img
img

كيف أسست خطبة الوداع لمجتمع متكامل

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

كيف أسست خطبة الوداع لمجتمع متكامل

أ. فدوى كريت اشويدر

خريجة المدارس العليا لمهن التربية والتدريس ومستشارة نفسية للمرأة والطفل


                               بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه 

تأملاتي في الوصايا النبوية :

في يوم عرفة في السنة العاشرة للهجرة، كلمات ألقاها النبي الأمين صلى الله عليه وسلم في سفوح عرفات على آلاف مؤلفة خطبة للأجيال والتاريخ؛ بعد أن أوضحت الرسالة الكاملة الخاتمة قيم وقواعد الاستخلاف في الأرض والابتلاء والتسخير والأمانة؛ والذي يميزها أنها خطبة للعالمين أجمع تعيد الإنسانية كلها إلى الأصل الواحد في جوانب العقيدة والشرع والرؤية الكلية للكون والإنسان والحياة لأن رسالة الإسلام الخاتمة أعلنت عن بداية مرحلة تدافع جديدة لخصت كلها في هذه الخطبة.

أيها الناس، إن دماءكم، وأموالَكم، حرامٌ عليكم إلى أن تَلقَوْا ربَّكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد

أولا: قيمة الدماء والأموال في الإسلام: 

للمرة الأولى رأت البشرية أقواما لا يقاتلون حتى يقاتلوا، ولا يقاتلوا علوا في الأرض ولا فسادا ولا لتحقيق أغراض شخصية أو قومية أو إقليمية، ولكنهم يقاتلون لتحرير إرادة الإنسان ويصونوا له كرامته ويحموا له حتى اختياره: قبول أمانة الله والقيام بمهمة الاستخلاف في الأرض؛ وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرمة الدماء في الإسلام، جاءت هذه الخطبة لإزالة الحواجز التي تشد الناس عن العبث والباطل والطغيان والفساد، ولإقامة المجتمع على قيم الإيمان الاجتماعي الذي يحفظ الأسرة والمجتمع.

أما عن قيمة المال في الإسلام فالقرآن قدمه عن النفس في جميع الآيات التي ذكر فيها الجهاد بالمال والنفس إلا في آية واحدة في سورة التوبة حيث قدمت الأنفس، ومن هنا نستنتج أن الرقي الذي بلغ أوجه في تلك العشر سنوات التي قضاها النبي في الهجرة لإرساء معالم الدولة الإسلامية شملت الميدان الاقتصادي الذي كان مقننا مما زاد الأمة حينها قوة مادية إلى قوتها الروحية بتنظيم المعاملات في إطار الفرد والجماعة، فهو قيمة إذا خرجت عن دور إصلاح معاش الناس ومعادهم يفصم شخصية المسلم فيميل به عن الاستقامة لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعامل الربوي فالأموال في النظام الربوي تؤول إلى يد طبقة معينة محدودة تتحكم في اقتصاد المجتمع وتسعى لانتزاع أموال فئاته بغير عوض، يقوم على أساس المصلحة الخاصة.

إن المنفعة المادية التي أصلها تلبية الحاجة، ويخشى أن تفسد الخلق إذا خرجت عن ضوابط الشرع قننت بتحريم الربا، فهي على خلاف التنمية لا تطلب عموم المنافع وإنما تطلب المصالح التي يتحقق بها صلاح الإنسان، وهو كما نرى على غير ذلك في العالم اليوم في العلاقات الاقتصادية حيث المنفعة بغير إصلاح ولا تنمية ولا زكاة. فشغلهم الشاغل  تنمية الموارد على حساب الأخلاق مما ولد فتنة اقتصادية بلغت حد "التأليه الاقتصادي".

"أيها الناس، إنَّ الشيطان قد يئسَ أن يُعبدَ في أرضكم، ولكنه قد رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم".

