img
img

رفقاً بالقوارير: فهم الدورات الهرمونية والرحمة بالمرأة بين العلم والشرع

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

رفقاً بالقوارير: فهم الدورات الهرمونية والرحمة بالمرأة بين العلم والشرع

image1746330481485.png

 أ.د عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم


 المقدمة

 

الحكمة النبوية في قول الرسول ﷺ: "يا أنجشة، رفقاً بالقوارير" (مسند الإمام احمد) تمثل توجيهاً خالداً لفهم طبيعة المرأة النفسية والجسدية ومعاملتها برحمة وحكمة . اليوم، يكشف العلم الحديث عن تفاصيل مدهشة للدورات الهرمونية عند المرأة والرجل، مما يعزز هذا التوجيه النبوي ويضيف له أبعاداً جديدة. في هذا المقال، نستعرض كيف تفسر البيانات العلمية والنصوص الشرعية ضرورة الرفق بالمرأة، مع التركيز على الاحتياجات العاطفية العميقة للمرأة التي تتجاوز الاحتياجات المادية الأساسية.

 

أولاً: الفروق العلمية بين الدورات الهرمونية للرجل والمرأة

 

 1. دورة المرأة (27 يومًا): عاصفة هرمونية متكررة

image1746330481554.png

تخضع المرأة لتقلبات هرمونية حادة كل شهر تؤثر على حالتها الجسدية والنفسية بشكل عميق:

 

- التغيرات الهرمونية: تتراوح الدورة الشهرية بين 21-35 يوماً (بمتوسط 27 يوماً) وتشهد تقلبات كبيرة في هرموني الإستروجين والبروجسترون، خاصة في الأسبوعين السابقين للحيض (مرحلة ما قبل الطمث - PMS) .

 

- الأعراض النفسية:

  - تقلبات مزاجية حادة بسبب انخفاض مستويات السيروتونين (هرمون السعادة)

  - نوبات من القلق والاكتئاب

  - زيادة الحساسية العاطفية

 

- الأعراض الجسدية:

  - آلام شديدة (صداع نصفي، تشنجات بطنية)

  - إرهاق عام وضعف في التركيز

  - تغيرات في الشهية وأنماط النوم

 

تشير الدراسات إلى أن 75% من النساء يعانين من أعراض نفسية وجسدية في هذه الفترة، بينما تعاني 20-30% منهن من أعراض شديدة قد تعيق ممارسة حياتهن الطبيعية .

و بحسب دراسة نُشرت في دورية Nature Neuroscience (2022)، فإن تقلبات هرموني الإستروجين والبروجسترون أثناء الدورة

image1746330481559.png

الشهرية تؤثر على 6 مناطق رئيسية في الدماغ، وهو ما يفسر التغيرات المزاجية التي أشار إليها ابن القيم في "زاد المعاد" عند حديثه عن أحكام الحيض.

 

 2. دورة الرجل (24 ساعة): استقرار نسبي

 

في المقابل، يعيش الرجل دورة هرمونية يومية أكثر استقراراً:

 

- هرمون التستوستيرون: يصل إلى ذروته في الصباح وينخفض تدريجياً خلال اليوم، مع انتعاش بعد النوم الجيد.

- التقلبات المزاجية: تكون أقل حدة وأقصر مدة، حيث يعود الرجل إلى حالة الاستقرار سريعاً بعد النوم.

- الاستجابة للضغوط: يفرز الرجل كمية أكبر من الكورتيزول (هرمون التوتر) عند المواقف الصعبة، لكنه يتعافى أسرع من المرأة.

 

هذه الفروق البيولوجية العميقة تفسر لماذا يحتاج التعامل مع المرأة إلى فهم خاص ورفق إضافي، خاصة في فترات التقلبات الهرمونية الحادة وباستطاعة الرجل إحتوائها عند ضبطه المتغيرات الهرمونية (هرمون التوتر) بسبب الصغوطات الخارجية  إلا سيحتاج هو نفسه الى الاحتواء.

 

 ثانياً: التوجيه الشرعي والاحتياجات العاطفية للمرأة

 

     1. النصوص الشرعية المؤسسة للرحمة

image1746330481565.png

يؤكد الشرع الحنيف على أهمية المعاملة الرحيمة للمرأة، لا كتكليف بل كحق:

 

- الحديث النبوي: "استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم" (متفق عليه). كلمة "عوان" تعني الأسيرات، مما يشير إلى حاجتهن للحماية والرعاية، لا انتقاصاً من قدراتهن .

- القدوة النبوية: في موقف النبي ﷺ مع أم المؤمنين صفية في الحديث الثابت عندما بكيت لأن جملها برك، لم يزجرها بل مسح دموعها بيده الكريمة، مع أن السبب قد يبدو تافهاً للبعض .

- القرآن الكريم: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (النساء:19)، والمعروف يتضمن فهم طبيعتها واحتياجاتها.

 

   2. الاحتياج العاطفي: جوهر العلاقة الزوجية

 

المرأة تحتاج إلى الاحتواء العاطفي أكثر من حاجتها للمتطلبات المادية:

 

- الاستماع والتعاطف: المرأة حين تتحدث عن مشاكلها "فهي في الغالب تفضفض لا تطالبك بحل" . هي تريد أن تشعر أنك تسمعها وتتفهمها.

- التقدير والثناء: تحتاج المرأة إلى سماع كلمات التقدير مثل "أنتِ امرأة عظيمة" و"ما كنتُ لأستطيع فعل ما تفعلينه" .

- اللمسات الحانية: كمسح الدموع أو الاحتضان، والتي لها تأثير نفسي عميق يفوق الكلمات أحياناً.

image1746330481569.png

 

   ثالثاً: تطبيقات عملية للتعايش مع الفروق الهرمونية

 

  1. للأزواج: فن التعامل مع التقلبات

 

- فترة ما قبل الحيض: زيادة الدعم العاطفي، تجنب النقاشات الحادة، والصبر على التقلبات المزاجية.

