الدكتور محمد نور غازي حميدي
دكتور في القانون الدولي ومحاضر في الجامعات السورية
حرية التعبير احدى حريات الانسان الأساسية في الحياة وقد اكدتها جميع الاتفاقيات الدولية والإقليمية حول العالم على الرغم من ذلك لا تعتبر من الحريات المطلقة انما هي مجموعة من القيود والمحددات وتعني حق الانسان ان يعلق على الافكار التي تجول في خاطره وعن قناعاته المختلفة التي يعتقد ان فيها مصلحة له ولغيره ولمجتمعه وقد صانها الإعلان العالمي لحقوق الانسان بالمادة 19 التي تنص ان لكل فرد الحق في حرية الراي والتعبير وهي جزء من الديموقراطية وتسهم في تحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي وترتكز على
1 -حرية الفرد في اعتناق الآراء دون أي تدخل من جهة أخرى
2 -حرية تلقي الاخبار والأفكار المختلفة واذاعتها باي وسيلة كانت
3 -حرية تناقل الاخبار دون التقيد بالحدود الجغرافية وتشمل حرية التعبير
وحرية التعبير بالإسلام فقد دعى الإسلام اليها في مصدريه القران والسنه الى استعمال الفكر والعقل في جميع أمور الدين والدنيا وبضرورة تحمل الانسان مسؤولية قراره في اختيار الطريق السليم وتجلى ذلك بقوله تعالى(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب ) ال عمران ايه 190
وكذلك قوله تعالى (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون)يونس ايه 24
وقوله ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)النمل ايه 12
وقد مارس المسلمون هذا الحق في عهد النبوة واثناء الخلافة الرشيدة ولم يمنع الإسلام ظاهرة المعارضة او الخلاف بالراي وقد شملت ايضا
1- الحرية الفكرية ومعناها افساح المجال لكل انسان ان يفكر ويعبر عن وجهة نظره بمنتهى الشفافية في القضايا العامة والخاصة وتجلى ذلك في قوله تعالى (ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب )ال عمران 190
2- الحرية العلمية وهي مكفوله بالإسلام كقوله تعالى (افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت) الغاشية 17_20
3 الحرية السياسية هي حق الفرد بالمشاركة في شؤون تدبير قضايا الحكم وإدارة البلاد
4 الحرية الدينية حق للإنسان في اختيار عقيدته كقوله تعالى ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) الكهف ايه 49
ولقد صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي في اجتماعها بالقاهرة في 14/1/ 1411هـ البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإسلام ، وتضمنت المادة الثانية والعشرون منه : ( لكل إنسان الحق في التعبير بحريّة عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية ، ولكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية ).
فمفهوم الحرية من المنظور الإسلامي يتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة ، لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد فيها غير مرتبط بالآخرين ، وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه ، وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته ، فإذا كانت الحرية من منطلق الحقوق فقط دون الواجبات كان عدم التوازن في الحياة.
وقد حرص الإسلام على تطبيق مبدأ الحرية في هذه الحدود وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة ، وأخذ به في جميع القضايا التي تقتضى كرامة الفرد في شؤونها وهي المناحي المدنية والدينية ومناحي التفكير والتعبير ، ومناحي السياسة والحكم حتى وصل إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديمة وحديثه.
فالإسلام يقرر أن إنسانية الإنسان هي رهن حريته إذ لا يمكن أن تتحقق إنسانيته بدون حريته ، فإن تحكم الآخرين عليه باستعباده بغير صورة شرعية وتدخلهم في شؤون حياته فيه إلغاء لحقوقه ، فهو من منطلق هذا يعيش حياته آمناً على نفسه وأهله ولا يخشى عدوان حاكم ولا بطش ظالم.
وحرية الكلام والتعبير حق فطري ، لأن التعبير عما في الضمير فطرة فُطِرَ عليها الإنسان يعسر ، بل يتعذر إمساكه عنها ، فكان الأصل أن لكل إنسان أن يقول ويحاور ويناقش ولا يمسكه عن ذلك إلا وازع الدين بأن لا يقول لغواً أو ينطق باطلاً.
إنّ حرية التعبير الحق هي التي تحافظ على حقوق الآخرين ، وأمّا التصرفات التي تصدر دون مراعاة حقوق الآخرين فهي الفوضى التي تؤدي إلى اختلال التوازن في موازين الحياة واحترام الآخر ، واحترام حقوقه لا يتأتى إلا من حرية التعبير التي تعتمد مبادئ الأخلاق وآداب الإسلام الذي يعني عدم مصادرة آراء الآخرين وإيذائهم ، وإن كانت مخالفة ، لكن غير مسيئة للآخرين ومعتقداتهم إنّ حرية التعبير التي تنطلق من هذه الضوابط والمحددات لها ثمار كثيرة ، منها :
أولاً: أنها تعمق الثقة بين أفراد الأمة.
فإن الوضوح يقتل الخلاف ، والمصارحة تقضي على الدس والوقيعة ، والصدق يعمر القلوب بالألفة والمحبة.
ثانياً: قوة بناء الأمة وتماسكها.
فإن احتكاك الآراء وتعاون الناس يولد القرب بينهم ، وتلاقح الأفكار يولّد التنوُّر والتقدم الحضاري ، فيتشاورن ويتناصحون ، وهذا يزيد من تماسكهم وتضامنهم لأن الاحتكاك بين المؤمنين يولّد نوراً ولا ريب أن اجتماع المواهب وتعاضدها يؤدي إلى خير كثير ، وهذا بخلاف الخوف والكبت فإنهما يولدان التفكك والشك والريبة.
ثالثاً: إن المرء متى أُعطِي الفرصة لإبداء رأيه في تقرير مصيره والمشاركة في صناعة القرار أدى ذلك إلى رقي في الأمة وتقدمها.
فإننا نجني من وراء حرية التعبير الأفكار النيرة والآراء الصائبة ، فلا تقدم الأمة على أمر إلا وتكون قد عرفت مصالحه وأدركت منافعه.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ووفقنا لصالح الاعمال
اكتب مراجعة عامة