لا يختلف
اثنان على أن غزة هي مأساة العصر وأنها في نفس الوقت ملهمة للأمة، بل للعالم بأسره.
وبعد هذه السنوات الطويلة من الكفاح والجهاد ومنذ انطلاقة ثورة الحجارة في أواخر الثمانينات
وحتى طوفان الأقصى أثبتت المقاومة أنها تمتلك قوة مانعة وساتراً شديداً حال دون
التمدد الصهيوني وأمام هذا الثبات لم تجد الحكومات الإسرائيلية المتطرفة المستبدة
سوى أن تتحالف مع أنظمة عربية وإسلامية تشابهها في الطريقة والمنهج فخلقوا حلفاً
ورقياً لا يُغني من أمر الله شيئاً وسموه(التطبيع) فالتطبيع بالنسبة للأمة والمجاهدين ما هو إلا أثر
الهزيمة الصهيونية وورقة التوت التي تحفظ عورة الهزيمة أمام العالم وبالنسبة لقادة
العرب فهو شعار النفاق والجبن والخيانة وهكذا يتجدد الولاء التاريخي بين المنافقين
واليهود
(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ
مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ
لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
على ما سبق بتصوري
القاصر لابد أن يسمو الخطاب الجماهيري في الإعلام وفي كل وسائل الاتصال بما يلي:
أولاً: الخطاب الداخلي من غزة.
1- الطلب من الحكومات الإسلامية المستبدة التي تحارب الله ورسوله أن تسعى لحل المشكلة أو التدخل لتوقيف الحرب. في ظني هذا من ضرب الخيال ولا يجوز شرعًا وعقلاً ومنطقاً أن نظن أن هذه الأنظمة تستطيع أن تقدم شيئاً ينصر غزة، فكيف يظن المواطن في غزة أن هذه الأنظمة ستساعدكم وهي التي تظلم شعبها وتسجنه وتذله لأي محاولة منه في تعديل الأوضاع وماذا تنتظرون من جيوش وأجهزة أمن تستمتع في تعذيب المصلحين والناشطين وتذيقهم الويلات؟؟؟؟
2 ـ الطلب من
الشعوب الإسلامية أن تساعدكم وتقف معكم، فهذا طلب مشروع واجب وفرض عين لكن دون
تحميلها ما لا تطيق (لا يكلف الله نفساً إلا وُسعها) فالشعوب مغلولة
بقيود الأنظمة القمعية، ولكم في سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم عبرة فلم يستطع
صلى الله عليه وسلم أن ينقذ النواة الأولى من الصحابة من العذاب والقتل بل أخبرهم:
اصبروا ولكم الجنة وهذا الحدث يتكرر في أغلب البلاد الإسلامية المعاصرة والتي عانى
أهلها من القتل والتشريد والعذاب. إلخ، ولكنها سنة الله في خلقه الصالحين
والمصلحين من الأنبياء والرسل ومن سار على طريقتهم ولا يفهم من كلامي أني أبرر العجز
للقادر:
وَمَن يَجِد
الطَريقَ إِلى المَعالي فَلا يَذَرُ
المَطِيَّ بِلا سَنامِ
وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ
نستمر ونقاوم
ونجاهد حتى يكتب الله لنا النصر والفرج من عنده والأمر لله من قبل ومن بعد
3 - الخطاب
الإنساني من غزة وإظهار المآسي والجوع والألم والقتل، لابد أن يكون له ميزان محدود
لإظهار الحاجة الإنسانية والكارثة البشرية وهذا أخذ نصيباً طيباً من الإعلام
العالمي والذي يؤثر في حل المشكلة الإنسانية ولكن لابد أن يطغى خطاب العزة والعلو
والتمكين الذي تعيشه غزة وإظهار وتعظيم جوانب الانتصار أمام العالم وجعلها هي
الأساس في خطابنا من الداخل وإرهاب العدو ومن ينصره من الكفار والمنافقين المعتدين
وهذه حقيقة شرعية وتاريخية وواقعية ولها أثر كبير في استدامة المقاومة الشعبية وتطويرها لتكون عنواناً عربياً كما قال الشاعر
الكيلاني الليبي في قصيدته الحماسية المشهورة (وين الملايين وين الملايين):
ناديت الجيوش ...صوتي ما سمعوش
خُيِّرنـا
واخترنا الـمُرّه والثمن عارفين
واجهنا المدفع
والضرّه بمقلاع وسكين
ثورة شعب بيده
حجارة تحدى أساطيل
اكتب يا زمان
الثورة إيمـان
الثورة عنوان
