img
img

المرأة ودورها في بناء الأجيال: قصة أسماء بنت أبي بكر نموذجاً

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

المرأة ودورها في بناء الأجيال: قصة أسماء بنت أبي بكر نموذجاً

أ.د عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: المرأة عماد المجتمع وركنه الركين
لطالما كانت المرأة محوراً أساسياً في بناء الحضارات وصناعة الأمم، فهي المدرسة الأولى التي يتخرج منها العظماء والقادة. وفي تاريخنا الإسلامي الزاخر، تبرز سيرة الصحابيات الجليلات كمنارات هدى، ومن أبرزهن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، التي قدمت لنا نموذجاً فريداً في التربية والثبات.
موقف تاريخي: أسماء وابنها عبد الله بن الزبير
عندما حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي عبد الله بن الزبير في مكة، وقفت أمه أسماء -وكانت قد بلغت من الكبر عتياً وفقدت بصرها- لتقدم لابنها أعظم الدروس في التضحية والثبات:
1. التربية الإيمانية المتجذرة: نشأت أسماء في بيت النبوة والإيمان، وكانت من أوائل المسلمين، حيث قال عنها ابن كثير: "كانت من السابقات إلى الإسلام، وهاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير" (البداية والنهاية 8/347). هذه التربية الإيمانية العميقة هي التي صنعت منها المربية الفذة.
2. الحكمة في المواقف الحرجة: عندما استشارها ابنها في أمر الحصار، قالت له كلمات تنم عن حكمة بالغة: "إن كنت على حق -يا بني- فاصبر كما صبر أصحابك الذين قتلوا تحت هذا الجدار، وإن كنت على باطل فما أطول هذه الحياة!" (تاريخ الطبري 4/543). لقد حولت الموقف من استشارة عابرة إلى درس في الثبات على المبدأ.
3. التضحية في سبيل العقيدة: علمته أن العزة في الحق لا في طول العمر، فقالت له: "والله لئن قُتلت في سبيل الله لقد عاشت نفسك كثيراً" (سير أعلام النبلاء 3/215). إنها التربية على معنى الحياة الحقيقية التي لا تقاس بالسنين بل بالثبات على المبادئ.
4. الدقة في التوجيه: عندما عانقها قبل خروجه للقتال، وجدته يلبس درعاً، فقالت بفراسة الأم: "ما هذا يا بني؟" فقال: "درع يا أماه"، فقالت بثقة الواثق بالله: "ليس هذا لباس من يريد الشهادة!" فأجاب: "لبسته ليطمئن قلبك عليّ"، فردت بحزم المربّية الواعية: "انزعه يا بني، فإما النصر وإما الشهادة" (الكامل في التاريخ 4/324).
5. الحزم التربوي: عندما رأت منه تردداً، زجرته بقولها: "ما لي أراك تتهاون؟ أتخاف الموت؟ والله إن الموت لحق، وما أظنك إلا ستقتل" (العقد الفريد 5/132). لقد كانت تربي قائداً لا جباناً، وشهيداً لا فارّاً.
الدروس المستفادة: من الماضي إلى الحاضر
1. أثر التربية المبكرة: كما قال ابن القيم: "أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه" (تحفة المودود ص123). وهذا ما تجلى في تربية أسماء لابنها منذ نعومة أظفاره.
2. دور الأم في تشكيل الشخصية: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" (صحيح البخاري 3432). ولو أردنا أن نضيف خامسة لقلنا: أسماء بنت أبي بكر.
3. التربية على القيادة المسؤولة: علمته أن القيادة أمانة ومسؤولية، مصداقاً لقول النبي ﷺ: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (متفق عليه). فكان عبد الله بن الزبير قائداً قبل أن يكون خليفة.
4. المرأة صانعة التاريخ: كما شاركت نساء المسلمين في صنع الأحداث الكبرى، من بيعة العقبة إلى الهجرة، إلى مشاركتهن في الجهاد (سيرة ابن هشام 2/89).
خاتمة: دروس للمربيات في كل زمان
إن قصة أسماء بنت أبي بكر مع ابنها تقدم لنا نموذجاً خالداً للتربية الواعية التي تصنع الرجال وتقيم الحضارات. لقد كانت أسماء بحق "أم القائد" قبل أن تكون "أم الخليفة". وفي زماننا هذا، حيث تتعدد التحديات وتتنوع المغريات، تبرز الحاجة الماسة إلى استلهام هذه الدروس:
- التربية على الثبات في المواقف
- غرس معاني العزة والكرامة
- تعزيز روح المسؤولية
- التوازن بين الحنان والحزم

فالمرأة ليست نصف المجتمع عدداً فحسب، بل هي كل المجتمع تأثيراً وتربية. ولنعلم جميعاً أن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة، ووراء كل جيل صالح أمهات صالحات.


المصادر والمراجع:
1. تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري
2. سير أعلام النبلاء - شمس الدين الذهبي
3. البداية والنهاية - ابن كثير
4. العقد الفريد - ابن عبد ربه الأندلسي
5. الكامل في التاريخ - ابن الأثير
6. تحفة المودود بأحكام المولود - ابن قيم الجوزية
7. صحيح البخاري - محمد بن إسماعيل البخاري
8. سيرة ابن هشام - عبد الملك بن هشام


تعليقات

الكلمات الدلالية