img
img

سلسلة من السياسة الشرعية وتطبيقاتها- إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ .. فَلِمَ نُقَسِّمُ مَا لَمْ يُقَسِّمْهُ الله؟

img
الشبكة

سلسلة من السياسة الشرعية وتطبيقاتها- إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ .. فَلِمَ نُقَسِّمُ مَا لَمْ يُقَسِّمْهُ الله؟

 أ.د عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ .. فَلِمَ نُقَسِّمُ مَا لَمْ يُقَسِّمْهُ الله؟

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاه والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه

المقدمة: العُرْوَةُ الوُثْقَى بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض

عندما قال المسيح عليه السلام: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، لم يكن يُؤسِّس لفصلٍ بين الدِّين والدولة كما يَزعُم المُحَرِّفون، بل كان يُخاطِب أُمَّةً تَرزَح تحت نِير احتلالٍ رومانيٍّ غاشِم، وكأنه يَقول: "لِلطُّغاة سُلطانٌ مُؤقَّت، أمَّا الولاءُ الحَقيقيُّ فللهِ وحدَه".

هذا التحريفُ المُتَعَمَّد للمعنى صار اليوم سلاحاً في يد العلمانيين لتمزيق وحدة الوجود التي أرساها الإسلام، بينما يَصدَعُ القرآنُ بالحقيقة الخالدة:

قال الله تعالى : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]

فالحُكمُ عبادةٌ، والسياسةُ دِين، والاقتصادُ شريعة. لا انفصام بينها في 

منهج الله القويم.

-  "مَا لِقَيْصَرَ هُوَ للهِ أَوَّلاً".. حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّة

 1. السياسةُ مِحْرَابٌ لَا صَالُون

لم يعرف الإسلامُ ثنائيةَ "المقدَّس" و"المُدَنَّس"، ولا "الديني" و"الدنيوي". فالصلاةُ عبادةٌ والعدلُ بين الرعية عبادة، والجهادُ عبادةٌ والتجارةُ النزيهةُ عبادة. هذه الوحدةُ المُترابطةُ هي التي جعلت عمر يقول: "نحنُ قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله".

حتى رسائلُ النبي ﷺ السياسيةُ إلى ملوك الأرض كانت تُفتَتَح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وكان يُوقِّع معاهداته بـ "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله"، فأين الانفصالُ المزعوم بين ما هو "ديني" وما هو "سياسي"؟

 2. الطاعةُ المشروطةُ.. تَمَرُّدٌ على الثيوقراطية

الإسلامُ هو أولُ نظامٍ في التاريخ جَعَلَ طاعةَ الحاكم مشروطةً بطاعة الله، وألزم الرعيةَ بعدم الطاعة في معصية الله. قال النبي ﷺ بكلماتٍ حاسمة: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق».

هكذا انتهت مقولةُ "الحقُّ الإلهي للملوك" في الإسلام قبل أن تولَد، وتحوَّل "قيصر" من إلهٍ متجسدٍ إلى عبدٍ مُكلَّفٍ بإقامة العدل، وإلا فقَدَ شرعيته.

 3. الكونُ كُلُّهُ مِلْكٌ للهِ.. حقيقةٌ كونية

الأرضُ والسماءُ ومَن فيهما للهِ، والبشرُ مُستخلَفون فيها، والحُكمُ أمانةٌ لا امتياز. قال تعالى: ﴿وَأَنِ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. 

فكيف يُمكن أن نُعطي "لِقَيصَر" ما ليس له أصلاً؟ وكيف نَفْصِل الحُكمَ عن شريعة مَن خلق الكون وأبدعه؟

- دَعْ مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَر".. سِلَاحٌ اسْتِعْمَارِيٌّ مَسْمُوم

تحوَّلت هذه العبارةُ في العصر الحديث إلى أيقونةٍ للاستعمار الفكري، ومُبَرِّرٍ للأنظمة العلمانية التي تُقصي الشريعة عن الحُكم، بينما يُعلن الإسلامُ:

- الاقتصادُ للهِ: تَحرِيمُ الربا ثورةٌ على النظام المصرفي الجَشِع.

