img
img

أهل غزة يخشى عليهم من السمنة! !

img
الشبكة

أهل غزة يخشى عليهم من السمنة! !

أ. سميحة بنعمر

الأمين العام لشبكة الرواد التخصصية ورئيسة منصة المرأة المسلمة


الخطاب في الشاشات:

 استمتع بالتجربة وأنت تشرب قهوتك من ستاربوكس!

 لا طعم للقهوة بدون شكلاطة قلاكسي!

وعندما يتعلق الأمر بسندويتش ماكدونالد، تحدثك عن قائمة طويلة من أنواع البورقر وأنواع من  الصالصات وأنواع لو أفنيت عمرك ما استطعت أن تحيط بها خبرا وعناياتهم بالأسماء وتزويقها أكثر من عنايتهم بميزة هذا الاسم عن الآخر! !

هذه الشاشات تقدم لك دروسا ومحاضرات عن  "المايك آب" وتعقيداته ومقدماته ونهاياته وأنواعه: الليلي والنهاري والصيفي والشتوي والشمسي والقمري وصولا إلى المايك آب غزالة!!

وعند المناسبات لا يكون الخطاب ناعما بل تقصف قصفا بوابل من الإعلانات تحدثك عن العناية بلبسك فالترند  "اوتفيت العيد"  و عن حلويات العيد تحدثك فالترند "كيكة أحمد الزامل" ولا ننسى المايك آب للنساء بل للرجال!! لما لا؟ مادام الهدف ملأ الأرصدة وتكديس الأموال فلا ضابط يضبط وكل شيء مباح!! 

في خضم هذه الأجواء ديفيد منسر المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية (في مؤتمر صحفي عُقد في القدس في مارس 2025)، صرّح بأن حركة حماس "تخزن كميات كبيرة من المواد الغذائية منذ شهور"، وأضاف: "لديهم ما يكفي من الطعام ليتسبب في وباء سمنة، لكن الوحيدين الذين نلاحظ أنهم يزدادون وزناً هم أعضاء حماس... لا أحد في حماس يعاني من الجوع"

ليزول القناع عن الوجه القبيح للرأسمالية التي كانت للتو تصدع رؤوسنا بالاوت فيت والمايك آب وعش اللحظة والقائمة الطويلة..

فتنكشف ازدواجية المعايير فلوهلة تظن أنهم يكرمون الإنسان ولكن الحقيقة  أن ذلك عندما يتعلق الأمر بمصالح هذه الشركات وأرصدتها المالية إلى درجة عنايتهم بتجربته العميقة وهو يشرب قهوة ستاربوكس يزيدها عمقا عندما يحلي بشكلاطة القلاكسي التي غزت بلدانا فلا محفل لهم بدونها. 

هذا الانسان هو ذاته الانسان الذي يخشى عليه من السمنة وقد توقفت المساعدات بغلق المعابر منذ أكثر من سته أسابيع وخطر المجاعة يهدد مئات الآلاف مع شلل في المخابز ونفاد الطحين!!

المهزلة أن بعضهم يخلط الأمور فيسأل: "وهل المقاطعة واجب ديني حتى تشدون علينا هكذا؟"

والمهزلة الأكبر أن تُعلّق القلوب بعواطفها نحو منتجات تجارية أكثر من تعلّقها بعدالة قضية تُذبح أمام أعيننا كل يوم!

وكأن ذوقها في المايك آب أهم من دموع طفلة تبحث عن أمها تحت الأنقاض، أو صرخة أمّ فقدت أبناءها الثلاثة في ضربة جوية واحدة!

إنها ثقافة الاستهلاك التي نشأنا عليها، فلا نرى في الشركات التي تموّل الاحتلال إلا مصادر للراحة والذوق الرفيع!

ندافع عن "العلامة التجارية" أكثر مما ندافع عن كرامة الإنسان، فيكتب من يكتب تبريرا لا تقريرا: "خلوا السياسة بعيدة عن القهوة!"

وكأن ستاربكس أو ماكدونالد لم تتخذ موقفًا سياسيًا، ولم تُظهر دعمًا ماليًا صريحًا!

أيُّ عار هذا الذي يجعلهم يستصعبون التغيير من أجل دمٍ يُراق وأرواحٍ تُزهق؟

وإن سألهم سائل: "لماذا لا تقاطعون؟"

ردّوا بعبارة باتت مستهلكة مثل منتجاتهم المفضلة: "لن تُغيّر شيئًا."

لكنهم ينسون أن الشعوب هي من تُغيّر المعادلات، وأن المقاطعة ليست ضعفًا بل مقاومة، وليست استهلاكًا واعيًا فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في زمن التواطؤ الجماعي!

في النهاية، لسنا في معركة قهوة أو شوكولاتة، ولسنا في سباق "ترندات" أو عروض موسمية، بل نحن في مواجهة مكشوفة مع منظومة تستثمر في غفلتنا وتربح من لا مبالاتنا. كل دولار يُصرف على هذه الشركات هو سهم يُصوّب نحو طفل أعزل، وكل تهاون هو مشاركة – ولو بصمت – في الجريمة. المقاطعة ليست رفاهية النشطاء، بل أقل درجات الكرامة الإنسانية، وأضعف الإيمان في زمن الخذلان.

فاخترْ لنفسك موضعك في هذا المشهد: إمّا أن تكون مع من يُعيدون للإنسانية صوتها، أو أن تكون في صفوف من غلبهم ذوق القهوة على نزيف الضمير! !

تعليقات