img
img

تطبيق الشريعة الإسلامية - رؤية شمولية تتجاوز الحدود

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

تطبيق الشريعة الإسلامية - رؤية شمولية تتجاوز الحدود

أ.د عصام اشويدر 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية

 ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه

 توطئة:

في كثير من النقاشات التي تُطرح في المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ألاحظ خلطًا شائعًا بين مفهوم "تطبيق الشريعة" و"تطبيق الحدود"، حيث يُختزل الإسلام كله في الجانب العقابي، وكأن الشريعة لا تعني سوى إقامة الحدود. ولا شك أن للحدود مكانتها العظيمة في التشريع الإسلامي، فهي أمر رباني يحفظ حقوق الأفراد والمجتمع،ويلزم على الحاكم تطبيقها، لكنها ليست كل الشريعة ولا أول خطواتها. فقبل الحديث عن العقوبات، هناك أسسٌ ينبغي تحقيقها: عدالة اجتماعية، توعية دينية، توفير الحاجات الأساسية، وإصلاح المنظومة الأخلاقية والقضائية .. العمدة في ذلك الكتاب والسنة . ومع ذلك، كثيرٌ من المتحاورين يغفلون هذه المرتكزات، فيُحدثون تشويشًا فكرياً ويُقدّمون صورة مشوّهة عن الإسلام.  

ولهذا كتبت في هذا الموضوع: لتصحيح هذا الفهم، ولفت الانتباه إلى أن الشريعة منهج حياة متكامل، يبدأ بالتربية والعدل قبل أن يكون عقوبة. فكيف نطالب بتطبيق الحدود في مجتمع يفتقر إلى مقوّمات العدالة التي تجعل العقوبة حقًّا؟ وكيف نناقش الشريعة بغير علمٍ بمراتب الأحكام ومقاصدها؟ هذه الكتابة محاولةٌ لتوضيح هذه الأولويات، حتى لا نُختزل ديننا العظيم في جزئيةٍ — وإن كانت مهمة — تُفهم خارج إطارها الشامل.  

المقدمة: 

الفهم الخاطئ لتطبيق الشريعة

يسود في الأوساط العامة والمتدينين منهم - بل وحتى بين بعض النخب - فهم قاصر ومبتسر لمفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث يتم اختزاله في الأذهان إلى أنه مجرد إقامة الحدود والعقوبات البدنية مثل قطع يد السارق أو الرجم، بينما الحقيقة أن الشريعة الإسلامية نظام شامل يتناول جميع جوانب الحياة، وتتجاوز العقوبات إلى بناء مجتمع متكامل تقوم فيه العدالة وتُحفظ فيه الحقوق وتُصان الكرامات.هذا الفهم القاصر يختزل الشريعة -التي هي منهج حياة متكامل- في جزئية واحدة من جزئياتها، وهو ما يعكس جهلاً بالسياسة الشرعية ومقاصد التشريع الإسلامي. في هذا المقال، سنستعرض الرؤية الشمولية لتطبيق الشريعة، ونبين أن الحدود ليست سوى جزء صغير من نظام تشريعي متكامل، مع التركيز على الحالات التي يجوز فيها تأجيل إقامة الحدود مراعاة للظروف والنوازل.

- مفهوم الشريعة:

• رؤية متكاملة

الشريعة الإسلامية ليست مجرد قانون عقوبات، بل هي "نموذج لقانون الله" كما يصفها الدكتور جوناثان براون في كتابه "الشريعة والإنسان الحديث"، يشمل جميع مناحي الحياة من عبادات ومعاملات وأخلاق وسياسة شرعية. في الحقيقة، لا تشغل الحدود سوى نسبة ضئيلة من كتب الفقه ، حيث تشير التقديرات إلى أنها لا تتجاوز 2% من محتوى هذه الكتب كما ذكر الدكتور وهبة الزحيلي في "الفقه الإسلامي وأدلته". يتجلى هذا المنظور الشمولي في تعريف الشريعة الذي يقدمه الدكتور صلاح الصاوي في كتابه "حوارات حول الشريعة والعلمانية"، حيث يرى أن تطبيق الشريعة يشمل حراسة الدين عقائداً وأخلاقاً وأحكاماً، وسياسة الدنيا به.

