img
img

العمل في سبيل الله صبر وأخوة وثبات

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

العمل في سبيل الله صبر وأخوة وثبات

أ.د. عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

                                                     بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله الذي جعل العمل في سبيله شرفاً للمؤمنين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. إن العمل لدين الله في مؤسساتٍ أو تنظيماتٍ دعويةٍ أو خيرية أو تعليمية ...،  ليس مسيرةً سهلةً تخلو من التحديات، بل هو اختبارٌ للإيمان وامتحانٌ للصبر، حيث يواجه العاملون أذى الناس واختلاف الآراء، لكنهم يصبرون ويحتسبون، متمسكين بأخوة الإيمان التي تجمعهم ويجب أن نعي جيدا ونعلم  دائما أن العمل في سبيل الله هو أشرف الأعمال، لكنه ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل هو طريقٌ مليءٌ بالتحديات والضغوط. هذه الضغوط ليست غريبةً ولا مفاجئة، بل هي جزءٌ من طبيعة الدنيا التي وصفها الله تعالى بقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد: 4). فمن يتوقع أن يكون العمل في سبيل الله خاليًا من المشاق، فقد غفل عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، التي هي دار اختبارٍ وامتحان.  

الصبر على الأذى: سمة الأفضلين

من أعظم ما يميز العامل في سبيل الله صبره على ما يلاقيه من مشاقّ، وهو امتثالٌ لقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17). وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الصبر عندما لاقى أذى قريش، ففي حديث عائشة رضي الله عنها: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حَصَبَتْهُ قُرَيْشٌ وَهُوَ يُصَلِّي، وَقَدْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ سَلاَ جَزُورٍ" (رواه البخاري). ولم يردّ عليهم إلا بالدعاء: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وكذا كان الصحابة كأبي بكر رضي الله عنه حين صبر على أذى المشركين وهو يدعوهم إلى الله، فلم تثنيه الإساءة عن الاستمرار في الدعوة فما بالك بالصبر على إخوانك في الله!

 الخلاف لا يفسد للود قضية

قد تعلو الأصوات بالاختلاف في الرأي بين العاملين، لكن الأخوة في الإيمان تعلو على كل خلاف. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103). وقد اختلف الصحابة في مواقف عدة، كإختلاف أبي بكر الصديق وعمر الخطاب في أسرى بدر فكان موقف أبي بكر الصديق: الرحمة والرأي الاقتصادي  

أشار أبو بكر بأخذ الفدية من الأسرى، مرددًا: "هؤلاء بنو العم والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم للإسلام". ورأى في الفدية مصلحةً ماديةً تُقوّي المسلمين، وتكون سببًا لِتَأَلُّف قلوب الأسرى، كما عبَّر القرآن عن هذا الموقف بقوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 68).

اما موقف عمر بن الخطاب: الحزم والرؤية الأمنية  

على النقيض، اقترح عمر بن الخطاب إعدام الأسرى، قائلاً: "هم أئمة الكفر، اضرِب أعناقهم؛ لِئَلَّا يعودوا إلى قتالنا". وكان يرى في القضاء عليهم قطعًا لدابر الفتنة، وحمايةً للمجتمع الإسلامي الناشئ.

فمال النبي صلى الله عليه وسلم أولاً إلى رأي أبي بكر، فأخذ الفدية من الأسرى، لكن الوحي نزل مُصَوِّبًا هذا القرار، مؤكدًا أن الأَولَى كان اتباع الحزم الذي اقترحه عمر، فقال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} (الأنفال: 67). ومع ذلك، لم يُنزِل الله عقابًا على المسلمين لِسَبق رحمته، فجمعوا بين الفدية والتوبة.

اختلاف عمر وأبي بكر رضي الله عنهما في أسرى بدر ليس خلافًا تنازُعيًّا، بل هو نموذجٌ للاجتهاد في مواطن الحاجة، يُعلِّمنا أن الخلاف الفكري لا يُضعف الأخوة الإيمانية، بل يثريها بالحكمة، ما دام الجميع يطلب وجه الله. وهذا من عظمة السيرة النبوية، التي تُخرج للأمة دائمًا أعظم العِبَر.

  وقد إختلفوا الصحابة كذلك في عدة مواطن كاختلافهم في غزوة الأحزاب حول موقع المعركة، لكنهم حافظوا على وحدتهم. وحين اختلف عليٌّ ومعاوية رضي الله عنهما، حرصا على ألا يتسبب خلافهما  في تقطيع أواصر الأخوة، فكانت وصية عليٍّ لأصحابه: "لا تكرهوا إخوانكم على ما سبق لهم من اجتهاد".

و هكذا يكون الخلاف في الرأي فرصةً للحكمة، لا سبباً للفرقة.

والأمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحبه كثيرة لا يسعنا في هذا المقام ذكرها كلها .

 الأخوة في الله: أساس الثبات

ما يجمع العاملين في حقل الدعوة هو رباط الأخوة الإيمانية، التي وصفها الله بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10). وتجسيداً لهذه الأخوة، آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتقاسَمون المال والمسكن، بل ضحى الأنصاري لأخيه المهاجر بقوله: "خُذْ نِصْفَ مَالِي وَانْظُرْ أَيَّ امْرَأَتَيَّ أَعْجَبَتْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا" (رواه البخاري). هذه الأخوة هي التي تجعل الضغوط تُهون، والخلافات تُحل، لأنها قائمةٌ على الإيمان والمحبة في الله.

التحذير من النزاع  

لكن يجب أن نحرص على ألا نقع في فخ النزاع، الذي يُضعف الأمة ويُفقدها قوتها. قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46). النزاع يُشتت الجهود، ويُضيع الأوقات، ويُفقد للعمل المؤسساتي هيبته وقوته. لذلك، يجب أن نحرص على وحدة الصف، وأن نتذكر دائمًا أن ما يجمعنا أعظم مما يفرقنا.  

الشيطان عدوٌ دائم  

الشيطان لن يترك العاملين في سبيل الله يعيشون في راحةٍ وسلام، بل سيحاول جاهدًا أن يزرع بينهم الفتنة والنزاع، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر: 6). فهو لا يريد للحق أن ينتصر، ولا للمؤمنين أن يتحدوا، ولذلك نجده دائمًا يحاول إثارة الخلافات وإضعاف الروابط الإيمانية بين العاملين فيوسوس لهذا وينزغ لذاك فيحمل الكلام على غير محمله الحسن ...فوجب الحذر واليقظة.

 ختاما: كله يهون لكن دين الله لا يهون؛ 

إن العمل للدين جهادٌ يحتاج إلى صبرٍ على الناس، وحكمةٍ في الخلاف، وتمسكٍ بالأخوة. فليعلم العاملون أن طريق الدعوة مليءٌ بالشوك، لكن ثمرته الجنة. وما أصدق قول النبي ﷺ: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (رواه ابن ماجة). فلنثبت على المبدأ، ولنكن كالنجوم التي تهتدي بها السفن في ظلمات البحر .

وما يلاقيه العاملون من ضغوطٍ وتحدياتٍ هو جزءٌ من الابتلاء الذي يرفع الدرجات. فلنصبر، ولنتمسك بالأخوة، ولنحرص على وحدة الصف، حتى نحقق النصر الذي وعد الله به عباده الصابرين. قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128).  

فما أجمَل أن نلتقي في الله، ونتفرق في الله، ونبقى إخوةً في الله!

تعليقات

الكلمات الدلالية