img
img

نظرية ماسلو للحاجات ومدى توافقها مع الآيات القرآنية والسنة النبوية

img
منصة الإدارة و الاقتصاد الإسلامي

نظرية ماسلو للحاجات ومدى توافقها مع الآيات القرآنية والسنة النبوية

الدكتور عبد السلام زكريا

دكتور في إدارة الأعمال رئيس قسم إدارة الأعمال في جامعة باشاك شاهير

تعد نظرية "تسلسل الحاجات الإنسانية" Maslow's hierarchy of needs)) لأبراهام ماسلو (1943) من أبرز النظريات التي فسرت دوافع الإنسان من خلال تحديد حاجات الفرد والتي تشكل الدافع الأساسي له للسير نحو أشباعها، حيث صنف ماسلو الحاجات وفق هرم  خماسي يبدأ بالحاجات الفسيولوجية وينتهي بحاجات تحقيق الذات، وكان لها دور كبير في مساعدة علماء الإدارة وغيرها من العلوم على تحديد الحاجات البشرية التي تدفع الإنسان نحو أشباعها من خلال العديد من السلوكيات، وهنا يأتي دور التحفيز من أجل توجيه السلوكيات نحو ما هو مرغوب والابتعاد عن السلوكيات السلبية، وجاءت هذه النظرية وفق تصور مماثل لما هوا موجود في القران الكريم والسنة النبوية بخلاف ان الإسلام ركز على البعد الروحي والحياة الأخرة كمحرك أساسي لدوافع الإنسان وربط كل الحاجات وطرق إشباعها بهدف رئيس وهوا ابتغاء مرضاة الله وبالتالي الفوز بالجنة، سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على جزء بسيط من الأدلة القرآنية والأحاديث الشريفة التي تدلل على ما جاء في نظرية ماسلو.

هرم ماسلو

يقسم ماسلو الحاجات إلى خمسة مستويات وهي:

1.الحاجات الفسيولوجية: أو حاجات البقاء كالطعام والماء والمأوى.

2.حاجات الأمان: كالحماية المادية والنفسية والجسدية.

3.الحاجات الاجتماعية: مثل الانتماء والحب والأسرة.

4.حاجات التقدير: مثل الحاجة الى الاحترام والمكانة الاجتماعية والشعور بالأهمية.

5.تحقيق الذات: مثل الحاجة الى الإبداع وتحقيق الغايات الوجودية.

الأدلة القرآنية والأحاديث الشريفة التي تدلل على ما جاء في نظرية ماسلو

1. الحاجات الفسيولوجية: 

أقر الإسلام بأهمية تلبية الحاجات الأساسية للإنسان مثل الطعام والشراب ولكن وفق ضوابط معينة حدد من خلالها الحلال والحرام، قال الله تعالى:

"وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياء: 30) وهنا إشارة الى انه لا يمكن لأي شي في الوجود أن يعيش من دون الماء.

وأكد القرآن الكريم على ضرورة الاعتدال في إشباع الحاجات: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا" (الأعراف: 31)

كما أن النبي ﷺ جعل إطعام الجائع من معايير التفضيل بين الأفراد "خياركم من أطعم الطعام" أخرجه أحمد

ونجد من خلال ما سبق ذكره أن نظرية الحاجات تتفق مع الإسلام في ضرورة إشباع الحاجات الأساسية لكنه يربطها بالعبادة والضوابط الأخلاقية.

2. حاجات الأمان: 

يركز الإسلام على أهمية الأمان سواء كان مادياً أو روحياً ويعتبره من أعظم النعم:

"فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" (قريش: 3-4) تركز الآيات الكريمة على الحاجات الأساسية للإنسان وهي الحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمان والتي لا يمكن له العيش من دونها أو أن يفكر في الحاجات في المستوى الأعلى دون أشباع تلك الحاجات ونجد أن ماسلو هنا كان موفق في جعل تلك الحاجات في القاعدة العريضة لهرمه. 

وجعل القرآن الكريم الأمن مرتبطًا بالإيمان: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ" (الأنعام: 82)

قال النبي ﷺ "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا" البخاري 

3. الحاجات الاجتماعية: 

يؤكد الإسلام على أهمية الحاجات الاجتماعية ويعتبر الأسرة والعلاقات الاجتماعية ركيزة أساسية في بناء المجتمع:

"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا" (الروم: 21) 

أيضاً نلاحظ أن القرآن الكريم أسس لفكرة المجتمع المترابط: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2).  

وفي الحديث الشريف: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (مسلم)

وحض النبي ﷺ على صلة الرحم كأساس للتماسك الاجتماعي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (البخاري ومسلم).  

وأرسى الأسلام مبدأ التكافل الاجتماعي عبر الزكاة: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ» (مسلم).   

4. حاجات التقدير

ربط الإسلام قيمة الإنسان بالتقوى لا بالمكانة الاجتماعية والجاه والمال "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات: 13)

كما قال النبي ﷺ: "مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ" (الترمذي)

ونهى النبي ﷺ عن احتقار الآخرين: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (مسلم).  

5. حاجات تحقيق الذات

ربط ماسلو تحقيق الذات في الإنجازات الدنيوية بينما يربطها الإسلام بالعبادة والسعي للكمال الروحي وتزكية النفس عن الهوى "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56)

كما قال النبي ﷺ: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ" (أحمد)

وبين القرآن الكريم بأن أعظم صورة لتحقيق الذات هي التقرب إلى الله والسعي للعلم والعمل الصالح: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (القصص: 77). في حين كان تركيز نظرية الحاجات فقط على الأمور المادية.

ومن خلال ما تقدم ذكره نجد أن هناك توافق الى حد ما بين هرم ماسلو في تحديد الحاجات مع القران الكريم والسنة النبوية مع اختلاف الغاية والتي ركز فيها ماسلو على تحقيق الذات في حين نظر الإسلام الى أن العبادة ورضى الله هي الغاية الأسمى أيضا نجد أن هناك اختلاف بين ترتيب بعض الحاجات فالحاجات الروحية في الاسلام قد تقدم على الحاجات المادية (مثل الصوم مقدم على الطعام)، ونجد أيضاً أن الإسلام يدمج بين الحاجات الدنيوية والأخروية بينما يركز ماسلو على الحاجات الدنيوية فقط وبذلك يكون الإسلام قدم منهجا متكاملا لتحديد الحاجات الإنسانية وآليات أشباعها ضمن ضوابط شرعية تهدف الى حماية الأفراد والمجتمعات والرقي بها الى مراتب دنيوية واخروية سامية.

هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.


تعليقات

الكلمات الدلالية