img
img

إمكانية إبرام عقد اجتماعي شامل في سوريا الجديدة: التحديات والفرص.

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

إمكانية إبرام عقد اجتماعي شامل في سوريا الجديدة: التحديات والفرص.

أ. مهند العبد الله

باحث اجتماعي وناشط إعلامي ومهتم في حقوق الإنسان


مفهوم العقد الاجتماعي

 يُشير إلى اتفاقية افتراضية أو نظرية بين الأفراد في المجتمع لتنظيم العلاقات بينهم وبين السلطة الحاكمة. يُعتبر هذا المفهوم أحد الأسس الفلسفية لفهم نشأة المجتمعات السياسية وشرعية الحكومات.

 أصول المفهوم:

ظهرت فكرة العقد الاجتماعي في الفلسفة السياسية عبر تاريخ طويل، لكنها تبلورت بشكل واضح في أعمال فلاسفة مثل:

1. توماس هوبز: في كتابه "اللفياثان" (1651)، اعتبر أن البشر يعيشون في حالة طبيعية من الفوضى والحرب، لذا يتنازلون عن بعض حرياتهم لصالح سلطة قوية (الحكومة) لضمان الأمن والاستقرار.

2. جون لوك: في كتابه "مقالتان عن الحكومة" (1689)، رأى أن العقد الاجتماعي يهدف إلى حماية الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية)، وإذا فشلت الحكومة في ذلك، يحق للناس تغييرها.

3. جان جاك روسو: في كتابه "العقد الاجتماعي" (1762)، أكد أن العقد يهدف إلى تحقيق الإرادة العامة، حيث يتنازل الأفراد عن حرياتهم لصالح الصالح العام.

عناصر العقد الاجتماعي:

1.التنازل عن الحريات: يتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم مقابل الحصول على الأمن والاستقرار.

2. الشرعية: تحصل الحكومة على شرعيتها من موافقة المحكومين.

3. الحقوق والواجبات: يحدد العقد حقوق الأفراد وواجباتهم تجاه الدولة والعكس.

 أهمية العقد الاجتماعي:

- يُفسر نشأة الدول وشرعية الحكومات.

- يُؤسس لفكرة أن السلطة تأتي من الشعب.

- يُعزز مفاهيم العدالة والمساواة.

نقد المفهوم:

- يُعتبر العقد الاجتماعي افتراضياً ولا يعكس واقعاً تاريخياً.

- قد يُستخدم لتبرير سلطات استبدادية.

باختصار، العقد الاجتماعي هو فكرة فلسفية تُوضح كيفية تنظيم العلاقات بين الأفراد والدولة، مع التركيز على الشرعية والحقوق والواجبات.

في ظل التعدد الطائفي والعرقي الذي تتمتع به سوريا، تبرز فكرة إبرام عقد اجتماعي شامل كأحد أهم الركائز لبناء دولة مستقرة ومزدهرة بعد سنوات من الصراع الدامي. العقد الاجتماعي، بوصفه اتفاقًا بين مكونات المجتمع على قواعد العيش المشترك وتوزيع السلطة والثروة، يعد ضرورة حتمية لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء سوريا جديدة. إلا أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات جسيمة، تتطلب إرادة سياسية قوية وحكمة من جميع الأطراف.

التعددية السورية: ثروة أم عبء؟

سوريا بلد غني بتنوعه الطائفي والعرقي، حيث تعيش فيه مجموعات مختلفة مثل العرب والأكراد والتركمان والآشوريين، إلى جانب تنوع طائفي يشمل السنة، العلويين، المسيحيين، الدروز، والإسماعيليين. هذا التنوع كان في فترات سابقة مصدرًا لإثراء الثقافة السورية، لكنه تحول خلال الصراع الأخير إلى عامل تفجير للهويات الفرعية، مما أدى إلى تعميق الانقسامات وزيادة حدة التوترات.

لذا، فإن التحدي الأول لإبرام عقد اجتماعي شامل يتمثل في تحويل هذا التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة. وهذا يتطلب الاعتراف بالهويات الفرعية واحترامها، مع تعزيز الهوية الوطنية الجامعة التي تجمع جميع السوريين تحت مظلة المواطنة المتساوية.

تحديات بناء العقد الاجتماعي

1-غياب الثقة بين المكونات: بعد سنوات من الصراع، أصبحت الثقة بين المكونات الطائفية والعرقية في أدنى مستوياتها. إعادة بناء هذه الثقة يتطلب وقتًا طويلًا وإجراءات ملموسة، مثل إطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المختفين قسريًا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

2-توزيع السلطة والثروة: أحد أهم مكونات العقد الاجتماعي هو الاتفاق على كيفية توزيع السلطة والثروة بشكل عادل. في سوريا، كانت مراكز القوة والثروة تاريخيًا محصورة في أيدي فئة محددة، مما أدى إلى استياء واسع النطاق. لذلك، يجب أن يتضمن العقد الاجتماعي آليات تضمن تمثيلًا عادلًا لجميع المكونات في مؤسسات الدولة، وتوزيعًا عادلًا للثروة الوطنية.

3-التدخلات الخارجية: سوريا أصبحت ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، مما يعقد جهود بناء العقد الاجتماعي. إنهاء هذه التدخلات يتطلب دبلوماسية نشطة ودعمًا من المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار.

4-إعادة الإعمار: سوريا بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة بعد الدمار الهائل الذي لحق ببنيتها التحتية واقتصادها. إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءًا من العقد الاجتماعي، مع ضمان مشاركة جميع المناطق والمكونات في عملية التنمية.

الفرص المتاحة

رغم التحديات، هناك فرص لبناء عقد اجتماعي شامل في سوريا:

الإرادة الشعبية: العديد من السوريين، رغم معاناتهم، ما زالوا يؤمنون بفكرة العيش المشترك ويرغبون في بناء مستقبل أفضل لأبنائهم.

الدروس المستفادة: يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى مرت بحروب أهلية ونجحت في بناء عقود اجتماعية، مثل جنوب إفريقيا ولبنان.

الدعم الدولي: المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في دعم عملية المصالحة وإعادة الإعمار، شرط أن يكون هذا الدعم محايدًا وهادفًا لتحقيق الاستقرار.

الخاتمة

إبرام عقد اجتماعي شامل في سوريا الجديدة ليس مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وحوارًا وطنيًا شاملًا يشارك فيه جميع المكونات السورية. كما يتطلب التزامًا بمبادئ العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان. فقط من خلال الاعتراف بالتنوع وبناء دولة المواطنة يمكن لسوريا أن تتجاوز ماضيها الدامي وتخطو نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.


تعليقات