img
img

تعليقاً على تصريحات وزير العدل المغربي بشأن إقصاء المرجعية الإسلامية من قانون المسطحة الجنائية

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

تعليقاً على تصريحات وزير العدل المغربي بشأن إقصاء المرجعية الإسلامية من قانون المسطحة الجنائية

أ. د. عصام اشويدر 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

تعليقا على تصريحات وزير العدل المغربي المثير للجدل بشأن إقصاء المرجعية الإسلامية من قانون المسطرة الجنائية 

نقف وقفة تأملية في تاريخ المغرب التشريعي ومرتكزاته الإسلامية التي شكلت هويته عبر القرون. فالمغرب، منذ تأسيس الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، ارتبط تشريعه وقوانينه بالشريعة الإسلامية، التي كانت تشكل العمود الفقري للنظام القانوني والاجتماعي. بل إن الدستور المغربي لسنة 2011 أكد في ديباجته أن المغرب دولة إسلامية، ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.

إن محاولة إقصاء المرجعية الإسلامية من قانون المسطرة الجنائية يعد مخالفًا للدستور المغربي الذي ينص صراحة على أن الإسلام هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.  أن هذا الإقصاء أو الإجهاز على ما تبقى ليس مجرد خطوة قانونية، بل هو محاولة لقطع الصلة بين المغرب وجذوره التاريخية والهوية الإسلامية التي شكلت حضارته وثقافته. فالشريعة الإسلامية لم تكن فقط مصدرًا للتشريع، بل كانت أيضًا إطارًا لحماية حقوق جميع المواطنين، بما في ذلك اليهود المغاربة الذين عاشوا في كنف الدولة المغربية لقرون طويلة في ظل نظام "الذمة" الذي كفل لهم حقوقهم.

ادعاء الوزير بأن إقصاء المرجعية الإسلامية يضمن حقوق اليهود المغاربة يثير تساؤلات كبيرة، فتاريخ المغرب يشهد بأن اليهود عاشوا في أمان وسلام تحت حماية الدولة المغربية التي كانت تحكمها الشريعة الإسلامية. فهل يعني الوزير أن اليهود المغاربة كانوا مضطهدين في ظل القوانين الإسلامية؟ هذا الادعاء لا يستند إلى أي حقائق تاريخية، بل هو تشويه لتاريخ التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب، في ظل نظام عادل.

وإلى وزير العدل إن كنت لا تعلم تاريخ بلدنا نعطيك دراسا فيه فنقول لك أيها الوزبر : 

قبل أن تسعى إلى إقصاء المرجعية الإسلامية من التشريع المغربي، ندعوك إلى التأمل في تاريخ المغرب العريق، وتحديدًا في فصل مشرق من فصول هذا التاريخ، وهو استقبال المغرب لليهود الفارين من محاكم التفتيش الإسبانية في نهاية القرن الخامس عشر. هذا الحدث ليس مجرد قصة من الماضي، بل هو شهادة حية على أن الإسلام والمرجعية الإسلامية كانتا دائمًا مصدرًا للحماية والعدل ونصرة المستضعفين، وليس للاضطهاد أو التهميش.

عندما أصدر الملكان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا مرسوم طرد اليهود من إسبانيا عام 1492، وجد اليهود أنفسهم أمام خيارين: اعتناق المسيحية أو الهروب. وفي خضم هذه المأساة الإنسانية، فتح المغرب أبوابه لهم، ليس كغرباء، بل كمواطنين يتمتعون بالحقوق الكاملة تحت حماية السلاطين المغاربة. لم يكن هذا الفعل مجرد كرم عابر، بل كان نتاجًا لتطبيق القيم الإسلامية التي تحث على حماية أهل الذمة وضمان حقوقهم .

إن محاولة إقصاء المرجعية الإسلامية من التشريع المغربي، تحت ذريعة حماية حقوق اليهود، تتناقض مع تاريخ المغرب نفسه. فالشريعة الإسلامية لم تكن أبدًا عائقًا أمام حقوق اليهود أو غيرهم من الأقليات، بل كانت ضامنة لهذه الحقوق. فاليهود المغاربة عاشوا قرونًا تحت حماية الإسلام.

إن درس التاريخ واضح: المغرب، بمرجعيته الإسلامية، كان دائمًا نموذجًا للتسامح والتعايش. فبدلًا من إقصاء هذه المرجعية، يجب أن نفتخر بها ونستلهم منها قيم العدل والرحمة ونصرة المستضعفين التي جعلت من المغرب ملاذًا للعديد من المضطهدين عبر التاريخ. إقصاء المرجعية الإسلامية ليس فقط خيانة للدستور المغربي، بل هي خيانة لله الذي أمر بتطبيقها ثم خيانة لتاريخ المغرب العريق وقيمه الإنسانية.

الأخطر في تصريحات الوزير هو محاولة اجتثاث المغرب من جذوره التشريعية الإسلامية ، وهي خطوة تخدم أجندات خارجية تهدف إلى تغيير هوية المغرب وتفريغه مما تبقى من مكوناته الحضارية ، فالشريعة الإسلامية ليست مجرد مصدر تشريعي، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية التي يجب الرجوع إليها و الحفاظ عليها.

في الختام، يجب التأكيد على أن المغرب أمة إسلامية بامتياز، وأن الشريعة الإسلامية ستظل مصدرًا رئيسيًا للتشريع فيها. فأي محاولة لطمس هذه الحقيقة هي محاولة لتغيير هوية المغرب وتاريخه، وهو ما لا يمكن السماح به. فالمغرب، بجذوره الإسلامية العريقة، يجب أن يرجع إلى تشريعه الإسلامي السمح الأصيل محافظا على ثوابته ومراعيا للمتغيرات والنوازل بإستنباطات شرعية حكيمة، وليس في الحاجة إلى التخلي عن مرجعيته الإسلامية التي شكلت حضارته وثقافته عبر القرون.

تعليقات