img
img

أجندات التدجين

img
منصة أفق السياسة

أجندات التدجين

أ. عصام بدكوف

إعلامي


في كل مرحلة يظهر فيها تحرك فكري أو نهضوي بشكل مستقل، تظهر أمامه «نماذج» قمعية (أو أمنية كما يزعمون).. تحظى برعاية وتشييد دولي، تُسَود الأولى وتُبَيض الثانية. وخلف هذا الدعم المعلن تختبئ نوايا أبعد من التأييد تصل للتدخل المباشر، تسعى من خلاله توجيه المسارات واحتواء أي محاولة استقلال فعلي للشعوب الإسلامية.

وفي غالب الأحيان هذه التجارب القمعية التي يتم تسويقها كنماذج دولية ليست سوى تطبيقات محلية لأجندة أكبر، من خلال استراتيجيات خفية لإعادة رسم خرائط المجتمعات، وتفريغها من أي مشروع يمكن أن يقودها نحو استقلال حقيقي يرفض التبعية. وتمنع أي مشروع مستقل من التبلور. فيكمن الخوف الحقيقي ليس من فرد يحمل بندقية كما يزعم، بل من فكرة تنهض في عقول ترفض الخضوع.

وفي المقابل يتم التغاضي عن جرائم كبرى تحت ذريعة المصالح مثل ما نشهده في غزة، وتُشن الحملات الشعواء على كل محاولة للنهوض والتحرر مثل ما شهدناه في أفغانستان والآن في سوريا.

فبعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، سارعت بعض القوى الكبرى إلى محاولة احتواء واقع طالبان الجديد، لم يكن الأمر قبولاً بنجاح التجربة، بل سعياً لإعادة توجيهها ضمن قوالب محددة، تجردها من بعدها الإسلامي المقاوم. الإعلام الغربي بدأ فجأة يتحدث عن "طالبان الجديدة"، وطرح تساؤلات حول: قدرتها على التحديث، حقوق المرأة والتعليم...

 وذات الأمر تكرر في سوريا، لا تمضي أيام من خروج ثورتها المنتصرة من مستنقع الصراع والأزمات الذي طال لعقود. مرة أخرى يفتتح الغرب تساؤلاته حول: قضية الحجاب، ومشروعية شرب الخمر... بعيدا عن كل المسائل المهمة في البناء والنهوض، في مسعى واضح لتسويد هذه النماذج، وكذا محاولة احتواءها من خلال آليات “الترويض الناعم” التي تحوله لنموذج فارغ، يقترب شكلاً من الغرب ويبتعد مضموناً عن مشروعه الأسمى. من خلال مبادراته المسمومة كالمساهمة في إعادة الإعمار وتخفيف العقوبات بشروط...

 ومن يخالف هذه الأجندات، يأتي الخيار الثاني، وهو ما شهدناه في مصر، دعم انقلاب على تجربة انتخابية شرعية تحت ذريعة محاربة الإرهاب، ثم تحوّل النظام الجديد إلى “حليف استراتيجي” للقوى الكبرى. يتم منذ ذلك اليوم تجاهل تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، مع امتلاء السجون بالمعارضين للباطل وقمعهم، بل تم إغراق الدولة المساعدات مالية وصفقات سلاح، فقط لأنها تسير في الخط المرسوم لها، وتمنع تكرار النموذج الحر حتى ولو كان سلمياً مدعوما من الشعب، "فالممنوع هو استقلال القرار وفقط".

بالمقابل، تُقدَّم دول معينة في الخليج كـ"قصص نجاح" في التنمية والانفتاح، ويُحتفى بها في الإعلام والمؤتمرات الدولية. لكنها في الحقيقة ليست إلا نماذج مكرّسة للتبعية، سواء في سياساتها الخارجية أو هويتها الثقافية. يتم تلميع هذه النماذج لأنها لا تمثل خطراً على النظام الدولي، بل تشكل صمام أمان له. يُغدق عليها الدعم ما دامت تؤدي دورها في احتواء شعوبها، وتفريغها من أي طموح سياسي أو مشروع تحرري. 

إن معركة الأمة اليوم ليست فقط في ميادين القتال، بل في ميادين الوعي، حيث تُخاض حرب شرسة على المفاهيم، وعلى الحق في التفكير خارج القوالب المفروضة. ولذا فإن التحدي الأكبر أمام أي مشروع نهضوي ليس فقط في إسقاط أدوات القمع، بل في التحرر من آليات التدجين التي تُفرض بلبوس الدعم، وتُسوق باسم "الديمقراطية وحقوق الإنسان".

وإذا كانت غزة تُحاصر بالسلاح، وسوريا تُفكك بالرعاية، فإن الأمة تحتاج إلى وعي يتجاوز هذه الأجندات، ويعيد تعريف النصر: ليس في قبول النموذج المفروض، بل في قدرة الشعوب على فرض إرادتها، مهما طال الطريق..

تعليقات

الكلمات الدلالية