د. مروان بحري
باحث في القانون الاقتصادي ومحل سياسي تونسي
على أنقاض الشرعية الدولية… نظام عالمي جديد يتشكّل
في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لم تعد الساحة الدولية تسير وفق القواعد ذاتها التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية. النظام الذي بُني على أنقاض الفاشية والاستعمار، وأُوكلت مهمة حراسته إلى منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات Bretton Woods (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي…)، بات في حالة تصدع واضحة، لا بسبب صعود قوى جديدة فحسب، بل بفعل تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية لهذا النظام نفسه.
اليوم، لا يبدو أن العالم في طريقه إلى نظام بديل متكامل، بل إلى تشظٍ قانوني وسياسي متعدد الأقطاب، تقوده تحالفات “غير رسمية”، لا تقوم على معاهدات جامعة، ولا تعترف بإجماع دولي، بل تُعيد تعريف المفاهيم الجوهرية للسيادة، الشرعية، والمشروعية. وبينما يُشكّك البعض في مدى استدامة هذه التحالفات، يرى آخرون أنها تجسيد عملي لتحوّل عالمي لا رجعة فيه.
أولًا: أزمة القانون الدولي ومؤسساته بين العجز الوظيفي وفقدان الثقة
تآكل الشرعية الأممية:
يستند القانون الدولي إلى مبادئ عدّة: سيادة الدول، عدم التدخل، تسوية النزاعات سلميًا، احترام حقوق الإنسان، ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن هوّة شاسعة بين النصوص والتطبيق.
و أبرز مثال على ذلك، العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والذي أدى إلى استشهاد أكثر من 50 ألف مدني فلسطيني بينهم أكثر من 15 ألف طفل (وفق وزارة الصحة الفلسطينية وبيانات من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة). ورغم فداحة الأرقام، وعشرات التقارير التي وثّقت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فشل مجلس الأمن الدولي في إصدار أي قرار ملزم بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر، ما شكّل دليلًا صارخًا على عجز المنظومة عن حماية الأمن الجماعي أو حتى ضمان الحد الأدنى من الردع.
المحكمة الجنائية الدولية: عدالة انتقائية؟
المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست بموجب “نظام روما الأساسي” سنة 2002، بُشّرت بوصفها أداة لمحاربة الإفلات من العقاب على الجرائم الكبرى: الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجرائم العدوان. لكن واقع الحال أفرز انطباعًا متعاظمًا بأن المحكمة باتت تُدار بمعايير مزدوجة، خاضعة لضغوط جيوسياسية، وتنتقي ملفاتها بحسب موازين القوى لا مقتضيات القانون. مثال ذلك و في شهر افريل 2025، تقدم المدعي العام للمحكمة بطلب لإصدار مذكرات توقيف دولية بحق رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تشمل “القتل العمد” و”التجويع المتعمد للمدنيين”، و”شن هجمات عشوائية على منشآت مدنية” – وهي جرائم موثقة في القانون الدولي الإنساني. لكن حتى هذه اللحظة، لم تُنفذ أي مذكرة اعتقال، رغم سفرهم لعدة دول، من بينها المجر التي رفضت تنفيذ المذكرة، بل وهدّدت بالانسحاب من عضوية المحكمة، وهو ما حصل لاحقًا بالفعل. في المقابل، نجد أن المحكمة أصدرت مذكرات توقيف ونفذتها ضد قادة أفارقة في سياقات أقل دموية، مما غذّى شعورًا بأن العدالة الدولية لا تُطبق على الأقوياء أو حلفاء الغرب، بل على الضعفاء فقط. وهذا ما دفع رئيس جنوب إفريقيا الأسبق “تابو مبيكي” إلى التصريح: “إذا لم تكن العدالة شاملة، فهي شكل آخر من أشكال الظلم الدولي.”
ثانيًا: صعود التحالفات غير الرسمية كاستجابة وظيفية وفراغ مؤسساتي
في ظل هذا العجز المؤسساتي والتشظي القانوني، ظهرت تحالفات جديدة خارج إطار المنظومة الأممية، لا ترتكز إلى مواثيق قانونية جامعة، لكنها تُنتج شرعية وظيفية وتوازنات فعلية على الأرض.
أحد أبرز الأمثلة على هذه التحالفات هو تحالف البريكس (BRICS) الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وهو يسعى إلى تقويض هيمنة الدولار وتعزيز التبادل بالعملات المحلية. ويمثل البريكس أكثر من 32% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما تتبنى هذه الدول سياسات تهدف إلى تحجيم تأثير المؤسسات الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ومن الأمثلة الهامة التي تعكس صعود هذا التحالف، هو طرح بنك التنمية الجديد كبديل عن البنك الدولي، بما يعكس إصرارًا على بناء نموذج اقتصادي بديل غير خاضع للإملاءات الغربية.
