img
img

الوحدة والتنوع: رؤية جديدة للحوار الوطني وإعادة بناء سوريا

img
منصة ساند الإعلامية

الوحدة والتنوع: رؤية جديدة للحوار الوطني وإعادة بناء سوريا

في قلب الأزمة السورية، حيث تخلفت سنوات الصراع عن استقرار البلاد وأدت إلى تآكل الثقة بين مكوناتها المختلفة، برز الحوار الوطني كأداة استراتيجية لإعادة بناء الدولة. إن تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني جاء في إطار سعي سياسي واجتماعي جاد لتجسيد آمال الشعب السوري في وحدة وطنية شاملة، تقوم على مبدأ الشمولية والتمثيل المتوازن لكافة فئات المجتمع. هذا المقال يتناول الرؤية الجديدة التي يحملها الحوار الوطني، ويعرض كيف يمكن للوحدة والتنوع أن يشكلا ركيزتين أساسيتين لإرساء مستقبل أكثر استقراراً في سوريا، مع إيلاء اهتمام خاص بالمحافظات والأقليات.

1. الرؤية والمهام الأساسية للجنة التحضيرية

 

تلعب اللجنة التحضيرية دور المحرك الرئيسي في تنظيم الحوار الوطني عبر إعداد آليات شاملة ترتكز على مبادئ الشفافية والحيادية. يتجلى ذلك في عدة مهام رئيسية:

وضع جدول أعمال استراتيجي: حيث يشمل النقاش قضايا محورية مثل صياغة دستور جديد يضمن العدالة والمساواة، وتحقيق العدالة الانتقالية التي تُعيد حقوق الضحايا، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة تعكس إرادة الشعب.

ضمان التمثيل العادل: من خلال اختيار ممثلين من كافة شرائح المجتمع السوري، دون اللجوء إلى المحاصصة الطائفية، بل بما يعكس التنوع الديموغرافي والثقافي للبلاد. وهذا يشمل إيلاء اهتمام خاص للمحافظات الأربع عشرة التي تشكل النسيج الجغرافي لسوريا.

تنظيم فعاليات ميدانية: تُعنى اللجنة بإجراء زيارات ميدانية لكل محافظة لاستقصاء خصوصياتها ومتطلباتها، مما يضمن أن تكون آليات الحوار متوافقة مع احتياجات كل منطقة، سواء كانت حضرية أو ريفية.

 

كما تضع اللجنة معايير اختيار المشاركين على أساس الوطنية والتأثير والتخصص، لتكون اللجنة نموذجاً يعكس التجارب الناجحة في دول أخرى مثل تجربة تونس التي أثبتت أن إشراك المجتمع المدني وصناع القرار في حوار بناء يمكن أن يحقق نتائج ملموسة على المستوى الوطني.

2. تمثيل التنوع وإشراك المحافظات والأقليات

 

يُعد تمثيل المحافظات والأقليات حجر الزاوية في نجاح الحوار الوطني. فتنوع سوريا لا يقتصر على الحدود الجغرافية فحسب، بل يشمل أيضاً ثراء ثقافياً وتعدد هويات تُعد مصدر قوة للوحدة الوطنية. يتجلى ذلك في النقاط التالية:

التنوع الجغرافي والثقافي: يُثري الحوار الوطني بمجموعة واسعة من الرؤى والتجارب، ما يساهم في صياغة حلول تتناسب مع الاحتياجات المتفاوتة لكل منطقة. فكل محافظة تحمل تاريخها وتركيبتها الاجتماعية الخاصة التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

إدماج الفئات المهمشة: تعتبر الأقليات، سواء كانت عرقية أو دينية، جزءاً لا يتجزأ من النسيج السوري. إدماجهم في الحوار الوطني يضمن ألا يُترك أحدٌ على هامش العملية السياسية، مما يعزز الشعور بالانتماء والوحدة.

التجارب الدولية الملهمة: يُمكن الاستفادة من التجارب الناجحة مثل الحوار جنوب إفريقيا و التونسي الذي ساهم في تجاوز الانقسامات وإرساء قواعد نظام سياسي جديد. هذه التجارب تؤكد أن الشمولية في تمثيل كافة الأصوات هي السبيل لتحقيق تحول حقيقي ومستدام.

