img
img

المعاناة الأكاديمية مع رفض الرؤية الإسلامية في العلوم السياسية

img
الشبكة

المعاناة الأكاديمية مع رفض الرؤية الإسلامية في العلوم السياسية

أ.د عصام اشويدر 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 

رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان


                                    بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه

في إطار بحثي لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة أجنبية عربية عن بُعد، تحت عنوان "مبادئ العلوم السياسية وتطبيقاتها في الإسلام واجهت رفضًا متكررًا لأجزاء جوهرية من البحث. على الرغم من أن الدراسة قدّمت تحليلًا علميًا موضوعيًا يُظهر:

1. السبق التاريخي للنظام السياسي الإسلامي في تطبيق مفاهيم الحكم الرشيد قبل الغرب بقرون.

2. النقد العلمي للأنظمة الوضعية (الليبرالية، الديمقراطية، الاشتراكية، الرأسمالية) التي أثبتت فشلها في:

- تحقيق العدالة الاجتماعية

- حماية حقوق الشعوب

- الخلاص من هيمنة البنك الدولي والحكومات العميقة

3. تفوّق النظام الإسلامي القائم على:

- مبدأ الشورى

- الوحي مصدرًا للتشريع (الكتاب والسنة)

- الموازنة بين الثوابت الشرعية والمتغيرات الواقعية

لكن اللجنة المشرفة:

- رفضت بشكل منهجي كل الإشارات النقدية للأنظمة الغربية

- اقتصرت الموافقة على الأجزاء الوصفية (التعريفات والتاريخ)

- تجاهلت عمدًا مناقشة مزايا النظام الإسلامي رغم أدلّتي العلمية

- منحت البحث درجة "ممتاز" مع وجود تلاعبات إدارية مشبوهة وإجراءات تعسفية

هذه التجربة تذكّرنا بما أكّدته الدكتورة هبة رؤوف عزت في كتابها الرائد "نحو عمران جديد" عن:

- التحيّز الغربي في العلوم الإنسانية

- محاربة الرؤى الإسلامية حتى في الأوساط الأكاديمية العربية

- محاولات تغريب العقل المسلم عبر فرض المناهج الوضعية

هذه المعاناة تثبت أن:

1. المؤسسات الأكاديمية (حتى العربية) ما زالت أسيرة المنظور الغربي

2. هناك خوف من الاعتراف بتفوّق النموذج الإسلامي

3. الصراع الفكري الحقيقي هو بين الاستيلاب الحضاري والاستنارة الإسلامية

"إن معركتنا ليست للحصول على درجات أكاديمية، بل لاستعادة الريادة الفكرية للأمة"

لهذا أحببت أن اعلق على ملخص كتاب "نحو عمران جديد" للدكتورة هبة رؤوف عزت مع إضافة شيء عن نظام الشورى الإسلامي:

1. انضباط المفهوم وارتباطه بالشرع  

- ما أبرزته الدكتورة هبة رؤوف عزت حول ارتباط العمل السياسي بالمفاهيم الشرعية يُظهر تميز الرؤية الإسلامية عن النظم الوضعية، حيث تُستمد القيم والأحكام من الوحي الرباني (الكتاب والسنة) وليس من الأهواء البشرية.  

- النظام الإسلامي لا يفصل بين "السياسي" و"الديني"، بل يجعل السياسة جزءًا من العبادة والمسؤولية تجاه الأمة، كما جاء في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، مما يضمن انضباطًا أخلاقيًا وقانونيًا .  

2. المسؤولية الفردية والواجب الشرعي  

- تحويل العمل السياسي من "حق اختياري"  إلى "واجب شرعي" يُعيد بناء مفهوم المواطنة في الإسلام، حيث يُصبح كل فرد مسؤولا عن إصلاح المجتمع، كما قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).  

- هذا يتوافق مع رؤية الكتاب التي تؤكد أن الأمة هي الأصل وليس الدولة، مما يعزز المشاركة الشعبية في القرارات عبر آليات الشورى .  

3. الديناميكية والمرونة في الواجبات  

- تحول الواجبات الكفائية إلى عينية حسب الظروف (مثل الجهاد أو الإصلاح في أوقات الأزمات) يُظهر مرونة التشريع الإسلامي وقدرته على مواكبة المتغيرات دون المساس بالثوابت.  

- هنا تبرز أهمية الاجتهاد المنضبط، حيث يُراعي الواقع مع الاستناد إلى أصول الشرع، كما فعل الخلفاء الراشدون في تطبيق الشورى وفقًا لمصالح الأمة.  