- القضاءُ للهِ: تطبيقُ الحدود إقامةٌ للعدل بين القوي والضعيف.

- السياسةُ للهِ: الشورى تقييدٌ للاستبداد والطغيان.

- الإعلامُ للهِ: منعُ الفحش والإباحية حمايةٌ للفطرة.

حتى "الشعائرُ" التي يَزعمون أنها "شخصية" تَمتَدُّ إلى السياسة - فالزكاةُ ضرائبُ شرعيةٌ، والحجُّ مؤتمرٌ عالميٌّ، والصومُ تربيةٌ اجتماعيةٌ لضبط النفس إن صحت هذه العبارات رغم أن جوهر هذه العبادات أعظم من تحصر في بعض الحكم الدنيوية 

- "السِّيَاسَةُ بِاللهِ".. النَّمُوذَجُ الرَّاشِدِيُّ المُلْهِم

 1. الخلافةُ الراشدة.. تَجَلٍّ للحكم الإلهي

حين تولَّى أبو بكرٍ الصديق خلافةَ المسلمين، خطب فيهم قائلاً: "أطيعوني ما أطعتُ اللهَ فيكم، فإنْ عصيتُه فلا طاعةَ لي عليكم"، فلم يَستمِدّ شرعيته من انتخابٍ شعبي فحسب، بل من التزامه بشرع الله أولاً.

أما عمرُ بن الخطاب، العادل الزاهد، فكان يقف أمام الرعية مُعلناً: "مَن رأى فيَّ اعوجاجاً فليُقوِّمْه"، مُؤسِّساً لمبدأ الرقابة الشعبية على الحاكم قبل نظريات "مونتسكيو" بألف عام.

2. سقوطُ الخلافة العثمانية.. عِبرةٌ تاريخية

عندما تَخلَّى العثمانيون عن أحكام الشريعة تحت ضغط "التغريب" و"التنظيمات"، انهارت دولتُهم رغم قوتها العسكرية الهائلة. هذا دليلٌ صارخٌ على أن الابتعاد عن منهج الله يُفقِد الدولةَ شرعيتَها وقوَّتَها، مهما بلغت من القوة المادية.

 3. واقعُنا المعاصر.. برهانٌ ساطع

أمتُنا اليوم مُمَزَّقةٌ بين أنظمةٍ علمانيةٍ تُعاني من أزماتِ الهوية والفساد المُستشري، أو أنظمةٍ دينيةٍ مُشوَّهةٍ تَستخدم الدينَ قناعاً للاستبداد. وكلاهما يُجانب المنهجَ الرَّبَّانيَّ القائم على التوحيد الشامل للحياة.

 الخاتمة: "وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُور"

ليس "لِقَيْصَرَ" شيءٌ مُستقِلٌّ عن الله، فالحاكمُ عبدٌ للهِ قبل أن يكون سيِّداً للعباد. وإنَّ المسلمين اليوم مُطالَبون بـ:

1. رفضِ الثنائياتِ المُصطَنَعة بين الدين والدولة، والمقدَّس والمُدَنَّس.

2. المُطالَبةِ بتحكيم الشريعة في كل مناحي الحياة، لأنها رحمةٌ للعالمين.

3. تذكيرِ الحُكَّام بأنهم مسؤولون أمام الله قبل الشعب والتاريخ.

قال الله تعالى : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]

فليَعلَمْ "قَيْصَرُ" اليوم أنَّ تاجَه مُعارٌ، وأنَّ صولجانَه سيُكسَر، وأنَّه سيقف ذليلاً أمام مَلِكِ الملوك ليُحاسَب على كل ذرةٍ من الظلم.

"فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: أَنْ تَكُونَ مَعَ اللهِ، أَوْ تَكُونَ قَيْصَراً... فَإِنَّ قَيْصَرَ قَدْ زَالَ، وَاللهُ بَاقٍ إِلَى الأَبَد"

تعليقات