د. ياسر قطب
باحث ومفكر في الاستراتيجيات والعلوم الإنسانية
في التاريخ، كما في الواقع، هناك الكثير من الأفعال التي انطلقت من نوايا طيبة، ولكنها ما لبثت أن أدت إلى نتائج كارثية، لا لشيء إلا لأنها افتقرت إلى التخطيط الاستراتيجي والبُعد عن الرؤية بعيدة المدى.
النية وحدها لا تكفي، بل قد تتحول إلى سلاح يرتد على أصحابه، إن لم تكن مستندة إلى فهم شامل للواقع، وتحليل دقيق للنتائج المتوقعة.
الفعل الفردي والرمزية المؤقتة
قد يظن البعض أن التحرك الفوري بدافع النخوة أو الغيرة كافٍ لإحداث التغيير، فيلجأ إلى رد فعل سريع يحقق له نصرًا لحظيًا أو إحساسًا بالبطولة.
لكن التجربة تثبت أن الانتصارات الفردية والرمزية، عندما تكون خارج سياق التخطيط الجماعي والاستراتيجي، لا تُحدث فارقًا حقيقيًا، بل قد تُستخدم كذريعة للبطش، وتُقوِّي من شوكة العدو وتمنحه مبررًا للتمدد.
النية الصادقة لا تُعفي من المسؤولية
لا يمكننا أن نُعلّق إخفاقنا على شماعة "النية الحسنة"، فالتاريخ لا يحكم بالنوايا بل بالنتائج.
من يعمل في ميدان التغيير أو الإصلاح، سواء كان فردًا أو جماعة، لا بد أن يُدرك أن كل فعل له أثر، وكل قرار له تبعات.
وبالتالي، النية الصادقة لا تُعفي صاحبها من محاسبة النتائج، خصوصًا إن كانت تلك النتائج تحمل أضرارًا على الآخرين أو تُعرقل مسيرة قضية عادلة.
الاستراتيجية... عقل النية
عندما تُقترن النية الطيبة بالتخطيط الاستراتيجي، تتغير النتائج جذريًا.
فالفعل المدروس يُراعي السياق، ويُحدد الأهداف، ويحسب المخاطر، ويختار التوقيت المناسب.
هنا فقط، يتحول الاندفاع العاطفي إلى عمل مؤثر، وتتجسد النية الصادقة في مشروع ناجح، وتُثمر التضحية في نصر حقيقي يعود بالنفع على الأمة لا عليها.
بين المثال الفردي والمصلحة العامة
التاريخ مليء بالأمثلة لشخصيات أقدمت على أفعال بطولية ظنًّا منها أنها تُحقق مصلحة كبرى، ولكنها في الحقيقة ساهمت في إضعاف الصف أو إطالة أمد المعاناة.
النية الفردية يجب أن تُوزن دومًا بميزان المصلحة العامة، وأي فعل لا يُراعي هذا الميزان قد يتحول إلى عبء على الآخرين مهما كانت دوافعه.
الخاتمة
نحتاج في زمن التحولات المتسارعة إلى وعي استراتيجي يُرشِد النية، وعقلانية تُنظم الحماسة، حتى لا نُكرِّر أخطاء الماضي تحت لافتة الإخلاص.
فالنية الحسنة دون بوصلة حكيمة وتخطيط متأنٍ، قد تُضيّع الحق بدلاً من أن تُنصره.
اكتب مراجعة عامة