4. التركيبية ومراعاة الفروق الفردية  

- رفض الاختزال الجامد في العمل السياسي يُكرِّس مبدأ التكامل بين القدرات، حيث يُشارك كل فرد بحسب تخصصه (عالم، اقتصادي، طبيب...)، مما يعكس عدالة النظام الإسلامي الذي لا يُهمش أحدًا.  

- الشورى هنا ليست ديمقراطية غربية تعتمد على الأغلبية العمياء، بل حوارٌ مؤسسي يستند إلى:  

  - الوحي كمصدر تشريعي.  

  - الخبرة كمعيار تقني.  

  - المصلحة العامة كضابط نهائي .  

لماذا الشورى الإسلامية هي الأفضل؟  

1. مصدرها إلهي: تستمد شرعيتها من القرآن والسنة، فلا تخضع لأهواء النخب.  

2. توازن بين الثابت والمتغير: تجمع بين النصوص الشرعية واجتهاد العقلاء في النوازل.  

3. عدالة شاملة: تحفظ حقوق الضعفاء وتُشرك جميع الفئات في القرار.  

4. مرونة في التنفيذ: كاختلاف صيغتها بين عهد النبي ﷺ (تشاور مباشر) وعهد عمر (مجالس متخصصة).  

كما قالت الدكتورة هبة:  

«الخلط بين مخاطبة الداخل والخارج خطر... المشكلة أن تستعين بأهل الثقة لا الكفاءة» ، وهو ما تعالجه الشورى بجعل الكفاءة معيارًا أساسيًا.  

الكتاب يقدم رؤية متكاملة للعمل السياسي الإسلامي، مع التأكيد على أن الشورى النظام الأمثل لتحقيق العدل والاستقرار، فهي ليست مجرد آلية حكم، بل منهج حياة يُجسِّد قيم الإسلام في الواقع.

وأنا أريد أن أختم هذه الكلمات، استحضرت تأملا لآية قرآنية هو عبارة عن تأصيل شرعي وسياسي لقوله تعالى: {لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم} [النساء:5]

إن هذه الآية الكريمة تحمل في طياتها حكماً بالغ الأهمية يتجاوز ظاهر النص إلى أعماق الحكم الشرعي، حيث يقول المولى عز وجل: {لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم}.

أولاً: التأسيس الفقهي للمفهوم الأولوي

في أصول الفقه - ذلك العلم الجليل الذي يجب على كل حاكم وقاضٍ وعالم إتقانه - نجد قاعدة المفهوم الأولوي التي تقضي بأن الحكم يثبت للفرع بطريق الأولى من الأصل. فإذا كان الله تعالى قد نهى عن إيتاء السفهاء الأموال، فمن باب أولى النهي عن إيتائهم الحكم والسلطان.

ثانياً: التفريع السياسي على النص الشرعي

1. في شأن الأموال: النهي عن تسليم الأموال للسفهاء لأنهم يفسدونها ويبددونها في غير مواضعها.

2. في شأن الحكم: فإذا كان هذا في المال الذي هو أدنى مقاماً، فكيف بالحكم الذي تتوقف عليه مصالح الدين والدنيا منها الإقتصاد والمال؟!

ثالثاً: الاستنباط من النص

•إن المال أمانة صغيرة، والحكم أمانة عظمى

•إذا منع الشرع تسليم المال للسفيه، فمنع تسليم الحكم له من باب أولى وأحرى

•السفيه في المال يفسد ماله، والسفيه في الحكم يفسد الأمة كلها

رابعاً: التطبيقات المعاصرة

إن هذا الأصل الشرعي يقتضي:

1. اشتراط الكفاءة السياسية والعلمية في الحكام

2. منع تولية غير الأكفاء مهما كانت المبررات

3. محاسبة الحكام على سوء التصرف كما يحاسب الولي على مال اليتيم

خامساً: العواقب الشرعية

- من يولي السفهاء فقد خالف أمر الله تعالى

- السفيه في الحكم لا يأمن على مصالح الأمة

- تولية السفهاء تؤدي إلى ضياع الأمانات وفساد الأمور

ختاما إذا كان الله قد نهانا عن إعطاء السفهاء أموالنا، أفلا ننهى عن إعطائهم رقابنا ومصائرنا؟!

 إن الحكم أمانة، ومن خان الأمانة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.


تعليقات