img
img

هندسة الفشل: كيف تصنع السلطة أعداءها لتبرير العجز وضمان البقاء

img
منصة ساند الإعلامية

هندسة الفشل: كيف تصنع السلطة أعداءها لتبرير العجز وضمان البقاء

هندسة الفشل: كيف تصنع السلطة أعداءها لتبرير العجز وضمان البقاء

دراسة في استراتيجيات تحويل الإخفاق إلى أزمة مصطنعة تخدم استمرارية الحكم

 

في مسار تطور النظم السياسية عبر التاريخ، كثيرًا ما أظهرت السلطة ميلاً لإخفاء إخفاقاتها البنيوية خلف ستار من الأعداء المصطنعين والأزمات المفتعلة وإدارتها بوعي وحساب. 

فلا يعود الفشل في هذه السياقات مجرد عرض من أعراض القصور المؤسسي أو السياسي، بل يصبح أداة استراتيجية لإعادة إنتاج الشرعية، تكون معه هندسة الفشل ليست نتاج ضعف غير مقصود، بل هي في كثير من الأحيان خيار واعٍ لبناء سردية الخطر الدائم الذي يبرر البقاء الدائم.

 

في مثل هذه الأنظمة، يتم تصنيع الأعداء بعناية، سواء من الداخل أو الخارج، لتأثيث مشهد سياسي يعج بالتهديدات، مما يتيح للسلطة التموقع باعتبارها السد الأخير أمام الفوضى والانهيار.

و من هنا يصبح الإخفاق في التنمية، أو العجز عن إصلاح مؤسسات الدولة، أو الفساد المالي، مشكلات ثانوية أمام ما يُعرض للرأي العام باعتباره معركة وجودية ضد “الخونة” و”العملاء” و”الأعداء”.

 

بذلك تتحول صناعة الفشل إلى هندسة دقيقة تتلاعب بوعي الجماعات عبر آليات متداخلة، أبرزها تضخيم الأخطار، شيطنة المعارضين، التحكم بالإعلام، وتمرير القوانين الاستثنائية. فتتكامل هذه الأدوات لإنتاج مشهد سياسي معقّم من البدائل وقابل دوماً للتعبئة العاطفية باسم النجاة الجماعية.

 

 

مفهوم هندسة الفشل وآليات صناعة العدو

 

 

يقوم مفهوم “هندسة الفشل” على تصور الفشل لا كحدث عرضي وإنما كمادة خام يُعاد تشكيلها لاستثمارها سياسيًا.

وتصنع السلطة، عبر هذه الهندسة، رواية متكاملة: خصم محدد الهوية، أزمة مفتعلة، حالة طوارئ مستدامة، وأخيرًا خطاب يختزل الخلاص في بقاء الحاكم لا في إصلاح النظام.

 

وتتعدد آليات صناعة العدو سواء على المستوى الداخلي باستهداف المعارضين السياسيين، النقابات، مؤسسات الإعلام، وكل الأجسام الوسيطة، عبر شيطنتهم وربطهم بخطط تخريبية أو أجندات أجنبية.

ففي كثير من السياقات، يتم اللجوء إلى اتهامات غامضة مثل “المؤامرة على الدولة” أو “محاولات خلق الفوضى” لتبرير القمع والاستهداف والتشويه الإعلامي، والتحريض الشعبي ضد هذا “العدو”. وإخراجه كتهديد للاستقرار.

 

أما خارجيًا، فإن التوترات مع دول أخرى أو الهيئات الدولية تُستثمر لتغذية شعور الحصار القومي، بما يُغلق المجال أمام أي مساءلة داخلية ويثير حس الوطنية والدفاع.

 

و يجد هذا النمط جذوره النظرية في أعمال مثل كتاب Naomi Klein، The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism، الذي يظهر كيف تستغل النخب السياسية والاقتصادية الصدمات لتوسيع سلطتها. كما تتقاطع هذه الاستراتيجيات مع ما أبرزه Giorgio Agamben في State of Exception، حيث يحلل كيف يصبح الاستثناء (الطوارئ) هو القاعدة الجديدة للحكم.

 

 

من الفشل إلى الأزمة المصطنعة: آليات الخداع السياسي

 

 

يتطلب تحويل الفشل إلى أزمة مصطنعة سلسلة دقيقة من العمليات الاتصالية والإجرائية.

