أ.سميحة بنعمر
أمين عام شبكة
الرواد التخصصية ومستشارة منصة المرأة المسلمة ومعلمة تدبر القرآن الكريم
القرآن هو أَجَلُّ نِعْمَةٍ تَفَضَّلَ الرَّحْمَٰنُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ {الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (الرَّحْمَٰنُ: 1-2) فَهُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ وَشِفَاءُ الصُّدُورِ {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (الإِسْرَاءِ: 82).
هُوَ الكِتَابُ الَّذِي لَمْ تُحَرِّفْهُ الأَيْدِي، وَلَمْ تَعْبَثْ بِهِ العُقُولُ، بَلْ حَفِظَهُ اللَّهُ عَبْرَ الأَزْمَانِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحِجْرُ: 9). هُوَ سَبَبُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} (طه: 1-2). قَالَ السَّعْدِيُّ:"إِنَّمَا الوَحْيُ، وَالقُرْآنُ وَالشَّرْعُ، شَرَعَهُ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ، وَجَعَلَهُ مُوَصِّلًا لِلسَّعَادَةِ، وَالفَلَاحِ، وَالفَوْزِ، وَسَهَّلَهُ غَايَةَ التَّسْهِيلِ، وَيَسَّرَ كُلَّ طُرُقِهِ وَأَبْوَابِهِ، وَجَعَلَهُ غِذَاءَ القُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ".
وَهُوَ خَيْرُ جَلِيسٍ لَا يُمَلُّ حَدِيثُهُ، بَلْ يَزْدَادُ بِهِ القَلْبُ طُمَأْنِينَةً، كَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ:"وَخَيْرُ جَلِيسٍ لَا يُمَلُّ حَدِيثُهُ ** وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجْمُّلَا".
القُرْآنُ الكَرِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابٍ يُقْرَأُ أَوْ نُصُوصٍ تُتْلَى، بَلْ هُوَ النُّورُ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ القُلُوبُ، وَالحِكْمَةُ الَّتِي اهْتَدَى بِهَا البَشَرُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ الَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ.
هُوَ مُعْجِزَةٌ خَالِدَةٌ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هِدَايَةً لِلبَشَرِيَّةِ، وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالضَّلَالِ.
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 38)
قال السعدي: "فمن تبع هداي منكم بأن آمن برسلي وكتبي واهتدى بهم وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب والامتثال للأمر والاجتناب للنهي.{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وفي آية سورة طه: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}
فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن (والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن وإن كان منتظرا أحدث الخوف) فنفاهما عمن اتبع الهدى وإذا انتفيا ثبت ضدهما وهو الهدى والسعادة. قُلْ لِلْمُتَجَرِّئِ عَلَى النُّورِ: كَفَاكَ عَبَثًا، فَكَيْفَ لِنُورِ اللَّهِ أَنْ يُطْفِئَهُ نَفْخُكَ؟! قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8).
{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} ذَكِّرْهُمْ بِخَبَرِ مَنْ أَحْرَقَ القُرْآنَ كَيْفَ كَانَ حَالُهُ وَكَيْفَ كَانَ مَآلُهُ؟
"السُّلُطَاتُ السُّوِيدِيَّةُ تُحْرِقُ جُثَّةَ سِلْوَان مُومِيكَا مُحْرِقِ المُصْحَفِ لِعَدَمِ وُجُودِ عَائِلَةٍ تُطَالِبُ بِهَا". {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} (الرُّومُ: 10). وَلَكِنَّ القَوْمَ لَا يَعْقِلُونَ !! {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الأَنْعَامُ: 44).
يُقْبِلُ عَلَيْنَا شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرُ القُرْآنِ، وَالأَسْهُمُ مُوَجَّهَةٌ إِلَى الأُمَّةِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، فَمَا لَكِ يَا أُمَّتِي مِنْ مَلْجَأٍ إِلَّا القُرْآنُ، فَلْيَكُنْ زَادَنَا لِقَطْعِ الرِّحْلَةِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
رَمَضَانُ فُرْصَةٌ لِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ وَتَزْكِيَتِهَا عَلَى مَعَانِي الصَّبْرِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَمَا يُجَاهِدُ المُسْلِمُ شَهَوَاتِهِ بِالصِّيَامِ، يُجَاهِدُ أَعْدَاءَ الأُمَّةِ بِالتَّمَسُّكِ بِمَبَادِئِ القُرْآنِ وَتَعَالِيمِهِ.
{وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفُرْقَانُ: 52). القُرْآنُ هُوَ المَنْهَجُ الوَاضِحُ الَّذِي تَسْتَرْشِدُ بِهِ الأُمَّةُ لِدَفْعِ كَيْدِ الكَائِدِينَ مِنْ خِلَالِ وَحْدَةِ الصَّفِّ وَتَرْبِيَةِ أَبْنَائِهَا عَلَى خُلُقِ القُرْآنِ، وَهِيَ أُسُسُ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ بِإِذْنِ رَبِّ العَالَمِينَ.
{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} ذَكِّرْهُمْ كَيْفَ كَانَ القُرْآنُ سَنَدَ إِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ: كَانُوا يَتَنَفَّسُونَ قُرْآنًا، فَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ عِزَّةً وَكَرَامَةً وَصُمُودًا مُنْقَطِعَ النَّظِيرِ، وَضَرَبُوا لِلْأُمَّةِ أَرْوَعَ تَطْبِيقٍ عَمَلِيٍّ فِي دَوْرِ القُرْآنِ فِي صُنْعِ نَصْرٍ عَظِيمٍ!!
اكتب مراجعة عامة