img
img

الأسرة ومقوّمات وظفية الأنثى فيها (الأنثى بين الداخل والخارج)

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

الأسرة ومقوّمات وظفية الأنثى فيها (الأنثى بين الداخل والخارج)

  •  أ فدوى كريت اشويدر
خريجة المدرسة العليا لمهن التربية والتدريس ومستشارة نفسية للمرأة والطفل

 


  • مركزية الأنثى في مفهوم الأسرة:
    إن مفهوم الأسرة هو المعنى الذي يجب إدراكه على مستوى الحياة التي يسيرها منطلق الأسرة، وهي أنها أولا تتميز بتحقيق بالتوازن والإنسجام، إنها وبكل بساطة تأتي وتتكون من أثر إنسان اكتسب وضعا منسجما في ذاته لينسجم مع غيره ، آمنا إلى نفسه يأمن إليه غيره، فيصنع على مثال نفسه عشا مما اكتسب ويبنيه ممّا أفاء الله عليه، هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ (البقرة: 187).
    فعقل الإنسان وعقيدته وحسّه المادي وعواطفه الغريزية كلها متجانسة متعاونة على تكوين هذه النواة. وصورتها هي الزوجة، ومركزيتها هي الأنثى. 


  • الكيان الأنثوي في الداخل:
    أن يكون الرجل سيّدا على أسرته هذا لا يعني إقصاؤها من هذا الباب، فللأنثى خصوصية متزنة في إعادة النظر في كل شيء وفي كل المشاكل التي تحصل داخل الأسرة، فهي يمكن أن تمثل طوق النجاة لها، والأنثى هي التي تكونها، لأنها المتخصصة في صناعة الإنسان وبناءه، خصوصا إذا كان أصل وجود الموقع الطبيعي لها هو الداخل ــ بالبيت ــ الذي هو مركزية هذه النواة، هذا لا يعني عدم خروجها إذا استلزم الأمر، لكن المقصود هنا هو الأخذ بزمام المركزية الرئيسية وإدارتها. لأن الكيان الأنثوي هو المسؤول عن السكن والهدوء، إليه تسكن النفس وتهدأ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا (الروم:21) وهو الصفة الجمالية المرتبطة بالطمأنينة التي يركن إليها البيت، فمن ذلك الكيان يتم التمكين والتخطيط والتنظيم والإنجاز.


  • إذا كانت الطاقة الداخلية التي يكتسبها الإنسان تؤثر على شكله وعلى مشاعره وعلى جسده وعلى واقعه وإنجازه، فالمرأة إذا أقبلت على أشياء لها طابع ذكوري كالسيطرة والتحكم والمراقبة والإنتقاد يضيع كيانها وسط كل هذا ويمكن أن تفقد المركزية والأساس التي هي التأثير والتحصين والإحتواء.
    فالأسرة إذا أخذناها من المعنى الإصطلاحي نجد أنها من الشدة والصلابة والقوة، وتطلق الأسرة على أسرة الرجل يعني عشيرته الذين هم تحت مسؤوليته وحمايته، فهو بهم يتقوى،و يملك الحماية عليههم، أما موطن تلك القوة وأصلها فيأتي من الداخل ليعمل بها الرجل في الخارج،وهذه تمنحها الأنثى له من منطلق الرعاية، فهي فقط ترعى ولا تحمي، فالرعاية في الداخل والحماية في الخارج،فالمختص بالخارج يساعد المختص بالداخل، والمختص بالظاهر يحمي ظهر المختص بالباطن، فكيان الأنثى هو طاقة استقبال وليس إرسال، يعني استيعاب وتفهم واحتواء لخصوصية أفرادها وبالتالي فهي ترسل وتنتج ما تتلقاه على حد سواء .


  • الخطاب الأنثوي:
    إن محاولة البحث عن مقوّمات السكن وتحقيقها مفقود دون وجود عنصر الأنثى فكيف يكون هذا العنصر حاضرا في الحياة اليومية للزوج و الزوجة؟ ولقد فصَلتُ الزوجة عن الأنثى لأن ليست كل زوجة تقوم بدورها كأنثى،فالأنوثة هي صفة لا تتسم بها كل امرأة أو كل زوجة بالخصوص، المهم إن الخطاب الأسري هو خطاب أنثوي بطبعه، فالأسرة تقوم في إدارتها وتسييرها بالأساس على الخطاب المتمركز حول الأنثى بالدرجة الأولى. 
    وبما أن خطابها الخاص صيغة إنسانية فيها، فيمكنها من خلاله أن تسعى إلى إعادة اكتشاف العالم الداخلي الذي تُشرف عليه، في إطار من الوضوح والعمق الذي يبلور حقيقة علاقتها بزوجها وبأبنائها.


