img
img

المصداقية قبل السبق الصحفي: مبدأ لا يسقط بالتقادم

img
منصة ساند الإعلامية

المصداقية قبل السبق الصحفي: مبدأ لا يسقط بالتقادم

المصداقية قبل السبق الصحفي: مبدأ لا يسقط بالتقادم 
سوريا وغزة أنموذجاً

في عصر السرعة الرقمية، حيث تتدفق المعلومات على مدار اللحظة، أصبحت الأخبار تنتشر كالنار في الهشيم، وتحوّل السبق الصحفي إلى هدف يسعى إليه الكثير من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية سعياً وراء لفت الانتباه وتحقيق المشاهدات. لكن في خضم هذا السباق المحموم، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للسبق أن يكون أهم من المصداقية؟

المصداقية: حجر الأساس للعمل الصحفي

المصداقية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي جوهر المهنة الصحفية وسبب وجودها. فهي التي تبني الثقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها، وتعزز من مكانتها، وتضمن لها الاستمرارية. والمشكلة أن فقدان المصداقية لا يحدث تدريجيًا، بل قد يسقط دفعة واحدة بسبب خطأ واحد، أو نشر معلومة غير دقيقة، أو التسرع في نقل خبر دون تحقق.

إغراء السبق الصحفي... فخ قاتل

السبق مغرٍ، لا شك في ذلك. فهو يمنح الجهة الناشرة دفعة قوية من الشهرة والانتشار، ويُحسب كنجاح مهني. ولكن، إذا جاء على حساب الدقة والتحقق، فإن عواقبه قد تكون وخيمة. فالإعلامي أو المؤسسة التي تنشر خبراً كاذباً، أو معلومة غير مؤكدة، قد تفقد مصداقيتها في أعين المتلقين، وتُصنَّف لاحقاً كمصدر غير موثوق، مهما كانت نواياها أو مستوى احترافيتها.

منصات التواصل: سلاح ذو حدّين

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تسريع نقل الأخبار، لكنها في الوقت نفسه أصبحت بيئة خصبة للأخبار الكاذبة والإشاعات. وفي ظل هذا التدفق الهائل للمعلومات، تصبح مسؤولية الصحفي مضاعفة: عليه أن يكون أسرع، ولكن أيضًا أدقّ، وأكثر حرصًا على التأكد من صحة ما ينشره.
دروس من الواقع: عندما تُفقد المصداقية في أهم القضايا

في ملفات إنسانية ساخنة مثل غزة وسوريا، كانت وسائل الإعلام العالمية والإقليمية تحت المجهر دائمًا. وبينما أدّت بعض المؤسسات الإعلامية دورًا مهنيًا بارزًا في نقل الحقيقة، وقعت أخرى في فخ السبق الصحفي أو الانحياز، وهو ما أثر بشكل كبير على ثقة الجمهور.

1- التسرع في تغطية أحداث غزة

في العدوانات المتكررة على قطاع غزة، كان الإعلام الغربي يتعامل مع مشاهد صادمة وتطورات سريعة. من أبرز الأمثلة:

هذه الأمثلة تبرهن كيف أن المصداقية قد تُهدر في لحظة، وتكون لها عواقب إنسانية وأخلاقية بالغة.

2- التضليل الإعلامي في القضية السورية

في سوريا، ومنذ بداية الثورة في عام 2011، عانى المشهد الإعلامي من فوضى المعلومات، حيث لعب التضليل دورًا خطيرًا:

  • في عام 2013، عندما حدثت مجزرة الغوطة باستخدام السلاح الكيميائي، تبادلت الأطراف الاتهامات، وسارعت وسائل إعلام كثيرة إلى تبني رواية واحدة دون تحقيق مستقل. بعض القنوات الغربية نشرت فيديوهات غير موثقة، مما أثار شكوكًا حول المهنية في التغطية وما تبين أنه هجوم سافر من النظام السوري آنذاك .
  • كما ظهرت لاحقًا حملات منظمة من جهات محسوبة على النظام السوري أو داعميه لتشويه صورة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، ونُشر العديد من "الحقائق الملفقة" ضدهم، وتم تداولها من منصات إعلامية كبيرة دون تحقق، ما أثار موجة تضليل ضخمة أثّرت في موقف بعض الجمهور الدولي.

حين يُستخدم الإعلام سلاحًا بدل أن يكون أداةً للحقيقة

ما يُحزن في هذه الأمثلة أن الخطأ الإعلامي لا يُؤثر فقط على ثقة الجمهور، بل يُسهم أحيانًا في شرعنة الظلم، ويغطي على الجرائم، ويُضعف التضامن مع الضحايا. وعندما تنقل وسيلة إعلامية خبراً كاذباً أو منحازاً، فإن الضرر لا يتوقف عند الخطأ نفسه، بل يمتد ليُفقد القضايا العادلة بُعدها الإنساني.

 

معايير التحقق.. لا غنى عنها

حتى في ظل ضغوط الوقت، هناك خطوات لا يمكن تجاوزها:

  • التحقق من المصدر: يجب ألا يُنقل أي خبر إلا من مصدر موثوق ومعروف.
  • التدقيق في التفاصيل: الأرقام، الأسماء، الأماكن، كلها معلومات يجب التأكد من دقتها.
  • الابتعاد عن التهويل: السعي لجذب الانتباه لا يبرر تضخيم الحقائق أو تحريفها.
  • الاعتراف بالخطأ عند حدوثه: الشفافية في تصحيح الأخطاء تُكسب الصحفي احترام الجمهور.

خاتمة: الثقة لا تُشترى.. تُبنى

في النهاية، قد يُنسى السبق، ولكن لا تُنسى الأخطاء التي تطيح بالمصداقية. الصحافة الحقيقية ليست سباقاً في الوصول، بل مسؤولية في تقديم الحقيقة بدقة وأمانة. ومن أراد أن يكون إعلاميًا ناجحًا بحق، فعليه أن يضع هذه القاعدة نصب عينيه دائمًا:

المصداقية أولاً، والسبق إن أمكن.

 

تعليقات