الدكتور ياسر قطب
خبير في الإدارة و مفكر وباحث في العلوم البينية
شهر رمضان.. بين الحرمان والتحرر
يأتي رمضان كل عام ليكون فرصةً للتأمل والارتقاء الروحي، لكن الصيام قد يكون تجربةً صعبة للبعض، حيث يشعرون بأنه حرمانٌ من الملذات، بينما يراه آخرون تحررًا وإعادة توازن للحياة. الفرق بين هاتين النظرتين لا يعتمد فقط على الفعل ذاته، بل على طريقة التفكير حوله.
وفقًا لمبادئ العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، فإن معاناتنا لا تأتي من الحدث نفسه (الامتناع عن الطعام والشراب)، بل من كيفية تفسيرنا لهذا الامتناع. فحين ننظر إلى الصيام على أنه نقصٌ ومعاناة، نشعر بالسلبية والإحباط، أما إذا رأيناه فرصةً للامتلاء بالحكمة، بالقوة، وبالتحكم في الذات، فإنه يصبح وسيلة للارتقاء والتغيير.
في هذا المقال، سنتناول كيف يمكن أن يكون رمضان نموذجًا عمليًا لتطبيق العلاج المعرفي السلوكي، وكيف يمكننا إعادة برمجة أفكارنا من التركيز على الامتناع إلى الامتلاء، مما يجعل تجربتنا الرمضانية أكثر تأثيرًا وإيجابية.
- الامتناع ليس فراغًا...بل امتلاء موجّه
الصيام ليس مجرد توقف عن الطعام والشراب، بل هو فرصة لتنقية النفس، وتعزيز القدرة على التحكم في الدوافع، وبناء وعي أعمق بالحياة. المشكلة تبدأ عندما يركز الصائم على الجوع والحرمان، مما يؤدي إلى مشاعر سلبية تؤثر على حالته النفسية.
هنا يأتي دور العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:
- إعادة تشكيل الأفكار (Cognitive Restructuring)
- إعادة توجيه التركيز (Cognitive Refocusing)
- تغيير السلوكيات السلبية (Behavioral Activation)
كيف يمكن أن نطبّق هذه المبادئ في رمضان؟
- إعادة تشكيل الأفكار: من الحرمان إلى الامتلاء
وفقًا للعلاج المعرفي السلوكي، الأفكار السلبية هي ما يسبب لنا المشاعر السلبية، وليس الحدث نفسه. لذا، بدلاً من التفكير:
- أنا محروم من الطعام طوال اليوم
- أنا أمارس ضبط النفس وأمتلئ بالقوة الروحية
- الصيام صعب جدًا وسأعاني حتى المغرب
- كل لحظة صيام تقربني من فهم ذاتي وتحقيق الانضباط الداخلي
- أنا جائع ومتعب، لا أستطيع التركيز
- الصيام يعيد توجيه طاقتي إلى ما هو أهم، وهو التزكية والصبر
عندما نعيد تشكيل أفكارنا بهذه الطريقة، فإننا نقلل التوتر النفسي ونحوّل تجربة الصيام إلى تجربة ثرية تُساعدنا على التطور الشخصي.
- إعادة توجيه التركيز: من الامتناع إلى الامتلاء
- التركيز على الحرمان يجعلنا نعاني، بينما إعادة توجيه الانتباه نحو الفوائد التي نجنيها من الصيام تجعل التجربة أكثر إيجابية.
بدلاً من التركيز على الجوع، يمكن للصائم أن يوجّه انتباهه إلى:
الامتلاء بالإيمان: إدراك أن الصيام هو فرصة للتقرب من الله وممارسة الطاعة بحب.
الامتلاء بالسكينة: استخدام وقت الصيام للتأمل، الهدوء، وتصفية الذهن من الضغوط اليومية.
الامتلاء بالعطاء: التركيز على الأعمال الخيرية والتواصل مع الآخرين بروح التراحم.
الامتلاء بالقوة النفسية: استغلال الصيام كفرصة لاختبار القدرة على التحمل، مما يعزز الثقة بالنفس.
عندما تغيّر طريقة تركيزك، ستجد أن الصيام لم يعد معاناة، بل تجربة غنية تمنحك شعورًا عميقًا بالامتلاء والتوازن.
- تغيير السلوكيات: من ردود الفعل التلقائية إلى استراتيجيات واعية
العلاج المعرفي السلوكي لا يتوقف عند الأفكار، بل يمتد إلى تغيير السلوكيات اليومية. في رمضان، يمكننا استبدال العادات السلبية بعادات إيجابية تعزز تجربة الصيام، مثل:
بدلاً من الانشغال بالجوع → استغلال الوقت في التعلم، التأمل، أو العطاء.
بدلاً من قضاء النهار في الانتظار → ممارسة أنشطة تُحافظ على النشاط الذهني والبدني.
بدلاً من التذمر بسبب الصيام → ممارسة الامتنان والرضا ببركة هذا الشهر.
العبرة ليست فقط في الامتناع عن الطعام، بل في كيف نملأ هذا الامتناع بمعانٍ ترتقي بنا.
التطبيق العملي للعلاج المعرفي السلوكي في رمضان
خطوات بسيطة يمكنك ممارستها يوميًا:
1- راقب أفكارك عند الشعور بالجوع أو التعب، واسأل نفسك:
•هل أنا أفكر في الصيام بطريقة إيجابية أم سلبية؟
•كيف يمكنني تحويل هذه اللحظة إلى تجربة امتلاء بدلاً من معاناة؟
2- أعد برمجة تركيزك:
•عندما تشعر بالجوع، فكّر في القوة التي تبنيها من خلال الصبر.
•عند الشعور بالملل، ركّز على فرصة التعلم والتطوير الذاتي.
3- مارس الامتنان:
دوّن الأشياء التي يجعلك رمضان أكثر وعيًا بها، مثل: العائلة، الصحة، القدرة على التحكم بالنفس.
4-غيّر سلوكياتك اليومية بحيث تتماشى مع أهداف الامتلاء، وليس مجرد تجاوز الامتناع.
الخاتمة: رمضان.. فرصة لإعادة برمجة العقل والنفس
إن تجربة الصيام في رمضان ليست مجرد امتناع عن الطعام، بل هي فرصة لإعادة برمجة أفكارنا وسلوكياتنا. من خلال العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، يمكننا أن نجعل من رمضان تجربةً للتحرر من العادات السلبية، والامتلاء بكل ما يجعلنا أكثر وعيًا واتزانًا.
رمضان ليس نقصًا، بل اكتمال. ليس حرمانًا، بل امتلاء. هو مدرسة للتحكم في النفس، وإعادة التوازن للحياة. فكيف ستختار أن تعيش رمضان هذا العام؟
اكتب مراجعة عامة