أما منظمة شنغهاي للتعاون، فتجمع بين قوى آسيوية مركزية مثل الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان، وتركز على ضمان الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى بناء شراكات اقتصادية بعيدة عن نفوذ واشنطن. هذه المنظمة تطرح نفسها كأداة توازن جيوسياسي في مواجهة حلف الناتو، خاصة في ما يتعلق بتوسعه شرقًا، واعتبرت كذلك نقطة تجميع هامة للتحالفات الأمنية والاقتصادية.
كذلك تحالف آستانا، الذي يضم روسيا وإيران وتركيا، فقد نجح في إدارة الملف السوري بمعزل عن المسارات الأممية التي تقودها الأمم المتحدة، حيث أُدرجت “مناطق خفض التصعيد” على أرض الواقع، ما جعل هذا التحالف يفرض مناطق آمنة في سوريا بعيدًا عن تأثير القوى الغربية والأممية. ورغم الخلافات العميقة بين أعضائه، استطاع هذا التحالف فرض نوع من الاستقرار في المناطق التي تُعنى بها، وهو ما يجعل من تحالفات غير رسمية عاملًا مهيمنًا في بعض الملفات العالمية.
أما محور المقاومة الذي يشمل إيران وحزب الله وحماس وسوريا والحوثيين، فقد خلق نموذجًا جديدًا من “الشرعية الثورية” التي تركز على المقاومة المسلحة ضد الهيمنة والاحتلال. مع تصاعد هذه التحالفات في سياق الحروب الدائرة في فلسطين وسوريا واليمن، أصبح هذا المحور يشكل تحديًا لسياسات الدول الغربية، مستفيدًا من الدعم الشعبي والشرعية المقاومة في مواجهة الأنظمة الغربية المهيمنة.
وفي هذا السياق لم يعد التضامن مع القضايا العادلة، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، مقتصرًا على الخطاب الحقوقي أو مظاهر التعاطف الموسمية. فخلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة منذ أكتوبر 2023، شهدت كبرى العواصم والمدن الغربية موجات متتالية من الاحتجاجات والمسيرات المليونية، التي لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تجلّت فيها ملامح يقظة سياسية جديدة، تقودها فئات شابة وطلابية ونقابية بدأت تخرج من عباءة الإعلام الرسمي والدعاية الصهيونية التي طالما سيطرت على الرأي العام.
هذه اليقظة لا تقتصر على حجم الاحتجاجات، بل على نوعية الخطاب والمطالب التي رُفعت: من الدعوة لوقف الدعم العسكري لإسرائيل، إلى المطالبة بمحاسبة القادة السياسيين المحليين المتواطئين، مرورًا بإغلاق مكاتب الشركات المتورطة في الجرائم، وفرض مقاطعة فعلية للكيان المحتل، وهو ما يؤشر على تشكّل وعي نقدي مقاوم داخل مجتمعات كانت تُعتبر حتى وقت قريب حليفًا طبيعيًا للمنظومة الصهيونية.
وقد لعبت الجامعات دورًا رياديًا في هذا التحول، حيث تحوّلت ساحاتها إلى مراكز مقاومة فكرية، تتحدى خطاب الأكاديمية الغربية المهيمن، وتعيد الاعتبار للمفاهيم التأسيسية للعدالة وحقوق الإنسان، خارج أطر التوظيف الأيديولوجي والسياسي. كما باتت المبادرات الطلابية والنقابية، والاعتصامات أمام مصانع السلاح والموانئ، تُشكّل امتدادًا ميدانيًا لنموذج “الشرعية الثورية” التي يمثلها محور المقاومة، وهو ما يُنذر بإعادة رسم العلاقة بين “المركز” و”الهامش” على أسس أكثر عدلًا.
إنّ ما يحدث في الغرب اليوم لا يمكن فصله عن صعود التحالفات غير الرسمية وظهور شرعيات موازية، فحين تنكفئ المؤسسات الدولية وتتواطأ الحكومات الغربية، تنبثق من داخل مجتمعاتها قوى حية تعبّر عن ضمير الشعوب وتفتح جبهة داخلية ضد سياسات حكوماتها الخارجية. وفي هذا المعنى، تصبح المقاومة ليست مجرد فعل محلي في غزة أو صنعاء، بل حركة عالمية تتجاوز الجغرافيا، وتُعلن عن ميلاد “شرعية كونية” مضادة للهيمنة، تُبنى على تلاقي أصوات الجنوب العالمي مع ضمائر الشمال الغربي.
ثالثًا: من الشرعية القانونية إلى شرعية الواقع
هذا التحول في أدوات التأثير العالمي أنتج نوعًا جديدًا من الشرعية، يمكن تسميته بـ”شرعية الواقع”، التي لا تستمد شرعيتها فقط من الاعتراف الدولي، بل من قدرة الفاعل على فرض وجوده، وتأمين مصالحه، وبناء تحالفات عملية. لم تعد الشرعية تُستمد من النصوص الجامدة أو من الإجماع الدولي، بل باتت تُبنى على المصالح المشتركة والقدرة على التأثير الميداني.
