أ.سميحة بنعمر
أمين عام شبكة الرواد التخصصية ومستشارة منصة المرأة المسلمة ومعلمة تدبر قرآن كريم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله:
"إذا حدثتك نفسك بطلب
الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء
فازهد فيهما زُهْدَ عُشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في
الثناء والمدح، سهُل عليك الإخلاص، وذبح الطمع يسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من
شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يُؤتي العبد منها
شيئًا سواه، والزهد في الثناء والمدح يسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه
ويزين، ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده".
قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلنَآ إِلَيكَ الكِتَٰبَ بِالحَقِّ فَاعبُدِ اللَّهَ مُخلِصا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ} (سورة الزمر)
قال ابن كثير: {ألا لله الدين
الخالص} أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله، وحده لا شريك له.
خوطب به كل الأنبياء..
{وَلَقَد أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكَ لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَٰسِرِينَ
(65) بَلِ اللَّهَ فَاعبُد وَكُن مِّنَ الشَّٰكِرِينَ (66)} (سورة الزمر)
قال السعدي: "وذلك لأن الشرك
باللّه محبط للأعمال، مفسد للأحوال، ولهذا قال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} من جميع الأنبياء. {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ} هذا مفرد مضاف، يعم كل عمل. ففي نبوة جميع الأنبياء، أن الشرك محبط
لجميع الأعمال.
هذا أصل لا تتنازل فيه، أخلص
عبادتك لله ولا تخشى أحدا:
{أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ(36)} (سورة الزمر)
قال الشيخ عبد العزيز الطريفي فرج
الله بالعز كربه: "إذا أصلح الإنسان ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه
وبين الخلق، فمن انشغل بالواحد الأحد كفاه عن كلّ أحد، قال الله (أليس الله بكافٍ
عبده)"
ابتلاءنا في الإخلاص:
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعمَة مِّنهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدعُوٓاْ إِلَيهِ مِن قَبلُ
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُل تَمَتَّع بِكُفرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِن أَصحَٰبِ النَّارِ (8)} (سورة الزمر)
قال ابن كثير: وقوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه) أي: عند
الحاجة يضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في
البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا) [الإسراء:
67]. ولهذا قال: (ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل) أي: في حال
الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال تعالى: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا
لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) [يونس: 12].
{فَإِذَا مَسَّ الإِنسَان ضُرّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَٰهُ نِعمَة مِّنَّا
قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلمِ بَل
هِيَ فِتنَة وَلَٰكِنَّ أَكثَرَهُم لَا يَعلَمُونَ (49)} (سورة الزمر)
قال السعدي: "يخبر تعالى عن
حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو كرب. {دَعَانَا} ملحا في
تفريج ما نزل به {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا} فكشفنا ضره وأزلنا
مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه منكرا. و {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ}
أي: علم من اللّه، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني
بطرق تحصيله.
قال تعالى: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ}
يبتلي اللّه به عباده، لينظر من يشكره ممن يكفره. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد يكون سببا للخير أو
للشر"
نموذج من المخلصين:
{أَمَّن هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ الَّيلِ سَاجِدا وقائما يَحذَرُ الأٓخِرَةَ وَيَرجُواْ رَحمَةَ ربه قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ
الأَلبَٰبِ (9)} (سورة الزمر)
كلنا مقصرون:
{قُل يَٰا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُواْ علىٰ أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُواْ مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنه هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} (سورة الزمر)
النتيجة:
أهل الإخلاص يدخلون إلى الجنة
زمرا..
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُم إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَت أَبوَٰبُهَا
وَقَالَ لَهُم خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيكُم طِبتُم فَادخُلُوهَا خَٰلِدِينَ (73)} (سورة الزمر)
الهيئة العالمية لتدبر القرآن: حتى
المؤمنون المصطَفَون يدخلون الجنة زُمَرًا متفاوتة بتفاوت أعمالهم ومراتبهم
بالتقوى، فهنيئًا لمن كان في زمرة المحسنين السابقين بالخيرات.
اكتب مراجعة عامة