أولاً، يتم تضخيم التهديد عبر أجهزة الإعلام الرسمية والخاصة الخاضعة. حيث لا يتم الاكتفاء بوصف الخطر، بل تهويله وتضخيمه إلى مستويات “وجودية”، بحيث يفقد المجتمع توازنه النقدي ويخضع لردود أفعال غريزية.

 

ثانيًا، تُشيطن المعارضة أو المختلفون, و تُنزع عنهم شرعية التعبير والاحتجاج وتُلبسهم ثوب الخيانة أو العنف.

وفي هذا الإطار، تكشف تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2023 أن أكثر من 47% من الدول المصنفة على أنها “أنظمة هجينة” أو شبه ديمقراطية قد وظفت اتهامات الإرهاب أو تهديد الأمن القومي ضد صحافيين وناشطين مدنيين لمجرد نشرهم انتقادات سلمية.

 

ثالثًا، يُبنى شعور بالخطر الوجودي الجمعي, فتنزلق السلطة إلى استعمال مفردات مثل “الحرب الوجودية” و”حرب التحرير” وهو ما يبرر، تدريجيًا، عسكرة الفضاء العام وتحويله إلى ساحة معركة رمزية دائمة.

 

كل هذه العمليات تنتهي بتكريس حالة الطوارئ، سواء كانت مُعلنة قانونيًا أو ممارسة واقعية، مما يُخضع الحريات الأساسية لضوابط استثنائية يتم تجديدها باستمرار، رغم أن المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) تشترط أن تكون التدابير الاستثنائية محدودة ومؤقتة وضرورية.

 

الأزمة المصطنعة كضمان لاستمرارية الحكم

 

 

تخلق الأزمة المفتعلة حاجة اصطناعية إلى السلطة القائمة. فحين تشعر الجماعة الوطنية بأنها في خطر دائم، تميل إلى التضحية بالحريات والحقوق مقابل “الأمان” الذي تعد به السلطة. ويتحقق بذلك تماهي خطير بين الدولة والنظام الحاكم، بحيث يتم إسكات أي دعوة للإصلاح باعتبارها مساسًا بالكيان الوطني ذاته.

 

في هذا السياق، يُمرر تقييد الحقوق عبر تشريعات خاصة، لإقرار قوانين طوارئ دائمة، مستهدفة حرية الإعلام والتنظيم السياسي خارج أي رقابة قضائية فعالة.

 

إن هندسة الفشل، بما تتيحه من فرص لمركزة السلطة وتفكيك البدائل، ليست مجرد سياسة ظرفية، بل هي أسلوب حكم، يؤسس لنظام سياسي خائف من مساءلة نفسه، ويعيش على توسيع دائرة أعدائه بقدر توسيع دائرة إخفاقاته.

 

 

العوامل التي فرضت حالة العجز السياسي والاجتماعي

 

 

إن حالة العجز المزمنة التي تعاني منها الساحة السياسية والاجتماعية لا يمكن فهمها بمعزل عن مجموعة من العوامل البنيوية التي تراكمت بفعل تآكل الثقة بين الفاعلين وغياب المشروع الجامع. ويأتي على رأس هذه العوامل فقدان الشارع الاجتماعي للثقة في النخب السياسية، سواء تلك التي تدّعي المعارضة أو تلك التي تمثّل السلطة. فقد تبدّت لدى قطاعات واسعة من المجتمع قناعة بأن الخطاب السياسي، بوجهيه، عاجز عن ترجمة معاناتها إلى فعل سياسي ذي معنى، ما عمّق من فجوة التمثيل وولّد قطيعة شبه كاملة مع المجال العام.

 

أما العامل الثاني فيكمن في عجز الفاعلين السياسيين أنفسهم عن الالتقاء ضمن مساحة مشتركة تؤسس لخطاب وطني جامع، يمكن أن يستعيد الثقة المفقودة ويفرض ضغطًا جماعيًا على السلطة القائمة. ولقد أدّى هذا الانقسام، الذي غذّته الحسابات الإيديولوجية والانتهازية التكتيكية، إلى فشل المعارضة في فرض لحظة وحدة تاريخية، على غرار ما عرفته تجارب مقاومة الاستبداد في عديد البلدان.