•مكونات الشريعة الأساسية:

1. العبادات: تشمل الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه.

2. المعاملات: تتناول العلاقات بين الأفراد في المجالات الاقتصادية والاجتماعية مثل الزواج والطلاق والميراث والعقود.

3. الأخلاق والآداب: تضبط السلوك الفردي والاجتماعي وفق القيم الإسلامية.

4. السياسة الشرعية: تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم وإدارة شؤون الدولة.

5. الحدود والعقوبات: وهي الجزء الذي يتناول الجرائم والعقوبات المقدرة شرعاً.

• مقاصد الشريعة الأساسية

تشكل الحدود في الشريعة الإسلامية نظاماً متكاملاً يحقق التوازن بين حقوق الفرد والمجتمع، ويستند إلى حكم بالغة ومقاصد سامية. فليست الحدود غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة العليا التي حددها العلماء في خمسة أمور أساسية:

1. حفظ الدين

2. حفظ النفس

3. حفظ العقل

4. حفظ النسل

5. حفظ المال

يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية" (ص 95) يذكر: "تطبيق الحدود يجب أن يكون وسيلة لتحقيق العدل والاستقرار الاجتماعي، لا غاية في ذاتها".هذا الفهم المقاصدي للحدود يجعلها جزءاً من منظومة متكاملة تهدف إلى إقامة العدل وتحقيق الأمن المجتمعي.فهذه المقاصد تشكل الإطار العام الذي يجب أن يُفهم في سياقه أي حكم شرعي، بما في ذلك الحدود. فالشارع الحكيم لم يشرع العقوبات إلا لحماية هذه الكليات الخمس، فإذا تعارضت العقوبة مع تحقيق هذه المقاصد، وجب مراعاة الأصلح .

يقول الإمام الغزالي في "المستصفى في علم الأصول" (ج1/ص286): "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة".

ويوضح الشاطبي في "الموافقات" (ج2/ص7): "إن الشريعة وضعت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهذه المصالح ترجع إلى حفظ الضرورات الخمس".

تكشف دراسة مقاصد الشريعة عن الحكمة الكامنة وراء تشريع الحدود، حيث يذكر الطاهر ابن عاشور في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية" أن مقصد الشريعة من الحدود ثلاثة أمور: تأديب الجاني، وإرضاء المجني عليه، وزجر المقتدي بالجناة.

ويقول القرافي في "الفروق" (ج4/ص206): "الحدود زواجر عن الجرائم، وحصون للأعراض والأموال، وضمانات لاستقرار المجتمع".

- السياسة الشرعية ومرونة تطبيق الحدود

• مفهوم السياسة الشرعية

السياسة الشرعية هي "تدبير شؤون الأمة بما يحقق مصالحها في إطار الأحكام الشرعية". وهذا المفهوم الواسع يمنح ولي الأمر صلاحية اتخاذ القرارات المناسبة حسب الظروف والمتغيرات، بما يحقق مقاصد الشريعة. من هنا نفهم أن تطبيق الشريعة ليس عملية آلية لتطبيق نصوص دون اعتبار للواقع، بل هو عملية مرنة تأخذ بعين الاعتبار كل الظروف المحيطة ، ونشير هنا أننا نخضع الواقع للنصوص الشرعية وفق قواعد المقاصد الشرعية وليس العكس ..

-  الحدود في الميزان: بين الثبات والمرونة

الحدود في الإسلام هي "عقوبة مقدرة في الشرع؛ لأجل حق الله"، كما جاء في تعريفها في كتاب "المغني" لابن قدامة المقدسي. ومن أنواع الحدود المعروفة: حد 

الزنا، حد الحرابة، حد القذف، حد السرقة، حد شرب الخمر، وحد الردة. لكن الفقه الإسلامي يمتاز بمرونة كبيرة في تطبيق هذه الحدود، حيث يضع شروطاً صارمة لإثبات الجرائم الحدية، كما يفتح باب العفو والتسامح في كثير من الحالات.

