فساده، بل يتمادى فيه ويزداد". وهذا ينطبق على الرافضة الذين يعتقدون أنهم على الحق وهم على الباطل.
2. تأصيل العداء لأهل السنة في عقيدتهم:
من أخطر ما في المشروع الرافضي الذي عمل سليماني على نشره، أنه يجعل العداء لأهل السنة ركناً من أركان العقيدة، كما يظهر في مبدأ "التقية" والطعن في الصحابة والتبرؤ منهم. وهذا يجعل من الصعب جداً تحقيق وحدة حقيقية بين المسلمين.
3. المظلومية المزعومة:
الرافضة - ومن بينهم سليماني - يجيدون لعب دور المظلوم، والتذرع بظلم أمريكا وإسرائيل، بينما هم في الواقع يرتكبون جرائم لا تقل فظاعة عن جرائم أولئك، ويمارسون تقتيلاً وتهجيراً وإفساداً في العقيدة ضد أهل السنة ويمررون إتفاقيات من تحت الطاولة مع امريكا كما حصل في العراق وافغانستان ...
خامساً: الموقف الصحيح من الخطرين
يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: "كل خطأ فهو متفاضل، وكل صواب فهو متفاضل". وهذا يعني أن على العالم والداعية أن يقيم مراتب الأخطار، ويحذر منها بحسب درجتها، دون أن ينشغل بطرف على حساب آخر. والموقف الصحيح يتمثل في:
1. التحذير من جميع الأخطار مع مراعاة ترتيبها:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : "ومن أعظم أسباب فساد الدين والدنيا وقوع الفتنة بين الأمة، والفرقة والاختلاف التي تؤدي إلى تشتت القلوب وتفرق الكلمة، وبذلك يتسلط أعداء الإسلام على المسلمين، فيصير بأس المسلمين بينهم شديداً، ويصير بأسهم على عدوهم ضعيفاً."
لذا ينبغي التحذير من الفتنة الطائفية - التي كان سليماني أحد أدواتها - كما ينبغي التحذير من العدوان الأمريكي.
2. عدم استخدام خطر لتبرير آخر:
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في "تصنيف الناس بين الظن واليقين": "من أهم ضوابط المعاملة مع المخالفين هو العدل، ولو كان المخالف عدواً، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}". وهذا يعني أننا لا نسكت عن جرائم سليماني بحجة أن جرائم ترامب أكبر، كما لا نتجاهل عدوان أمريكا بحجة التركيز على الخطر الرافضي.
3. العمل على وحدة الصف الإسلامي:
قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: "من أعظم مكائد أعداء الإسلام في هذا العصر إشغال المسلمين ببعضهم وصرفهم عن قضاياهم الأساسية". وهذا يعني أن وحدة الصف الإسلامي - مع التمييز بين المنهج الحق والمناهج الباطلة - هي السبيل
لمواجهة الأخطار مهما تنوعت.
سادساً: نحو منهجية متوازنة في التعامل مع الأخطار
من خلال ما سبق، يمكن استخلاص منهجية متوازنة للتعامل مع الأخطار المحدقة بالأمة:
1. تقييم الأخطار وفق معايير شرعية: أخطرها ما استهدف الدين والعقيدة، ثم ما استهدف النفس والعرض والمال، مع مراعاة حجم الضرر وشموله.
2. التحذير من جميع الأخطار دون استثناء أو تهوين: سواء أكانت من عدو ظاهر كأمريكا وإسرائيل، أو من عدو متستر كالرافضة وأذنابهم.
3. كشف حقيقة المشاريع المعادية للإسلام: بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها، فالعبرة بالحقائق لا بالشعارات.
4. تعزيز وحدة الأمة على أساس من العقيدة الصحيحة: لأن التفرق هو مدخل الأعداء، كما قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
5. الاهتمام بالتحصين الفكري والعقدي: لأنه خط الدفاع الأول ضد مشاريع الأعداء، سواء كانت مشاريع علمانية أو رافضية أو غيرها.
خاتمة:
إن المقارنة بين خطر ترامب (كرمز للعدوان الأمريكي) وخطر سليماني (كرمز للمشروع الرافضي) تظهر أن كليهما يمثل خطراً حقيقياً على الأمة، لكن خطر سليماني والمشروع الرافضي أشد وأخطر، لأنه يستهدف عقيدة الأمة وهويتها من الداخل، بينما العدوان الأمريكي - مع فظاعته - يأتي من عدو خارجي واضح العداوة.
وعلى المسلمين جميعاً - علماء ودعاة وقادة ومفكرين - أن يعوا هذه الحقيقة، وأن يعملوا على تبصير الأمة بالأخطار المحدقة بها، دون تهوين أو تهويل، ودون انشغال بخطر على حساب آخر.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اكتب مراجعة عامة