img
img

التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة: سياسة اقتصادية أم أداة في صراع الهيمنة؟

img
منصة الإدارة و الاقتصاد الإسلامي

التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة: سياسة اقتصادية أم أداة في صراع الهيمنة؟

التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة: سياسة اقتصادية أم أداة في صراع الهيمنة؟

 

في عالم يشهد تصاعدًا في منطق التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، تعود الولايات المتحدة إلى استخدام واحدة من أقدم أدواتها في ضبط التوازنات الدولية: التعريفات الجمركية. ومع أن هذا السلاح الاقتصادي يبدو تقليديًا، إلا أن استعماله المتجدد في هذا السياق الدولي المعقّد يعكس تحوّلاً جوهريًا في الفلسفة الأمريكية تجاه النظام الاقتصادي العالمي، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كنا نشهد نهاية مرحلة “الليبرالية الاقتصادية” وبداية عصر “الحمائية الجيوسياسية”.و يعكس هذا التحول تصورًا جديدًا لوظيفة الاقتصاد في منظومة العلاقات الدولية، حيث لم يعد يُنظر إلى التجارة كآلية للتكامل والربح المشترك، بل كأداة لإعادة هندسة توازنات القوة. و هذا ما تُعبّر عنه مفاهيم مثل الاقتصاد الأمني والحمائية الهجومية، التي تتقاطع في منطلقاتها مع مقاربات المدرسة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، وتحوّل الدولة من ضامن لتدفق التجارة إلى فاعلٍ مباشر في إعادة تصميم خريطة النفوذ الاقتصادي.

 

و في خطوة لم تكن مفاجئة ضمن سياق التصعيد المتدرّج مع الصين، أعلنت الإدارة الأمريكية عن حزمة جديدة من الرسوم الجمركية وصل اجمالها الى 145%.هذا التحرك لا يمكن فهمه إلا ضمن منطق أوسع، تتقاطع فيه المصالح التجارية مع اعتبارات الهيمنة الجيوستراتيجية، في لحظة يشهد فيها العالم تشكّل منظومات جديدة ومفاهيم مختلفة عن السيادة الاقتصادية.

 

 

الرسوم الجمركية في سياق أمريكي داخلي

 

القراءة الأولى لهذا القرار لا تنفصل عن التحوّلات الداخلية للولايات المتحدة. حيث أضحت السيادة الاقتصادية أحد المطالب المتكرّرة في الخطاب الشعبي الأمريكي، خصوصًا في المناطق الصناعية المتضرّرة من العولمة. اذ تشير دراسة لمركز CSIS (أفريل 2025) إلى أن 72% من ناخبي الحزب الجمهوري يساندون فرض تعريفات على الصين، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار

 

وتدرك الإدارة الأمريكية أن الرسوم الجمركية تمثّل أداة فعالة لاسترضاء قطاعات إنتاجية حساسة، على غرار صناعة الحديد، السيارات، والتكنولوجيا الدقيقة، خاصة في ولايات تعتبر حاسمة انتخابيًا مثل ميشيغان وبنسلفانيا. 

 

وقد تبنّى الرئيس بايدن سابقا، بشكل ما، خطاب “ترامبي معدل” مع التركيز على الأمن القومي التكنولوجي والتنسيق مع الحلفاء. وتدعم تقارير من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية (2023) هذا الاتجاه، حيث رصدت تنامي سياسات “إعادة توطين سلاسل الإمداد” لفصل الاقتصاد الأمريكي عن الصين و التي بلغت ذروتها في إعلان إدارة بايدن عن استراتيجيات تقييد صادرات تكنولوجية حساسة نحو الصين، وهو ما وصفته مجلة Foreign Affairs بأنه “تغيير في قواعد اللعبة” (Foreign Affairs, Oct 2023).

 

لكن الأهم من الاعتبارات الانتخابية، هو التوجّه نحو إعادة تشكيل البنية الصناعية الأمريكية، لا سيما في قطاعات تعتبرها واشنطن ذات أولوية استراتيجية، مثل صناعة أشباه الموصلات، التي تمثل اليوم “عصب” التنافس العالمي على الريادة التكنولوجية. من هنا، تتجاوز هذه السياسات نطاق الحسابات الاقتصادية لتدخل ضمن استراتيجية طويلة المدى لتأمين استقلالية الولايات المتحدة في مواجهة ما تعتبره “اختراقًا بنيويًا” صينيًا للاقتصاد العالمي.

 

 

 

 

 

تحولات في بنية النظام التجاري العالمي

 

قرار واشنطن لا يُقرأ فقط من زاوية الداخل الأمريكي، بل من منظور التأثير المترتب على البنية العامة للتجارة العالمية. إذ تشير المعطيات إلى أن الاقتصاد الدولي بدأ يشهد نزعة متصاعدة نحو التفكك النسبي لما كان يُعرف بسلاسل الإمداد المتكاملة والعابرة للقارات. ففي السنوات الأخيرة، دفعت الأزمات المتلاحقة (من الجائحة إلى الحرب في أوكرانيا، ثم التوترات في بحر الصين الجنوبي) إلى إعادة تقييم فكرة “الاعتماد المتبادل” بين القوى الكبرى الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وخصوصًا منذ التسعينيات.

