img
img

خواطر بين يدي حديث النبي

img
الشبكة

خواطر بين يدي حديث النبي

سميحة بنعمر

الأمين العام لشبكة الرواد التخصصية ورئيسة منصة المرأة المسلمة 


نُشرِق ونُغرِب، نُكثر من الكلام ونُسهب في التحليل؛ يحدثنا الخبير الاقتصادي عن الأزمات، و السياسي عن الواقع، ويرى الإعلامي المشهد بعينه، لكن الكلّ اتفق على هَمٍّ واحدٍ وسؤالٍ جامع: كيف لكِ يا أمتي أن تنهضي؟

في ركاب الحديث النبوي

نقف على أعتاب حديثٍ شريف، فيه إشراقةٌ لمن أراد اللحاق بركبٍ عظيم، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يسير مع معاذ رضي الله عنه عند جبل جُمدان:

"يا مُعاذُ! أينَ السّابِقونَ؟"

قال معاذ: مضوا وتخلف ناس،

فقال: "إنّ السابقين الذين يهترون بذكر الله، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة، فليُكثر من ذكر الله".

وفي رواية أخرى، قال صلى الله عليه وسلم:

"سيروا، هذا جُمدان، سبق المفرِّدون"

قيل: ومن المفرِّدون يا رسول الله؟

قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات".

من هم المفرِّدون؟

هم أولئك الذين أفردوا أنفسهم عن أهل الدنيا، ميزوا أحوالهم عن غيرهم، ليس بكثرة المال أو الجاه، ولكن بكثرة الذكر، أفردوا ربهم بالذكر، وتركوا ذكر ما سواه، فانفردوا عن الناس ليلتحقوا بركب السابقين، في طريقٍ معبدٍ بذكر الله، والاشتغال به.

خاطرة على الطريق

تتخيل نفسك في مؤخرة الركب، تُحاول اللحاق بالحبيب صلى الله عليه وسلم، فيترك لك وصية مختصرة جامعة:

"سبق المفرِّدون الذين يهترون بذكر الله".

لم يُطلب منك بذل دمك، ولا مالك، ولا وقتك، فقط طُلب منك أن تُكثر من ذكر الله، فإن فعلت، أعطيت كل شيء في سبيل الله، لأنك إن أحببت الله واهترّ قلبك بذكره، هان عليك كل شيء سواه.

اجعل لك هدفًا واحدًا: أن تكون من الذين يهترون بذكر الله.

فهؤلاء هم أهل رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل الجنات، أهل النعيم المقيم، تعلموا عن خالقهم فأحبوه  وعظموه فكانوا من المفردين.  

حين يغيب الذكر عن الأمة

أمتي اليوم قل فيها العلم عن الله، فغاب عنها ذكره، وتعلقت بالأسباب ونسيت مسببها، فكان قدر الله أن تنعدم الأسباب، فلا طعام، ولا شراب، ولا دواء، فلا مغيث إلا الله.

وقلت عندنا أسباب النصرة، فلا ناصر إلا الله.

الرسول والبصيرة: مشهد من جُمدان

تأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يمر بجبل جُمدان – وهو جبل منفرد في صحراء – يرى فيه مشهدًا أخرويًا "سبق المفرِّدون" فالبصر هنا والبصيرة هناك.

اثنى عليه الله وعلى بقية الانبياء فقال:

{إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص:46].

وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره:

إن تذكر الدار الآخرة والعمل لها، من أعظم نعم الله الخالصة على أوليائه.

أمتنا والعاجلة

لقد خالفت الأمة فعل نبيها، فصدق فيها قول الله تعالى:

{كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20-21].

فجاء التحذير النبوي الصريح:

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها..."

قالوا: أَمِن قلة نحن يومئذٍ؟

قال: "لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، ويُنزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت".

حين تنشغل الأمة بالدنيا

قال تعالى موبخًا عباده:

{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر:1-2]

انشغلتم عن الله بالتفاخر، والتكاثر، في الأموال، والأولاد، والوظائف، والجاه.

لهوٌ وغفلةٌ حتى صرتم إلى القبور، وهناك فقط انكشف الغطاء، ولكن بعد فوات الأوان.

قال العلماء: "البرزخ دار عبور، وليس دار إقامة"، لذلك سماكم الله زُوَّارًا، لا مقيمين.

الخاتمة: رأس كل بليّة

حب الدنيا هو رأس كل بلية،

وهو سبب الضعف والهوان والرضى بالدونية.

لكن من اهتر قلبه بذكر الله، ارتقى فوق ذلك كله، ولحق بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من المُفَرِّدِين

تعليقات

الكلمات الدلالية