• شروط تطبيق الحدود:

1. الاستقرار السياسي والاجتماعي: يشترط لتنفيذ الحدود وجود سلطة شرعية مستقرة تجتمع عليها الأمة، كما ذكر الماوردي في "الأحكام السلطانية".

2. العدالة الاجتماعية: لا تقام الحدود في مجتمع يعاني من المجاعة أو الظلم الاجتماعي، كما فعل عمر بن الخطاب في عام الرمادة عندما أوقف حد السرقة كما ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ".

3. توفر الأدلة القاطعة: تشترط الشريعة شروطاً صارمة 

لإثبات الجرائم الحدية مثل شهادة أربعة شهود في حد الزنا كما ورد في صحيح البخاري.

4. مراعاة المصلحة العامة: يجوز تأجيل الحد إذا كان في إقامته مفسدة أكبر من تركه، كما هو الحال في دار الحرب كما ذكر ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين".

 • تأجيل الحدود: سوابق تاريخية وأصول شرعية

يقدم التاريخ الإسلامي في سياسة الشرعية نماذج عديدة لتأجيل إقامة الحدود مراعاة للظروف الاستثنائية، مما يؤكد مرونة الشريعة وواقعيتها. ومن أبرز هذه النماذج:

1. موقف عمر بن الخطاب في عام الرمادة:

في عام المجاعة (18هـ)، أوقف الخليفة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه -حد السرقة بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها الأمة، قائلاً: "لا تقطع يد سارق في عام سنة" كما روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" وقال : "أيقطع السارق في عام سنة؟!" كما في "الكامل" لابن الأثير (2/350)هذا الموقف يؤصل لقاعدة شرعية مهمة وهي مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية عند تطبيق الحدود.

 2. الحدود في دار الحرب:

أفتى العديد من الفقهاء بعدم إقامة بعض الحدود في حالات الحرب، مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع الأيدي في الغزو" كما رواه أبو داود. وعلل الفقهاء ذلك بأن "يداً عاصية مجاهدة تدفع الصائل أنفع للمسلمين في ذلك الموطن من يد مبتورة" كما ذكر الشاطبي في "الموافقات" ، وعلل الإمام بن القيم لعدم إقامة الحد في الغزو خشية انقلاب الجيش على قائده في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية"(ص 25-26)، حيث يقول:"وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْطَعُ 

فِي الْغَزْوِ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْجَيْشُ عَلَى أَمِيرِهِمْ، وَلِئَلَّا يَضْعُفُوا عَنْ قِتَالِ الْعَدُوِّ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ إضَاعَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْجِهَادِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَطْعِ."

 ملاحظات مهمة على هذا النص:

 • الجمع بين الحكمتين: ذكر ابن القيم هنا حكمتين لتعليق الحد:

   - خشية انقلاب الجيش (الجانب السياسي والأمني)

   - ضعف القوة العسكرية (الجانب العسكري)

• الأولوية للمصلحة الكبرى: بيّن أن مصلحة الجهاد أعظم من مصلحة إقامة الحد،"ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما" .

• السياسة الشرعية: هذا الكلام ورد في كتابه المخصص للسياسة الشرعية، مما يؤكد أن المسألة تراعي مقاصد الدولة"تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما" .

• الاستدلال بالسنة: استند إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم العملي في تعليله.

 أماكن أخرى ذكر فيها هذا التعليل:

- "إعلام الموقعين" (2/82): يذكر نفس التعليل بشكل مختصر.

- "زاد المعاد" (5/115-118): يذكر الحكمة العسكرية دون السياسية.

هذا التعليل السياسي لابن القيم يعكس عمق فهمه للواقع، حيث جمع بين:

- تحقيق العدل (بإقامة الحد)

- وحفظ النظام (بعدم إثارة الفتنة)

- والمصلحة العليا (بقاء قوة الجيش)

وهو ما يتوافق مع قواعد السياسة الشرعية في الموازنة بين المصالح والمفاسد.