 

 

في هذا الإطار، بدأنا نلاحظ تسارعًا في سياسات الفصل الاقتصادي بين واشنطن وبكين، أو ما تسميه بعض الأوساط الغربية بـ“تقليل المخاطر”. وتُعتبر هذه الاستراتيجية محاولة أمريكية لضبط تدفقات التكنولوجيا والموارد بعيدًا عن منافسها الصيني، مع تعزيز النفوذ في مناطق محورية مثل جنوب شرق آسيا والهند والمكسيك.

 

و تشير التقارير الأخيرة لصندوق النقد الدولي إلى أن هذه السياسة تؤدي إلى تسريع تفكك سلاسل التوريد العالمية. فقد انخفضت نسبة الاعتماد المتبادل بين الصين وأمريكا بـ13% في عام واحد فقط، وسط بروز تكتلات تجارية موازية

 

أما بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، فهي تواجه ما يمكن اعتباره أزمة وجودية، إذ أصبحت عاجزة عن ضبط هذا الكم المتزايد من النزاعات التجارية ذات الطابع الجيوسياسي، في ظل رفض بعض الدول الكبرى الامتثال لآليات فض النزاعات التقليدية، بل وتشكيل تكتلات اقتصادية موازية لا تستند إلى قواعد المنظمة، مثل اتفاقيات الشراكة الإقليمية (RCEP، USMCA، CPTPP).

 

 

الرسوم الجمركية كأداة من أدوات الردع الاستراتيجي

 

الرسوم الجمركية الأمريكية لم تعد مجرّد إجراء اقتصادي، بل تحوّلت إلى سلاح ردع غير عسكري في مواجهة الصين. فالولايات المتحدة، وهي تدرك أن المواجهة المباشرة مع بكين غير واردة في المنظور القريب، اختارت أن تحاصرها اقتصاديًا وتكنولوجيًا، عبر إغلاق أسواقها أمام البضائع المدعومة من الدولة الصينية، ومنع تصدير التقنيات المتقدمة التي قد تعزز القدرات الصناعية والعسكرية لبكين.

وقد جاء هذا التحرك في سياق مراجعة شاملة لسلاسل الإمداد العالمية، ومحاولة أمريكية للحد من الاعتماد على الصين في القطاعات الحيوية، كما ورد في تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي حول “تعزيز القدرة التصنيعية الوطنية” (National Security Council, 2023)

 

يتقاطع هذا التوجه مع جملة من الإجراءات الأخرى، مثل القيود على تصدير الرقائق الدقيقة، والتحقيقات في تمويل الشركات الصينية، ومنع صناديق التقاعد الأمريكية من الاستثمار في بعض القطاعات الحساسة في الصين.

 وعلى الجانب الآخر، لم تتأخر بكين في الرد، سواء من خلال فرض رسوم مضادة وصلت الى 125٪؜، أو تسريع مشاريعها البديلة، لا سيما تلك المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، وتوسيع آليات التمويل والضمان خارج النظام المالي الغربي، على غرار بنك التنمية الجديد التابع للبريكس،كما كثّفت بكين من اعتمادها على الابتكار المحلي، ضمن سياسة “الاعتماد المزدوج التي أعلن عنها الحزب الشيوعي في 2020

 

ما يتشكل اليوم هو توازن قوى اقتصادي جديد، تتنازع فيه واشنطن وبكين على مناطق النفوذ، ليس فقط في التجارة، بل في البنية التحتية الرقمية، الطاقة، التمويل، والمعايير الصناعية.

 

 

العلاقات الدولية واستراتيجيات الاصطفاف

 

في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، تجد الدول الأخرى نفسها أمام معادلة دولية أكثر تعقيدًا من ذي قبل. فلم يعد الحياد خيارًا واقعيًا، بل أصبحت سياسات الاصطفاف الاقتصادي والتكنولوجي تفرض نفسها على الجميع، بدرجات متفاوتة.

 

فالـ اتحاد الأوروبي، مثلًا، يعيش حالة من الازدواجية الاستراتيجية. من جهة، ترتبط دوله مع الصين بشراكات تجارية ضخمة — بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين أكثر من 850 مليار يورو في 2023 (المفوضية الأوروبية، 2024). ومن جهة أخرى، فإن الالتزامات الأمنية والرقمية المتزايدة مع الولايات المتحدة، لا سيما في ملفات تقييد التكنولوجيا والتدقيق في الاستثمارات، تجعل التماهي مع الرؤية الأمريكية شبه إجباري.

وقد بدا هذا التوتر واضحًا في خطاب أورسولا فون دير لاين حول “خفض التبعية الاستراتيجية للصين” (مارس 2023)، والذي أشار إلى أن أوروبا لا تسعى لفك الارتباط الكامل مع بكين، بل إلى توازن جديد في العلاقات معها.

