img
img

شهر رمضان وتمكين العمل الإنساني: نحو مفهوم جديد للعمل التطوعي والفئات المهمشة

img
منصة تمكين العمل الإنساني

شهر رمضان وتمكين العمل الإنساني: نحو مفهوم جديد للعمل التطوعي والفئات المهمشة

الدكتور ياسر قطب

 خبير في الإدارة و مفكر وباحث في العلوم البينية

يأتي شهر رمضان كل عام ليكون شهر الروحانية والعطاء، حيث تتجلى القيم الإنسانية في أبهى صورها، وتمتد الأيادي البيضاء لمساعدة المحتاجين. لكن هل يمكن أن نرتقي بمفهوم العمل التطوعي في رمضان من مجرد مبادرات خيرية مؤقتة إلى مشاريع تمكين مستدامة؟

إن تقديم الطعام للصائمين وتوزيع المعونات عمل عظيم، لكن الأهم هو أن نحقق تكاملًا بين الجهود المختلفة، بحيث يصبح رمضان منصة حقيقية لتمكين الفئات المهمشة، وتحقيق تغيير حقيقي يضمن لهم الأمن والاستقرار والعيش الكريم. فما أسهل ثواب الإفطار، ولكن الأصعب هو بناء منظومة تعزز الاستقلال والكرامة الإنسانية.

رمضان.. من العطاء الموسمي إلى التمكين المستدام

العمل الخيري في رمضان غالبًا ما يتركز على موائد الإفطار، وتوزيع المساعدات، وتقديم الدعم المادي المؤقت. ورغم أهمية هذه الأعمال، إلا أنها قد تظل حلاً مرحليًا لا يغير واقع الفئات الأكثر احتياجًا.

لكن ماذا لو تحول العمل التطوعي في رمضان إلى مشروع مستدام للتمكين؟

-  بدلًا من تقديم المساعدات فقط، لماذا لا نركز على تنمية المهارات وتوفير فرص عمل تضمن الاكتفاء الذاتي؟

-  لماذا لا يصبح رمضان فرصة لإطلاق مبادرات اقتصادية صغيرة تساعد الأسر المحتاجة على بناء حياة مستقرة؟

-  كيف يمكن تحويل التكافل الاجتماعي في رمضان إلى استثمار حقيقي في الإنسان، بحيث لا يحتاج إلى المساعدات مستقبلاً؟

تمكين الفئات المهمشة في شهر رمضان: رؤية جديدة للعمل الإنساني

يتجسد مفهوم التمكين في رمضان عندما نوجه الجهود لدعم الفئات المهمشة بشكل أكثر استدامة وفعالية، بحيث تشمل:

-  الأرامل والنساء المعيلات: دعمهن ليس فقط ماليًا، بل عبر برامج تدريبية توفر لهن فرص عمل واستقلال اقتصادي.

-  الشباب العاطلون عن العمل: إطلاق مبادرات تعليم مهني ومشروعات صغيرة بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات النقدية.

-  الأطفال في المناطق الفقيرة: بدلاً من مجرد تقديم المساعدات، يمكن توفير فرص تعليمية وبرامج تأهيل تساعدهم على بناء مستقبل أفضل.

-  اللاجئون والنازحون: دعمهم عبر برامج تعليمية وتدريبية تتيح لهم فرصًا اقتصادية بدلاً من الاعتماد على الإعانات.

التكامل في العمل الإنساني: كل جهد يكمل الآخر

العمل الإنساني لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن بعضه، بل يجب أن يكون متكاملًا وشاملًا، بحيث يعمل الجميع على سد الفجوات وتحقيق الأثر الحقيقي.

-  موائد الإفطار والإعانات: لتلبية الحاجة الفورية، لكنها ليست الحل الوحيد.

- التمكين الاقتصادي: عبر توفير فرص عمل وتأهيل مهني للفئات المحتاجة.

-  التعليم والتوعية: لنقل الأفراد من مرحلة الاحتياج إلى مرحلة الإنتاج.

-  الرعاية النفسية والاجتماعية: لأن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم المادي.

-  تحقيق الأمن الاجتماعي: عبر استراتيجيات مستدامة للحد من الفقر والتهميش.

رمضان.. من الإحسان إلى التأثير الفعلي

لكي يكون العمل الإنساني أكثر تأثيرًا في رمضان، يجب أن نتحول من مجرد العطاء المؤقت إلى دعم استراتيجي طويل الأمد. بعض الأفكار لتحقيق ذلك:

-  مشاريع التدريب والتنمية: بحيث يتم تمكين الأفراد بدلًا من إبقائهم في دائرة الاحتياج.

-  التكافل الذكي: عبر إطلاق مبادرات تمويل صغيرة لمشاريع يديرها المحتاجون أنفسهم.

-  تفعيل التكنولوجيا: لإنشاء منصات تربط المتبرعين بالمستفيدين بطريقة شفافة ومستدامة.

-  الشراكة بين المؤسسات: لدمج جهود المجتمع المدني مع القطاع الخاص والحكومي لضمان استدامة المشاريع.

الخاتمة: رمضان.. مدرسة للإنسانية والتكامل

إن القيمة الحقيقية لشهر رمضان لا تكمن فقط في حجم العطاء، بل في استدامة أثره. فالتكافل لا ينبغي أن يقتصر على تقديم الطعام والمساعدات، بل يجب أن يكون خطوة نحو تمكين الأفراد، وضمان مستقبلهم، وتحقيق الأمن والاستقرار لهم.

فليكن هذا الشهر منصة لصياغة رؤية جديدة للعمل الإنساني، حيث يتكامل الجميع لتحقيق أثر حقيقي ومستدام، حتى لا يُترك أحد خلف الركب. فكما قالوا: "لا تعطيني سمكة، بل علمني كيف أصطاد"، ورمضان هو الفرصة المثالية لتحقيق هذه الفلسفة على أرض الواقع.

تعليقات

الكلمات الدلالية