وفي هذا السياق، نجد أن الدولة القائدة لم تعد تلك التي تعتمد على القوة العسكرية أو القوة الاقتصادية وحسب، بل تلك التي يمكنها بناء شبكة من التحالفات العملية التي تؤثر في المعادلات الدولية بعيدًا عن المعاهدات الرسمية. و أصبح تأثير قوى مثل الصين وروسيا وإيران على مستوى الاقتصاد الدولي والجغرافيا السياسية أكبر من العديد من القوى التقليدية في النظام الدولي، وهو ما يعكس تحولًا كبيرًا في فهم الشرعية السياسية.
رابعًا: القانون الدولي بين إعادة التأسيس أو التلاشي
في وجه هذا الانقسام العميق، لا بد من وقفة تأمل حقيقية. هل يُمكن للقانون الدولي أن يصمد دون إصلاح مؤسساتي شامل يُنهي الفيتو ويمنع التسييس؟ هل تستطيع المحكمة الجنائية الدولية استعادة مصداقيتها دون مساءلة قادة الدول الكبرى، وفي مقدمتهم مجرمو الحرب في إسرائيل؟ وهل يمكن للشرعية أن تبقى حكرًا على الدول، في زمن تصعد فيه الفواعل غير الحكومية وتفرض شروطها على الحروب والسلام؟
هذا التحول في التحالفات وتفشي ظاهرة الشرعيات غير الرسمية يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير النظام الدولي القائم. فإما أن تتمكّن المؤسسات الدولية من إعادة بناء ذاتها بما يُتيح تمثيلًا عادلًا لجميع القوى، ومحاسبة عادلة لجميع المجرمين، وإما أننا نسير نحو تفكك صامت للنظام العالمي، حيث تصبح كل شرعية خاضعة لموازين القوة، لا لمبادئ القانون.
خاتمة: عالم متعدد الشرعيات أم مرحلة ما قبل الفوضى؟
إن النقاش حول مصير النظام الدولي في ظل صعود التحالفات غير الرسمية يشير إلى نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر. فبينما يعاني النظام الدولي القائم من أزمات متعددة تشمل ضعف المؤسسات الدولية، والتآكل التدريجي للشرعية التي كانت ترتكز عليها، يبدو أن الطريق أمامنا إما أن يؤدي إلى إعادة هيكلة شاملة للنظام الدولي، أو إلى تفكك أعمق يُنتج عالمًا متعدد الشرعيات، تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ دون مرجعية قانونية حاكمة.
أحد السيناريوهات المطروحة هو أن تتحول التحالفات غير الرسمية إلى البديل الفعلي للمؤسسات التقليدية. هذا العالم الجديد سيكون أقل هيمنة من قبل القوى الغربية، ويعكس تنوعًا في المفاهيم، حيث تُختبر دول مثل الصين وروسيا وإيران وغيرها قدرتها على خلق نظم اقتصادية وأمنية موازية، تُعترف بها شرعيًا من قبل مجموعة من الدول الفاعلة. فالحروب التجارية والتنافس على النظام المالي العالمي باتت علامات بارزة على أن الأمور تتجه نحو عالمٍ تتعدد فيه الشرعيات، حيث تتحول بعض التحالفات إلى كتلة ذات شرعية سياسية واقتصادية على الرغم من غياب الاتفاقات القانونية الدولية الجامعية.
ومع ذلك، هذا التحول لا يخلو من المخاطر. فمع اختفاء الهيئات الدولية التي كانت تمثل مرجعية مُلزِمة للجميع، يصبح من الصعب الحفاظ على الاستقرار الدولي أو ضمان احترام حقوق الإنسان بشكل عالمي. إن تزايد الشرعيات الموازية، سواء كانت ناتجة عن تحالفات سياسية أم اقتصادية أم عسكرية، قد يؤدي إلى تهميش القيم العالمية المتفق عليها، مثل حقوق الإنسان، والعدالة الدولية، وسيادة القانون. و قد يتحول العالم إلى ساحة مفتوحة للصراعات غير المنضبطة، حيث لا يُحترم القانون، بل تُحترم موازين القوى فقط، مما يزيد من خطر انتشار الحروب الباردة والساخنة، فضلاً عن تقويض الجهود المبذولة لإيجاد حلول للأزمات الإنسانية.
وبين عالم متفكك تتحكم فيه الموازين لا المبادئ، وآخر تتعدد فيه الشرعيات وتُبنى فيه مؤسسات بديلة… تبرز جملة من التساؤلات الحارقة التي قد تحدد ملامح المرحلة القادمة:
هل نشهد اليوم البدايات الفعلية لانهيار النظام الدولي التقليدي لصالح كيانات بديلة تفرض حضورها بفضل شرعيتها الواقعية؟
وهل دخلنا بالفعل زمن التحوّلات الكبرى التي قد تؤسّس لنظام عالمي أكثر عدلًا وتوازنًا، أم أننا أمام مرحلة من الفوضى العابرة للحدود، حيث تفلت القوى من أي تأطير قانوني أو أخلاقي، ويُعاد تشكيل العالم بعيدًا عن أي ضمانات إنسانية أو مؤسساتية؟
اكتب مراجعة عامة