مقدمة
تعتبر الإدارة العامة حجر الزاوية في
تشييد ونجاح الدول المعاصرة، وهي الذراع التنفيذي لوضع وتطبيق السياسات الوطنية
وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، فالإدارة العامة ليست مجرد أداة لتنفيذ
السياسات بل هي مرآة تعكس فلسفة الحكم ومدى
كفاءة المؤسسات ومقدار احترام حقوق المواطن وقدرة الدولة على الإنجاز، ومع ذلك
تواجه الإدارة العامة في سورية صعوبات بنيوية وإدارية كثيرة، نتيجة عوامل سياسية
واقتصادية واجتماعية معقدة، متجذرة طيلة حكم نظام البعث البائد، مما أدى إلى تراجع
مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وبالتالي تراجع مستوى المعيشة وتفاقم التحديات
الإدارية، يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل مبسط للوضع الحالي للإدارة العامة في سورية،
مع اقتراح حلول قابلة للتطبيق تستند إلى مبادئ علمية وخبرات دولية ناجحة في هذا
السياق.
1. تشخيص واقع الإدارة العامة في سورية
أ. المركزية المفرطة والبيروقراطية
تتميز الإدارة العامة في سورية سابقاً بمركزية شديدة، حيث كانت
تتخذ معظم القرارات على المستوى المركزي، مما أدى إلى تباطؤ عمليات اتخاذ القرار
وتراكم الإجراءات البيروقراطية وضعف الأداء الحكومي.
ب. نقص الكفاءة الإدارية
يعاني النظام الإداري في سورية من نقص حاد في الكفاءات الإدارية
بسبب البيروقراطية ونقص التدريب وقلة التحديث في الأنظمة التي تواكب التطورات
الحديثة.
فقد أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2018 أن حوالي 25% فقط من
العاملين في القطاع العام في سورية تلقوا تدريباً أثناء العمل، مما يشير إلى فجوة
كبيرة في الكفاءات الفنية والإدارية، كما لوحظ بأن القطاع العام استخدم في الغالب
كمركز تدريب للقطاع الخاص، حيث يغادر الموظفون المدربون إلى وظائف أخرى في القطاع
الخاص مما أثر سلباً على الإنتاجية.
ج. ضعف الشفافية ووجود الفساد الإداري
لقد أدى تحكم السلطة التنفيذية ممثلة بنظام العبث بمفاصل
الإدارة العامة لعقود إلى تشويه بنيتها وتحويلها
من جهاز خدمي إلى أداة للرقابة والتسييس والولاء، ويعتبر الفساد الإداري وخاصة من
رأس الهرم في الجهاز الإداري للدولة وتسلط الأجهزة الأمنية من أهم التحديات التي عرقلت
تقدم الإدارة العامة في سورية، فغياب آليات الحوكمة والشفافية زاد من هدر وسرقة الموارد
العامة للدولة والتلاعب بالمال العام.
.2 الأطر القانونية
والإصلاحات الهيكلية المطلوبة في سورية
أ. تطوير النظام التشريعي
إن النظام التشريعي السوري بحاجة إلى مراجعة وتطوير شامل
ليواكب المتطلبات الحديثة للإدارة العامة، فلا بد من تحديث نظام العاملين الأساسي
في الدولة ليتوافق مع مبادئ الشفافية والكفاءة في اختيار وترقية الموظفين، كما ينبغي
إعادة تعريف الصلاحيات والمهام وفصل السلطات الإدارية عن السياسية وبما يعزز
الاستقلالية والفعالية.
اقتراحات لتطوير قانون نظام العاملين الأساسي في الدولة:
ب. تأسيس قوانين وثقافة جديدة
للشفافية والمساءلة
أصبح من الضروري اليوم إنشاء قانون للشفافية والذي يحدد بوضوح
كيفية إدارة الأموال العامة ويشمل آليات فعالة للإبلاغ عن الفساد ضمن مؤسسات
الدولة، إلى جانب قانون للمساءلة يضمن المحاسبة المستمرة.
اقتراحات لتحقيق المساءلة والشفافية:
ج. تعزيز دور اللامركزية الإدارية
يتطلب التوجه نحو اللامركزية إعادة توزيع الصلاحيات على
المجالس المحلية المنتخبة في مختلف المناطق، هذا سيسهم في تحسين سرعة اتخاذ القرار
وتنفيذ المشاريع بشكل فعال.
د. إصلاح نظام التوظيف والترقية
من خلال إنشاء اختبارات تقييم شفافة لاختيار الموظفين في
القطاع العام بناءً على الكفاءة، مع تطوير برامج إعداد وتحضير أكاديمي للأفراد
المترشحين للمناصب العليا.
هـ. تبني تقنيات التحول الرقمي: ينبغي على الحكومة الحالية تبني
الحكومة الإلكترونية التي تقدم خدمات حكومية رقمية لجميع المواطنين عبر إطلاق منصة
إلكترونية موحدة للخدمات الحكومية، مثل تجديد جوازات السفر أو تقديم الشكاوى.
4. رؤية مستقبلية للإصلاح الإداري في سورية
اعتقد بأنه لسنا بحاجة إلى إصلاح للنظام الإداري العام في
سورية بسبب تآكله بل إلى إعادة اختراع نظام إداري جديد يلبي الواقع الحالي للدولة ويراعي
التطورات العلمية الكبيرة التي حدثت في حقل العلوم الإدارية، فالإدارة العامة
السورية لا تحتاج إلى "تحديث واجهات" بل تحتاج إلى إعادة اختراع من
الجذر: فلسفةً، وهيكلاً، وآليات، فنحن لا نفتقر إلى الطاقات البشرية، بل إلى بيئة
تسمح بتدريبها وتوظيفها ولسنا متأخرين اقتصادياً بل متأخرين إدارياً، واللحظة التي
ندرك فيها ذلك… هي بداية الحل.
والله ولي التوفيق
اكتب مراجعة عامة