د. ياسر قطب
باحث في العلوم الإنسانية والإستراتيجيات واستشاري استراتيجي
تتحرك إسرائيل على رقعة الشطرنج السورية بخطى محسوبة لكنها جريئة، مدعومة بتحالفات إقليمية، ومراقبة عن كثب لتقاطع نفوذ كل من حماس وتركيا وإيران في الشمال السوري. ومع تصاعد هذه التوترات، يظهر سؤال منطقي: هل تنذر هذه التطورات بنشوء حرب باردة إقليمية جديدة؟
لنقرأ الحدث برؤى متعددة: إسرائيلية، عربية، تركية، وغربية.
أولًا: الرؤية الإسرائيلية – منطق الأمن الاستباقي
من وجهة نظر إسرائيلية، كما يبرز في تحليلات عاموس يدلين (الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية):
حماس لا تمثل تهديدًا في غزة فقط، بل تحاول مدّ ذراعها في الشمال السوري، ما يتطلب توجيه ضربات وقائية.
منطقة النفوذ التي أقامتها إسرائيل داخل سوريا ضرورية لخلق "منطقة صد" تمنع التمدد الإيراني والتركي، وتراقب تحركات الجماعات الإسلامية المسلحة.
التقييم الإسرائيلي:
حماس + أحمد الشرع/ الجولاني/ + دعم تركي = خطر استراتيجي يجب تقويضه مبكرًا.
ثانيًا: الرؤية العربية – انقسام في التقييم
أ. الرأي العربي الرسمي (وفق تحليل عبد الباري عطوان، الكاتب الفلسطيني البارز):
إسرائيل تستغل هشاشة الدولة السورية لفرض واقع جديد، وتُضعف بشكل ممنهج محور المقاومة في الشمال.
تحالفها مع قوى مثل اليونان وقبرص يعكس استراتيجية تطويق لتركيا والإسلام السياسي.
ب. وجهة نظر تحليلية مختلفة (كما ورد في مقالات مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق):
ما يجري في سوريا هو نتيجة فراغ إقليمي فشلت فيه القوى العربية في ملئه.
الحل لا يكمن في قراءة الأحداث بنظرة عسكرية فقط، بل في خلق محور عربي توافقي يمنع تموضع الجماعات المسلحة ويعيد التوازن لسوريا.
ثالثًا: الرؤية التركية – حق النفوذ والمصالح القومية
تحليل ميتين جوركان (خبير الأمن والسياسة التركي):
تركيا لا تسعى إلى الصدام مع إسرائيل، لكن تعتبر النفوذ الإسرائيلي المتنامي قرب حدودها مساسًا بأمنها القومي.
استخدام قاعدة T-4 هو محاولة لتعويض مناطق النفوذ المفقودة في الشرق والشمال السوري.
وجهة النظر التركية الرسمية (تصريحات سابقة لوزير الخارجية التركي):
"سوريا جزء من أمننا القومي، ولن نسمح بنشوء كيانات تهدد استقرار المنطقة" – في إشارة إلى إسرائيل والأكراد.
رابعًا: الرؤية الغربية – صراع مصالح بواجهات مختلفة
تحليل "روبن رايت" – مجلة نيويوركر:
الصراع في سوريا بات يحمل طابعًا هجينًا: مزيج من الحرب التقليدية والصراعات الاستخباراتية والتحالفات العائمة.
إسرائيل لم تعد تتعامل فقط مع سوريا كـ"عدو نظامي"، بل كساحة عمليات ديناميكية تتغير كل أسبوع، مما يبرر تدخلها الدائم.
رأي مغاير – "جوشوا لانديز" (باحث أمريكي متخصص في الشأن السوري):
سياسة إسرائيل قد تنجح على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل تعمّق من هشاشة الدولة السورية وتُسهم في خلق بيئة خصبة للتطرف مجددًا.
خامسًا: تحليلي الشخصي – الصراع بين ثلاث خرائط
من خلال تتبع ميداني وتحليلي للوقائع، أرى أن الصراع في سوريا الآن يدور بين ثلاث خرائط متداخلة:
1. خريطة أمنية ترسمها إسرائيل: تضمن لها تفوقًا ميدانيًا وتحييدًا للخصوم من دون خوض حرب شاملة.
2. خريطة سياسية ترسمها تركيا: تسعى لإعادة ضبط الإيقاع السوري وفق مصالحها الأمنية، خاصة في ملف الكرد وحماس.
3. خريطة رمادية يتحرك فيها فاعلون غير تقليديين ، ممن يسعون للبقاء عبر تحالفات متغيرة، ما يجعلهم خطرًا غير محسوب.
تُشير "الخريطة الرمادية" إلى مساحة الصراع التي يتحرك فيها لاعبون غير تقليديين، لا يمثلون دولًا رسمية ولا يخضعون لتوازنات العلاقات الدولية الكلاسيكية، لكنهم يملكون تأثيرًا ميدانيًا حقيقيًا، ويشكلون خطرًا غير متوقع في معادلة الأمن الإقليمي.
وتبقى الخريطة الرمادية الأكثر غموضًا وتعقيدًا، إذ تتحرك فيها أطراف غير تقليدية لا تخضع لأي تحالف واضح أو مواقف معلنة، بل تبني بقائها على تحالفات مرنة، وتغير مواقعها حسب المعطيات.
هذه القوى تُشكل في كثير من الأحيان عامل تفجير غير محسوب، لا يمكن ربطه مباشرة بأي دولة أو جهة، لكنها تؤثر بقوة في مسار الصراع... وتكفي الإشارة لمن أراد الفهم.
الخلاصة:
الصراع في سوريا لم يعد تقليديًا، بل هو ساحة "حرب باردة شرق أوسطية"، حيث تلعب كل دولة بأوراقها تحت الطاولة وفوقها.
لكن السؤال الأكبر: هل استمرار هذا التوازن الهش سيمنع الانفجار أم يؤجله فقط؟
اكتب مراجعة عامة