فابن القيم  يوضح كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي المصالح الكبرى والأولويات في تدبيره للأمور، حتى لو أدى ذلك إلى تأخير أو تعليق تطبيق حد من حدود الله مؤقتًا لدفع مفسدة أعظم أو لتحقيق مصلحة أكبر. وهذا يعتبر من فقه الموازنات الذي يتميز به ابن القيم في كتبه.

 3. التدرج في تطبيق الشريعة:

يؤكد الدكتور محمد معاذ الخن في بحثه "التدرج سنة قدرية وحكمة تشريعية" المنشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية أن التدرج هو سمة أساسية في التشريع الإسلامي، سواء في النزول التدريجي للقرآن أو في تطبيق الأحكام. وهذا التدرج يشمل أيضاً مراحل تطبيق الشريعة في المجتمع.

الأحكام الشرعية ثابتة في أصلها، ولكن كيفية تطبيقها تختلف حسب الزمان والمكان والحال. وهذا ما يفسر اختلاف تطبيق الحدود في السلم والحرب، أو في 

حالات الاضطرار ... في "الطرق الحكمية" (ص87) يوضح ابن القيم أن: "الأحكام ثابتة ولكن كيفية تنفيذها تختلف بحسب الأحوال، وهذا من رحمة الشريعة ومرونتها"وفي كتابه "مفتاح دار السعادة" (ج1/ص156) أن: "التدرج سنة كونية وشرعية، فكما تدرج الخلق تدرج الأمر والتكليف". وفي "إعلام الموقعين" (ج3/ص14) يذكر: "الشريعة جاءت بالتدرج في التكاليف رحمة بالأمة وإعطاءً لهم فرصة للتكيف مع الأحكام" .

يذكر ابن القيم في "زاد المعاد" (ج3/14): "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدرج في تطبيق الأحكام حسب استعداد الناس، فبدأ بالتربية قبل العقوبة".

 يقول الشاطبي في "الموافقات" (ج2/ص88): "تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذا يستدعي التدرج في التطبيق حسب استعداد الناس".

ويبين الطاهر بن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (ص95): "التدرج في تطبيق الأحكام من حكم التشريع، لتمكين الأمة من استيعاب التكاليف دون حرج".

ضوابط التدرج في التطبيق

• عدم إنكار أصل الحكم: 

كما يؤكد الشاطبي في "الموافقات" (ج2/ص88): "التدرج في التنفيذ لا يعني التشكيك في ثبوت الحكم".

• مراعاة الأولويات: 

يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (ج20/ص58): "يبدأ بالأهم فالمهم كإقامة العدل قبل تطبيق الحدود".

 • التدرج في الإلزام لا في البيان: 

يذكر القرافي في "الفروق" (ج3/ص34): "يجب بيان جميع الأحكام مع تدرج الإلزام حسب الاستطاعة".

• التوازن بين المصالح والمفاسد: 

كما في "أحكام القرآن" للجصاص (ج3/ص201): "لولي الأمر تأجيل الحدود إذا ترتب على إقامتها مفسدة أعظم".

يقرر العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (ج1/ص8): "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة، وإن عظمت مفسدته وجب درؤه".

ويقول ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" (ص82): "يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة عند التعارض، لأن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها".

• الاستعداد المجتمعي: 

يذكر الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص279): "التطبيق المفاجئ للشريعة بلا تمهيد قد يؤدي إلى النفور".

هذه التوثيقات تظهر أن مبدأ التدرج في تطبيق الشريعة 

ليس رأياً حديثاً أو بدعًا من القول، بل له أصوله الراسخة في الفقهي الإسلامي 

 ضوابط تطبيق الحدود في الفقه الإسلامي:

• التمكين الشرعي: يشترط لوجوب إقامة الحدود وجود تمكين حقيقي، كما يقول ابن تيمية في "السياسة الشرعية": "وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة".