أهل غزة أنتم جزء من تاريخ الكفاح المستمر من طرد اليهود من جزيرة العرب حتى ينطق الحجر بقتل اليهود والله أكرمكم بهذه المهمة ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد ومن عجائب تفسيرها كما روى الطبري في تفسيره عن الزهري( كثُر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتل والجرح فأصاب كل امرئ منهم اليأس، فأنزل الله عز وجل القرآن مواسياً فيه المؤمنين فكانت أعظم تعزية للثبات والاستمرار والقتال وأكبر وعد لهم بالنصر والظفر عليهم ) ولا شك أن بعض الصحابة لم يدركوا هذا الفتح والانتصار العظيم ؛لأن القاعدة الشرعية أو السنة الكونية { إذا مت على الحق فاعلم أنك قد انتصرت} ويقول السعدي في تفسيره [فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبةٍ عليهم، وعونٌ لعدوكم عليكم، شجعوا قلوبكم وصبّروها وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم فلا ينبغي ولا يليق بكم الوهن والحزن وأنتم الأعلون في الإيمان]بتصرف
ثانياً:
الخطاب الخارجي:
على جميع أفراد
الأمة الإسلامية والمؤسسات النخبوية أن تعيد صياغة خطابها في معركة غزة فلقد تبين
أننا أمام استعلاء للمنافقين والمستبدين من بلادنا، حتى أصبحنا أمامهم كالقطيع
الذي يقوده الراعي وفي الأغلب يقوده إلى هلاكها. إن هذه الحكومات وخاصة الموجودة
في العالم العربي وما يسندها من أجهزة أمن وغيرها فقدت ثقلها ومرجعيتها حتى أصبحت
حالة تحدي كبيرة لبناء العدالة والقيم الإسلامية والنخوة العربية.
والتاريخ يتكرر،
ولكن بشكل يتوافق مع الحالة المعاصرة، لكن الأسباب والنتائج واحدة لا تتغير
كما حصل مع
المنافقين وأعوانهم اليهود في المدينة المنورة في غزوة الأحزاب التي انتصر فيها
النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش [روى ابن القيم في زاد المعاد بعد أن
انتهى من غزوة الأحزاب ودخل المدينة ووضع السلاح فجاءه جبريل عليه السلام وهو
يغتسل في بيت أم سلمة فقال أوضعتم السلاح؟ والله ما وضعناه، انهض إلى بني قريظة،
فإنا قد خرجنا إليهم] وهم رأس اليهود والمنافقين في المدينة فنادى الرسول النداء
العظيم (من كان سامعاً مطيعاً فلا يُصلين إلا في بني قريظة) فهم من خانوا النبي
صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، وحزن المنافقون على إخوانهم اليهود.
وهكذا التاريخ يتجدد فإن المنافقين هم من ينصر ويُطبّع
مع اليهود المعتدين ولا شك أن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل (بشر المنافقين بأن لهم
عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة
فإن العزة لله جميعاً) ١١٨-١١٩ سورة النساء.
إن معركة الأمة مع هؤلاء المنافقين الذين يستطيعون أن يحققوا ثغرات كبيرة في جسد الأمة وهم على معرفة بنا ومن بني جلدتنا ويملكون من قدرات عديدة وأساليب نفاق ما يحقق لهم أهدافهم ورسائلهم في الحرب على الإسلام والمسلمين. (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) التحريم
و على ما سبق
وعلى ما ذكر من آيات القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالخطاب يكون خطاب
علوّ وعزة وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى لخيرة الأنبياء وصحابته كما ذُكر في
الآيات الكريمة، فعلينا الالتزام بهذا الخطاب وتغيير خطاب الغصة والحزن والألم. إلخ
ومن هذا المقال نرفع العقال تقديراً للمجتمع والحكومة
الكويتية حيث كانت هذه الثنائية منعقدة كقيد واحد بكل الاتجاهات الفكرية نحو
فلسطين حتى تحملت الكويت كثيراً من التحديات الإقليمية والدولية، ولكن ثبات موقف
قادتها ونخبها وشعبها جعلهم صورة مثالية للدولة العربية الإسلامية.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً واحفظه
من كيد الفجار وشر الأشرار
اكتب مراجعة عامة