  •  فالأنثى يمكن أن يكون لها سلطة على كلمتها داخل الأسرة أكثر من الرجل اذا أحسنت في انتقاء الكلمات وحسن الأسلوب وهو موجود في طبيعة سلوكها اذا كان صادقا، فهي التي تبني الكلمة الطيبة الجميلة التي تساهم في تهذيب الذوق وتربيته،وتعيد اكتشاف العالم الداخلي دائما برؤية متجددة من خلال لغة التواصل اللين، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (إبراهيم: 24)


  • والتي تحسن استعمال هذه الواسطة تستطيع جمع أفراد أسرتها للفكرة التي تريد زرعها في القلوب والأرواح، إنها قادرة على صنع أدبية الخطاب، لأن من ناحية جنسها يكون خطابها لغويا يختلف كثيرا عن اللغة التي توظف في الخطاب العادي،لذلك فقد حدد لها الله تعالى حدودا دقيقة للتواصل في الخارج والسياقات العامة حيث حذرها من الخضوع في القول أو اللين لما يحمله من تداعيات نفسية من شأن صنعته أن يخدم الميول العاطفي والمرض القلبي فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا  (الأحزاب: 32). وإن كان نفس الأمر هو فضيلة في إطار الأسرة بين الزوجين، فالحكمة الإلهية تعلم أن لكل موضع لغته، ولكل فضاء أدبه، حيث لا يستهان بقيمتها في الموضع الذي لا يقدر لها قدرها. 


  • فالكلام الذي نريد إيصاله للقلوب لا تصنعه التقنية بقدر مايصنعه عنصر الموهبة والمَلكة التي تحسن توظيف ذلك، والله تعالى أودع ذلك في الأنثى، وتلك الملكة التي تفتح القلوب والأرواح هي في متناولها، فاستخدام دورها الحقيقي من خلال الخطاب هو أرضية فكرية ونفسية وروحية تتوقف عليها الأسرة جميعها، خصوصا الرجل فهذه الأرضية أولا تعصمه في دوره الخارجي من الإنحطاط في دائرة الكائنات غير الإنسانية، ويكون فكرها ثانيا أي ــ الأنثى ــ سمات أساسية في نسيجه السلوكي والإبداعي في الحياة العامة، ومجموع العناصر والصفات التي يمكن أن يتميز بها إبداعه.


  • المرجعية الأنثوية:
    إن مرجعية الأنثى بالمفهوم الذي يجب إدراكه على مستوى الحياة التي تعيشها وعلى مستوى الخير الذي يراد لها طبعا أصولها و مرجعايتها موجودة في القرآن والسنة النبوية، هذه المعالم هي التي تكون كل ما يرتبط بصفاتها وكيف أرادها الله أن تكون، ولا يمكن استجلاء هذا المفهوم إلا في  علاقة الأنثى بربها، خاصة وأنها تعيش في ظل عولمة تتنازع فيها المفاهيم والأفكار والتصورات عن مفهوم الأنوثة السائد اليوم بكل سلبياته الذي أخد منحى آخر في رساليته المنحرفة، وأن الأنثى هي مركز لإظهار الجمال الخارجي في حين أن مركز الجمال عند المرأة لا يكمن في الإظهار الخارجي لأن دورها ليس في الخارج كما ذكرنا، بل يجب أن يبقى محفوظا للداخل يتحرى أعلى سمات الصدق والعفة، ويتجاوز شهوة الظهور لاستبصار الأبعاد الجوهرية له، لأن مركز الجمال في المفهوم الاسلامي عند المرأة يكمن في الخلق الحسن والحياء ،يستدعي عدم إظهاره ليقوم بدوره الحقيقي في الداخل، وصل به الحد حتى إن كان مخفيا لا يرى لا ينبغي أن يسمع لكي لا يعلم أنه موجود أصلا وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ  وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (النور: 31) وهذه رؤية عميقة جدا تمثل طوق النجاة لها لكل من عقلها وقلبها وروحها ووجدانها وغرائزها وميولها، وهي رؤية تجيء بمثابة انقلاب شامل على كل الرؤى المحدودة والمواضعات البصرية القاصرة وتجاوزت كل الأعراف والقيم والتقاليد والممارسات المبعثرة الخاطئة التي تريد أن توجه الأنثى لاستعراض جمالها وزينتها فيغدو انعكاسا لذلها بدل عزتها، ولضعفها بدل قوتها، وانعكاسا لشكل من أشكال التخلف والرجعة والهوان الذي يبدأ من الداخل وصولا إلى المجتمع. 


  • وفي الختام إن أغلب الصراع الذي يعيشه أفراد المجتمع نابع في الأصل من الصراع داخل أفراد الأسرة، فقد غدت هذه الخلية الإجتماعية الأولى مسرحا لصراعات متعددة، إن النواة الأولى هي التي خارت وضعفت بضياع وتباين الأدوار بين الذكر والأنثى، فأصبحت أوضاع وتصرفات الأفراد سواء داخل الأسرة أو في المجتمع تصدر على غير طبيعتها، وإصلاح هذه البؤرة بالمقومات السليمة والصحيحة يجعل الفرد متقبلا لحياته العملية، مطمئنا إلى واقعها من جهة، ويعطي فيها من جهة أخرى عندما يصبح لديه المبدأ الأسري والواقع العملي شيئين متلائمين وليس متباينين.

     

 

 

تعليقات

الكلمات الدلالية