• الاجتهاد في تقدير المصلحة: للإمام أو ولي الأمر أن يوقف الحد إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة (18هـ)

يؤكد الشاطبي في "الموافقات" (2/290): "إذا تعارضت مصلحتان قدمت الأعلى، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكبت الأخف"

    هنا قدم عمر رضي الله عنه مصلحة حفظ النفس على مصلحة إقامة الحد

يقول الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص 279): "لولي الأمر أن يؤخر إقامة الحد إذا رأى في إقامته مفسدة راجحة على المصلحة".

يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/82): "للإمام تأجيل الحدود إذا خاف من تطبيقها ضرراً عاماً"

• الاعتدال في التطبيق: يرفض الإسلام التطرف والغلو والتنطع في تطبيق الحدود وأخذ الناس بالظنون وتطبيق القول الضعيف والشاد ..

قال رسول الله ﷺ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني)

يقول الإمام ابن القيم في الطرق الحكمية (ص26): "الاعتدال هو العدل التام، لا هوادة تضيع الحقوق ولا تشدد يضيع الرحمة"

ويقول في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" (ص 25): "الشريعة مبناها على الحكم 

ومصالح العباد، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة".

ويذكر ابن قدامة في "المغني" (12/108): "يسقط الحد بالعذر كالجوع الشديد"

للإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" (ج2/7) يؤكد: "الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه".

• العدل والمساواة: تطبق الحدود على الجميع دون تمييز، كما يؤكد القرآن قال الله تعالى : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:179].

وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". هذا الحديث العظيم يحمل عدة دلالات مهمة في موضوع العدل المساوات في تطبيق الحدود

 -العدل في عدم التمييز بين الناس

- المساواة في تحقيق العدالة الشاملة

- العدل في تطبيق القانون على الجميع بالسوية

أن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس مجرد إقامة للحدود، بل هو بناء لمجتمع تقوم فيه العدالة وتُحفظ فيه الحقوق وتُصان الكرامات. الحدود هي جزء من هذا النظام الشامل، ولكنها ليست كل شيء. لقد فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الحقيقة عندما علق حد السرقة في عام الرمادة مراعاة للظروف الاستثنائية، مع الحفاظ على قدسية التشريع ومقاصده.

فالشريعة جاءت لتنظيم الحياة البشرية بكل تعقيداتها، وليس لفرض عقوبات دون اعتبار للظروف والملابسات.

الخاتمة: نحو فهمٍ متوازنٍ لتطبيق الشريعة

يتبين من هذا العرض أن الشريعة الإسلامية نظامٌ متكاملٌ لا يجوز اختزاله في الحدود والعقوبات،فالحدود – رغم أهميتها و وجوب تطبيقها – ليست سوى جزء من آليات تحقيق المقاصد الكبرى للشريعة  فهي جزءٌ من بناءٍ أوسع يهدف إلى تحقيق العدل والاستقرار المجتمعي، وفق ضوابطَ شرعية دقيقةٍ تراعي الظروف والأحوال. ويقدم التاريخ الإسلامي شواهدَ عمليةً على مرونة الشريعة وقدرتها على مواكبة المستجدات.  

إن التطبيق الصحيح للشريعة يقتضي النظر إليها كمنظومةٍ شاملةٍ تبدأ بالتربية والإصلاح، وتستهدف تحقيق مقاصدها في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وهذا الفهم المتوازن هو الحلُّ للخروج من المأزق الحالي بين الطرفين: غلوٍّ في التطبيق لا علاقة له بالشرع، أو إلغاءٍ كاملٍ يستبدلها بقوانين وضعيةٍ وضيعه. وكلا الأمرين ليس تطبيقًا حقيقيًا للشريعة، حتى لو ادعى البعض أنهم يحكمون بما أنزل الله كذبا وزوا(كحال الخوارج)، فهم في الحقيقة يتبعون أهواءً 

ويُحدثون بدعًا في الدين. فالحكم الحق هو ما التزم نصًّا وفهما وروحًا بما جاء به الشرع الحكيم .

قال الله تعالى : "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة: 50)


تعليقات

الكلمات الدلالية