3. التحديات في طريق المصالحة الوطنية

 

على الرغم من الرؤية الواضحة والمهام الطموحة للجنة، إلا أن الطريق إلى تحقيق المصالحة الوطنية يكتنف عدة تحديات معقدة:

الانقسامات السياسية والاجتماعية العميقة: خلفها سنوات طويلة من الصراع أدت إلى انقسام المجتمع السوري إلى فصائل متباينة ذات توجهات أيديولوجية وطائفية مختلفة، مما يجعل تقريب وجهات النظر عملية شاقة.

ضعف الثقة بين الأطراف: بعد معاناة طويلة، أصبح بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع أمراً بالغ الصعوبة. تحتاج اللجنة إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة الثقة بين المواطنين والحكومة، مما يستلزم شراكة فاعلة مع المجتمع المدني.

التدخلات الخارجية: تُعد التدخلات الإقليمية والدولية عاملاً معقداً، حيث تسعى بعض الجهات إلى توجيه مسار الحوار بما يخدم أجنداتها. لذا، فإن الحفاظ على استقلالية وشفافية العملية الحوارية يمثل تحدياً رئيسياً.

قضية شمال شرق سوريا:  التي تتسيطرة عليها " قسد" هو الخلاف حول مطالب بالحكم الذاتي في هذه المنطقة أحد أبرز التحديات. يتطلب إيجاد حل وسط يضمن حقوق جميع الأطراف مع الحفاظ على وحدة الأراضي وسيادة الدولة ولا يوجد بسوريا أي حكم ذاتي لأي مكون ان كان عسكري او سياسي او اجتماعي .سوريا الجديدة تشاركية تتضمن ضمان الحريات الثقافية واللغوية دون المساس بالوحدة الوطنية.

4. آفاق مستقبلية: بناء استقرار دائم وإصلاح شامل

 

إذا تمكنت اللجنة من تجاوز التحديات الراهنة وتنفيذ آليات الحوار بشكل فعّال، فإن النتائج المتوقعة قد تفتح آفاقاً واسعة لمستقبل سوريا:

تحقيق مصالحة وطنية شاملة: من خلال تقارب وجهات النظر وبناء جسر من الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، ما يؤدي إلى إنهاء مرحلة الانقسام والاحتكاك.

إرساء أسس نظام سياسي ديمقراطي: يقوم على مبادئ العدالة، المشاركة، والشفافية، مما يعزز الشرعية السياسية ويسهم في استقرار البلاد.

تشجيع الاستثمارات وإعادة الإعمار: إن استقرار الوضع السياسي سيخلق بيئة ملائمة لجذب الاستثمارات المحلية والدولية، ويسهم في تسريع وتيرة إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد الوطني.

نموذج يحتذى به في المنطقة: قد يصبح نجاح الحوار الوطني السوري نموذجاً يُحتذى به في دول أخرى تعاني من نزاعات مماثلة، مما يعزز مكانة سوريا على الصعيد الإقليمي والدولي.

الخاتمة

 

يعتبر الحوار الوطني بقيادة اللجنة التحضيرية فرصة استثنائية لإعادة تشكيل مستقبل سوريا على أسس جديدة تقوم على الوحدة والتنوع. إذ تمثل الشمولية في تمثيل كافة الفئات – سواء كانت محافظات أو أقليات – عنصراً أساسياً في بناء دولة ديمقراطية قادرة على تجاوز أزمات الماضي. ومن خلال تنظيم آليات حوارية شفافة ومستقلة، يمكن تحويل الصراعات القديمة إلى فرص للإصلاح وبناء مستقبل مشرق يستند إلى الثقة والعدالة.

 

إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إرادة سياسية قوية، والتزاماً من جميع الأطراف، بالإضافة إلى دعم المجتمع الدولي. فالنجاح في إدارة الحوار الوطني لن يكون مجرد خطوة نحو إنهاء الصراع، بل بداية لمسار طويل من الإصلاحات الهيكلية التي تُعيد لسوريا مكانتها كدولة قائمة على مبادئ الديمقراطية والتعايش السلمي. في نهاية المطاف، تبقى الوحدة والتنوع هما الطريق لتحقيق تحول شامل يُعيد الأمل والثقة إلى شعبٍ طال انتظاره للخروج من ظلال الأزمة واستقبال مستقبل أفضل.

بهذا الشكل، يقدم المقال رؤية متكاملة ومفصلة للحوار الوطني في سوريا، تُبرز التحديات والفرص، وتؤكد على أهمية إشراك كافة مكونات المجتمع لتحقيق مصالحة وطنية شاملة ومستقبل مزدهر.

كتبه : 
جميل العبدالله : باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

تعليقات