 

أما الدول النامية، فهي تخوض هذا الصراع بعين الفرصة والخطر. فمن جهة، يُتيح لها التنافس بين القوتين هوامش تفاوض أوسع في ملفات التمويل، التكنولوجيا، والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، يهدد هذا التنافس بتحويلها إلى ساحات استقطاب، قد تعيد إنتاج أنماط تبعية اقتصادية جديدة، بأقنعة مغايرة خاصة بعد تحذير صندوق النقد في تقريره الأخير من أن “التفتت الجيو-اقتصادي قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي بنسبة تفوق 1.5% سنويًا، ويُضعف فرص التنمية المستقلة في الجنوب العالمي

 

وهنا يبرز سيناريو بالغ الخطورة: انقسام العالم إلى كتل اقتصادية مغلقة تتبادل ضمن تكتلاتها، وتُقصي بعضها البعض — وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض أسس النظام التجاري العالمي، ويحوّل التجارة الدولية من فضاء مشترك إلى أداة فرز جيوسياسي.

 

 

الحمائية الجديدة – ملامح نظام اقتصادي عالمي في طور التشكل

 

ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تعريفات جمركية متفرقة، ليكشف عن تحوّل استراتيجي في وظيفة الاقتصاد داخل النظام الدولي. الولايات المتحدة، في تعاطيها مع التحدي الصيني، لا تسعى فقط لحماية صناعتها الوطنية، بل تعمل على إعادة ضبط موازين القوى العالمية، عبر السيطرة على تدفقات التجارة والتكنولوجيا والمعايير التنظيمية.

 

وقد بدأت تتبلور ملامح ما يمكن تسميته بـ“الحمائية الجيوسياسية”، حيث لم تعد القيود التجارية تعبيرًا عن حماية السوق الداخلية فقط، بل تحوّلت إلى أدوات لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، ومنع خصوم جيوسياسيين من الوصول إلى مفاتيح القوة الصناعية.

 

وفي المقابل، نجد أن الصين قد قابلت هذا التحول بمحاولات تعزيز استقلالها التكنولوجي والمالي، وتسريع مشاريعها الكبرى مثل مبادرة “صنع في الصين 2025”، ومضاعفة استثماراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقات المتجددة، والتمويل خارج الدولار. وتعد هذه الاستراتيجية جزءًا من رؤية أشمل لـ”النهضة الصينية”، التي لم تعد تنحصر في النمو الاقتصادي، بل في التحرر من الضغوط الغربية وإعادة تعريف موقع الصين في النظام العالمي.

 

وما بين فرض الرسوم، وتقييد التجارة، وصعود منطق “الاقتصاد الأمني”، يبقى السؤال المركزي:

هل تنجح الولايات المتحدة في إعادة إنتاج نظام اقتصادي يعكس موقعها كقوة مركزية؟ أم أن هذه السياسات ستكون بمثابة بداية انسحاب تدريجي من قيادة نظام عالمي كانت قد شيدته لعقود؟

 

 

خاتمة: الاقتصاد كأداة للهيمنة وإعادة تشكيل العالم

 

إن تجدد اللجوء إلى الرسوم الجمركية في السياسة الأمريكية ليس انحرافًا ظرفيًا عن مسار العولمة، بل يُعبّر عن لحظة تحوّل هيكلي في الاقتصاد السياسي العالمي. فنحن لسنا إزاء سياسة تجارية معزولة، بل أمام إعادة تعريف لدور الدولة، وحدود السوق، ووظيفة الاقتصاد في سياق تتقاطع فيه المصالح الصناعية مع استراتيجيات الردع والنفوذ.

 

وفي هذا المشهد، تتحوّل الحمائية من خيار دفاعي إلى عقيدة هجومية، تُستثمر ليس فقط لحماية الصناعات الوطنية، بل لإعادة هندسة سلاسل التوريد، والتحكم في تدفقات التكنولوجيا، وتقييد النفاذ إلى الموارد والمعايير. وهو ما يُنذر بولادة نظام عالمي متعدد الكتل، تُصبح فيه التجارة مشروطة بالاصطفاف الجيوسياسي، وتُفرغ فيه المؤسسات متعددة الأطراف من مضمونها.

 

إن هذا التحول يستوجب مقاربة تحليلية جديدة، تتجاوز الأدوات الكلاسيكية في فهم التجارة الدولية، نحو قراءة مركبة تُدرك تداخل الاقتصاد بالقانون، وتَحوّل السيادة الاقتصادية إلى عنصر صلب في معادلة الأمن القومي.

 

وفي هذا الإطار، تتحمّل الدول النامية مسؤولية كبرى في تجنّب الاصطفاف الأعمى، والسعي لبناء هامش من المناورة الاستراتيجية يحفظ استقلال قرارها الاقتصادي، ويُمكّنها من تحويل الصراع بين الكبار إلى فرصة تأسيسية لتحالفات أكثر ندية وإنصافًا.

 

فإعادة تشكّل النظام التجاري العالمي، وإن كانت لحظة محفوفة بالمخاطر، قد تكون أيضًا فرصة نادرة لإعادة التفكير في شروط التنمية، وشكل الشراكات، وأدوات السيادة الاقتصادية لمن يمتلك أدوات الفهم والبناء، 

 بقلم: الأستاذ مروان البحري

تعليقات