ثانيا: قيمة تزكية النفوس وترسيخ الإيمان في القلب

إن الإيمان هو روح المنهجية الإسلامية

وجوهر المشروع الإسلامي الذي طرحه النبي عليه الصلاة والسلام بديلا للواقع الجاهلي، فكانت معالم العقيدة والايمان واضحة في عقول ونفوس الصفوة الأولى من هذه الأمة، من خلال تزكية النفوس، باتخاذ القرءان دستورا للحياة. 

ولأن الإيمان في القلوب ينشئ إنسانا آخر حاملا لهذا المشروع قادرا على مواجهة نازلة الواقع بتحدياته.

يقول الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله: "كان القرآن الكريم والسنة النبوية لمسة تربوية ذات أثر روحي عميق على الوجدان والسلوك، وقد كان المسلمون عندما يتلقونها ويتفاعلون معها تفاعلا عجيبا لذلك حقق الله بهم المعجزات في الحضارة والتاريخ الإسلامي، فنصرة الدين وحمل مشعله والدعوة إليه هي التحلي بالإيمان والتخلي عن مجموعة من الأهواء بدءا بصغائر الأعمال(بصغائر الذنوب) لأن صغائر الأعمال التي يحقرها الإنسان تكبر وقد لا يستطيع الإنسان المسلم منها فكاكا، وهذا يحيلنا أن أول دعوة هي لكسر الأصنام، وجحود القوم في عدم تركها ليس حبا لذاتها إنما كان لما ترمز إليه وما كان يقع باسمها في قلوبهم من حب لمجموعة من الأهواء من حب للجاه والسيادة والمال وحب التسلط وإيتاء الفواحش والمنكرات" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وما جاء به هو الإسلام."

 اتقو الله في النساء واستوصوا بهن خيرا فإنهن عوان عندكم 

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم هنا بالمرأة لأن وظيفتها تتجلى في الإهتمام بالإنسان وبناءه بدءا من تربية أبناءها، والرجل يعينها في ذلك على أداء وظيفتها الأساسية تحت قوامته " فإنهن عوان عندكم"، في تكامل ورحمة وانسجام تام بناء على طبيعة خلقه والتعامل معها على طبيعة خلقها، فإنها مجبولة ومفطورة على أساس وظيفة صناعة الإنسان ذكرا كان أو أنثى

وتحقيق قيمة "السكن" في الداخل، والتوازن بين ضروب الحياة في الخارج، وتقوى الرجل لله فيها يقوم اعوجاجها ويصلح حالها فيصبح توجهها في وظيفتها يعضده الثقة في القدرة على صنع مستقبل أفضل أخلاقيا ودينيا وروحيا وعقليا، فكلمة "عوان عندكم " تحمل في طياتها الرحمة والحماية والصيانة لأهميتها، وليس كما نراه اليوم من الذين يتعسفون في الأحكام على المعاني و قلب الحقائق ليخلصوا في النهاية إلى أن الثقافة الإسلامية ككل ثقافة متحاملة على المرأة، أقصت المرأة بالمرة لتكون النتيجة أن المرأة الموجودة داخل البيت وهي " كالعاني " مظلومة ومهضومة الحقوق، وأن هذا المعنى للأسف استنبط من قضايا لم تتحكم فيها قواعد القرآن وما جاء في صحيح السنة، بل سادت فيها الرغبة الأيديولوجية والمقصد المادي والحكم التقسيمي الذي فرق الرجل عن المرأة من حيث أهمية الحفاظ عليها، وحتى من ناحية وجود الرجل في حياتها، وكأن بناء أسرة هي خاصة بجانب واحد من حيث الأهمية دون الآخر، والإستغناء عن الوظائف الأساسية وتعويضها بالوظائف المادية فقط هي محاولة إفساد النظام العام.

ختاما

أقول أن القيم والأخلاقيات وأهمية تزكية النفس التي يحث عليها القرآن انحصرت اليوم في قالب ذاتي ضيق فلم تؤت ثمارها المجتمعية تعايشا وتوافقا وتسامحا واستقامة وطهرانية ذاتية تتعالى عن مصائد النفس ومكائد الشيطان، فضمر البعد المجتمعي في منهجية تمثل القيم والأخلاق الإسلامية وقرآنها يهدي للتي هي أقوم.

تعليقات