د. عبد السلام زكريا
دكتور في إدارة الأعمال رئيس قسم إدارة الأعمال في جامعة باشاك شهير
تتزاحم الآن الكثير من نظريات القيادة في محاولة لتطوير مفاهيم القيادة وتفسيرها، وتتنافس الكثير من كتب تطوير الذات على تقديم أفضل نموذج للقائد الناجح، وللأسف يغيب عن كثير من الباحثين النموذج القيادي الأعظم الذي جسده النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذي يستند الى ركن رشيد فمن علمه شديد القوى نقلاً عن خالق الورى، فيجب دراسة نهج الرسول ليس كشخصية دينية فقط بل كرائد إداري فذ استطاع أن يحدث تحولاً جذرياً في واقع متأزم، وينقل أمة كانت تعيش في هامش الحضارة الإنسانية إلى ريادة مركز الحضارة.
فقيادته صلى الله عليه وسلم لم تكن خطابية ولا شعاراتية بل عملية إنسانية واعية، وذات رؤية استراتيجية سبقت نظريات القيادة الحديثة بأكثر من 14 قرناً، هذه المقالة تحاول أن تسلط الضوء على أهم أبعاد القيادة النبوية من منظور إداري معاصر وحسب اطلاعي على العديد من النظريات القيادية المعاصرة أستطيع القول بأنها لم تخرج من دائرة قيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسنعزز ذلك بالأحاديث النبوية والمواقف التطبيقية من سيرته العطرة.
القيادة بالقدوة والتأثير
ما يميز النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يطلب من الناس ما لم يفعله بنفسه، فهو الذي قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه مالك)، وكان خلقه القرآن، ولم يكن قائداً يصدر الأوامر وحسب بل كان يشارك في كل المهام حتى البدنية منها، ففي غزوة الخندق شارك في حفر الخندق بنفسه وكان يشحذ همم الصحابة بقوله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
القيادة بالشورى وتمكين الفريق
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مستبداً في قراراته على الرغم من عظمة مقامه وكمال رأيه ونزول الوحي عليه، بل جعل الشورى مبدأ إدارياً ثابتاً، حيث قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وفي غزوة أحد استشار الصحابة ومال لرأيهم بالخروج للقتال رغم رأيه الشخصي بالبقاء في المدينة.
القيادة بالتحفيز المعنوي
امتلك النبي صلى الله عليه وسلم قدرة هائلة على تحفيز النفوس واستنهاض الطاقات، وكان يحول أصغر الأعمال إلى مشاريع ذات معنى وهدف سام، ويقول لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" (البخاري)، ويقول: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" (مسلم).
القيادة بالعدالة والمحاسبة
العدالة في نظر النبي ﷺ ليست خياراً إدارياً، بل مبدأ لا يمكن التفاوض عليه، حتى وإن مست أقرب الناس إليه فأنه لا يتردد في تطبيقها. قال صلى الله عليه وسلم " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (متفق عليه)، فبهذا التصريح أسس لمفهوم العدالة المؤسسية التي لا تفرق بين الأسماء ولا تنحاز للقرابة، هذه الرسالة ضرورية لكل قائد يريد بناء منظومة تحترم القيم وتكافئ الجدارة ولا تحابي على حساب العمل.
القيادة حسب الكفاءة لا الانتماء
أدار النبي ﷺ مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا النسب فقد ولى أسامة بن زيد وهو شاب صغير السن غير ذي حسب وجاه ومال على جيش فيه أبو بكر وعمر، وقال عن خالد بن الوليد: نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله (صحيح الجامع).
القيادة في الأزمات
كان صلى الله عليه وسلم بارعاً في إدارة الأزمات، دون تهور أو ضعف ففي صلح الحديبية ورغم أن ظاهر الشروط فيه إجحاف، قرأ النبي ﷺ الموقف بعمق سياسي وقبل بالصلح، مما أثار غضب الصحابة لكنه بالحكمة والتواصل استطاع أن يحتوي الموقف، فكان الصلح تمهيداً لفتح مكة لاحقاً. فالقيادة في الأزمات تحتاج إلى هدوء وتقدير للمآلات وهذا ما أتقنه أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم.
القيادة بالتسامح والرؤية الاستراتيجية
دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح بجيش يقارب ال 10 آلاف مقاتل لا يعصون له أمراً، وتمكن من خصومه الذين آذوه وظلموه وطردوه منها وهي أحب البقاع الى قلبه، وتوقع الناس الانتقام فإذا به يقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هذا ليس فقط عفواً أخلاقياً بل قرار استراتيجي، لأنه ضمن استقرار مكة وحول أعدائه إلى مؤمنين مخلصين وهذا مقصود دعوته، فالتسامح في القيادة في هذا الموضع ليس ضعفاً بل قوة ناعمة تبني الولاء والاحترام.
القيادة التنظيمية وتوريث المنهج
ففي أواخر حياته صلى الله عليه وسلم لم يترك فراغاً إدارياً حيث رسخ نظام الخلافة بالشورى، وربى جيلاً كاملاً يستطيع القيادة وإكمال المسيرة من بعده وعلى نهجه استطاع نشر الدعوة في كل أصقاع الأرض، فنهجه لم يكن متعلقاً بالفرد الواحد بل بالمنهج، فهو ليس قائد مرحلة وحسب بل صانع أمة.
القيادة ليست فقط كيفية التأثير في الآخرين، بل كيف تبني الآخرين ليكونوا قادة.
وهذا بالضبط ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فمشروعه القيادي لم يكن لتحقيق الانتصارات فقط، بل لتحويل الأفراد إلى قادة وصناعة جيل يحمل الرسالة.
ويمكننا عند تحليل نمط قيادته صلى الله عليه وسلم أن نرصد خمسة أنماط قيادية اجتمعت فيه:
1.القيادة الأخلاقية: تمسك بالقيم والمبادئ حتى في الشدة.
2.القيادة التحويلية: فلم يكن يوجه فقط بل كان يلهم ويغير النفوس.
3.القيادة بالموقف: اختار الموقف القيادي الأنسب لكل حالة.
4.القيادة الخادمة: فقد كان يخدم نفسه بنفسه ولم يتوانى عن خدمة الصحابة.
5.القيادة التمكينية: أعطى الصحابة مسؤوليات كبرى وكل حسب مهارته، ودربهم على اتخاذ القرارات.
اكتب مراجعة عامة