- الحديث النبوي: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر" (رواه مسلم). أي لا ينبغي للزوج أن يكره زوجته كرهاً شديداً، فإذا كره منها صفة فليتذكر الصفات الأخرى التي يحبها فيها.

- الرحمة قبل الحق: المرأة المسلمة قبل ان تكون زوجتك في أختك فيي الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس) رواه الطبراني في الأوسط ، وفي رواية من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله ! أي الناس أحب إلى الله ؟ فقال : أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهرا...)  رواه الطبراني في الأوسط والصغير

 وكما قال عمر بن الخطاب: "أفضل الناس أعذرهم للناس" .

 

2. للمرأة: فهم الذات والتعبير عن الاحتياجات

image1746330481570.png

- التوعية الذاتية: فهم التغيرات الهرمونية وكيف تؤثر على المزاج والطاقة.

- الإعتناء بالذكر وتقوية الإيمان قال الله تعالى :{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)}سورة الرعد.

هذه الآية تُعرِّف المؤمنين الحقيقيين بأنهم من اطمأنت قلوبهم بذكر الله، فجعلوا الذكر غذاءً للروح وسكينةً للنفس. 

"وتطمئن قلوبهم": أي تهدأ نفوسهم من الخوف والقلق، وتستقر في اليقين. 

- التواصل الواضح: شرح الاحتياجات العاطفية للزوج بلطف ووضوح دون خجل.( المكاشفة والمصارحة)

- الاعتناء بالنفس: ممارسة الرياضة، التغذية السليمة، والتقنيات المساعدة على الاسترخاء.

 

 3. للمجتمع: تغيير الصور النمطية

- التوقف عن الوصم: وصف المرأة بأوصاف تسيئ لها دون فهم الأسباب البيولوجية.

- التعليم والتوعية: نشر الوعي بالتقلبات الهرمونية الطبيعية وآثارها على نفسية المرأة.

- الموازنة بين الحقوق والواجبات: كما قال النبي ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (رواه الترمذي) ، الحديث يربط الإحسان إلى النساء بالخيرية ،  ومن الخيرية ينبغي التعامل معها برقة وليس كخادمة أو عاملة.

 

رابعاً: التكامل بين العلم والشرع في فهم المرأة

image1746330481572.png

 

 1. الرأفة والرحمة: رؤية قرآنية

 

يقدم القرآن الكريم تمييزاً دقيقاً بين الرحمة العامة والرأفة الخاصة:

 

- الرحمة: عامة تشمل جميع النعم والخير (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] .

- الرأفة: خاصة بدفع الضرر والمكروه (تقول أنا أرأف به عندما يكون متوقعاً أن يقع عليه شيء، وتمنع عنه الأذى) .

 

هذا التمييز يوضح أن معاملة المرأة تحتاج إلى نوع خاص من الرحمة وهو "الرأفة"، التي تركز على حمايتها من الأذى النفسي والجسدي.

قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21)} سورة الروم

 

2. التوازن بين العقل والنقل

 

كما يتجلى في الشريعة الإسلامية ، العلاقة بين العقل (العلم) والنقل (الشرع) هي علاقة تكامل لا تناقض وتعارض:

 

- العقل: يكشف عن الحكمة من التوجيهات الشرعية عبر الفهم العلمي للتكوين البيولوجي للمرأة.

- النقل: يقدم الإطار الأخلاقي والقيمي للتعامل مع هذه الفروق .


image1746330481573.png

 الخاتمة

 

تكشف لنا الأبحاث العلمية والنصوص الشرعية معاً أن الرفق بالمرأة ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة تنبع من فهم عميق لوصيا النبي ﷺ التي أكدتها الأبحاث العلمية في تركيبتها البيولوجية والنفسية. المرأة ليست أقلّ من الرجل، لكنها مختلفة، وهذه الاختلافات تتطلب شراكة تقوم على المعرفة والتعاطف لا على الصراع والجهل.

 

كما جاء في الحديث الذي يرويه أنجشة، تذكير النبي ﷺ بـ"رفقاً بالقوارير" يمثل نموذجاً خالداً للتعامل الواعي مع طبيعة المرأة. القوارير -كما يفسرها العلماء- جميلة ولكنها تحتاج إلى حماية، وهكذا المرأة: قوية ولكن في حاجة إلى رعاية خاصة .

 

المرأة بحاجة إلى احتواء عاطفي يفوق حاجتها للمتطلبات المادية، لأن الاكتفاء العاطفي هو أساس الاستقرار النفسي لديها. وهذا ما يؤكده العلم الحديث وقبله الإسلام الغني بالنماذج التي تجسد الرحمة والفهم العميق لطبيعة المرأة.

 

 



 بعض مراجع المقال
- القرآن الكريم
-  الصحيحان (البخاري ومسلم) في أحاديث الوصية بالنساء 
- زاد المعاد لابن القيم في الفصول الطبية 
-تفسير القرطبي لآية "وعاشروهن بالمعروف"
image1746330481574.png- كتب التفسير مثل "في ظلال القرآن" لسيد قطب
-  الجدل بين العقل والنقل في الفكر الإسلامي
- الفرق بين الرأفة والرحمة في لغة القرآن الكريم
- أبحاث عالم النفس جون غوتمان حول العلاقات الزوجية
 - دراسة كلينتون وآخرون (2023) في Journal of Women's Health 
- بحث فريق جامعة هارفارد (2022) في Nature Neuroscience 
 
- دراسات من Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism

تعليقات

الكلمات الدلالية