 

وتغذّت هذه العوامل أيضًا من خطاب سلطوي قائم على الاستثمار في تفكك الخصوم، لا مواجهتهم، ما جعل العجز ليس مجرّد حالة عارضة بل نتيجة مقصودة لبيئة سياسية مختنقة، تفتقد أي وسيط جماعي قادر على التأليف بين الهواجس الاجتماعية والمطالب الديمقراطية.

 

 

مقاومة هندسة الفشل: نحو استعادة السياسة

 

 

مقاومة هذه الآليات تبدأ أولاً بتفكيك السرديات الرسمية، عبر إصرار المجتمع المدني والنخب الفكرية والسياسية على كشف تهافت خطاب الأزمات، ورفض الرضوخ لفخ الثنائية المميتة: “نحن أو الخراب”.

 

لكن تجاوز هذا الفخ يتطلب أيضًا تفكيك العقد البنيوية التي صنعت عجز المعارضة وفقدان الشارع للثقة في المكون السياسي. وأبرز هذه العقد هي عقدة الاستئصال التي تحكمت في منطق الفعل السياسي للمعارضة، حيث سادت رغبة في نفي الآخر بدل التقاء الضرورات. فبدل أن تشكل المأساة السياسية مدخلاً لتقارب القوى الديمقراطية، تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات القديمة.

كما ساهم الارتهان لنماذج نخبوية مستوردة، وعلى رأسها النمط الفرنسي في هندسة الوعي السياسي، في تعزيز الخطاب العمودي والمقصي للمجتمع، الذي يرى في الشعب كتلة عاطفية لا شريكًا سياسيًا.

 

إن التحرر من هذه العقد لا يتأتى إلا بإعادة تعريف السياسة كفعل تشاركي، يتجاوز ثنائية النخب والشعب، ويعيد بناء المعنى الجماعي للفعل السياسي على قاعدة الالتقاء حول المشترك الأدنى، لا الإقصاء على أساس المختلف الأعلى.

 

ثم يأتي الدفاع القانوني عن الفضاء المدني والسياسي، من خلال الطعن القضائي في التشريعات الاستثنائية أمام الهيئات الوطنية والدولية، استنادًا إلى مبادئ حقوق الإنسان العالمية.

 

إضافة إلى بناء بدائل سياسية جدية، تبتعد عن الشخصنة والارتجال، وتقدم برامج واضحة ومتماسكة تفضح وهم الأزمة الدائمة عبر تقديم حلول عملية، مما ينزع من السلطة مبرر احتكارها لمستقبل الجماعة، والعمل على رفع الوعي الاجتماعي بخطورة “التطبيع مع الاستثناء”، عبر الإعلام الحر والتعليم النقدي، حتى يفهم المواطن أن الخوف الدائم ليس قدرًا، بل أداة سياسية لتطويعه.

 

إن مقاومة هندسة الفشل تقتضي من جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين تبني خطاب بديل قائم على الأمل النقدي لا على الخوف السلبي، حيث لا يمكن تفكيك منظومة الأزمات المصطنعة دون الإصرار على كشف العلاقة البنيوية بين الفشل المقصود واستمرارية السلطة.

 

كما تقتضي استلهام التجارب العالمية في تفكيك الأزمات المصطنعة، مثل تجربة المجتمعات الانتقالية في أمريكا اللاتينية بعد سقوط الديكتاتوريات، والتي أظهرت أن وعي الجماعات بحقوقها، وإصرارها على مساءلة السلطة رغم كل الضغوط، قادران على تفكيك أقوى سرديات الخوف السلطوي واستعادة السياسة كفعل عقلاني ومفتوح لا مجرد رد فعل عاطفي على تهديدات مصنوعة بعناية في دهاليز السلطة.

 

و تُظهر التجارب المقارنة أن المجتمعات التي استطاعت كسر دائرة الخوف المزمن كانت تلك التي احتضنت تنوعها السياسي، وطورت بدائل ملموسة قابلة للتنفيذ، ورفضت اختزال الوطنية في الولاء للأشخاص أو الأحزاب.

 

وفي عالم يشهد تزايد الميل إلى الشعبويات السلطوية، يصبح السؤال المحوري:

هل نستطيع تخيّل سياسة خارج منطق الخوف، تُؤسس لمواطنة نقدية قادرة على مساءلة السلطة لا الاحتماء بها؟

 

تعليقات