img
img

رسالة إلى العالم فلسفة وطنية حقيقية لبناء مستقبل مشترك

img
منصة تمكين العمل الإنساني

رسالة إلى العالم فلسفة وطنية حقيقية لبناء مستقبل مشترك

دكتور ياسر قطب

خبير في الإدارة والقيادة والتطوير المؤسسي.

هذه الرؤية الفلسفية تستند إلى تحليل عميق لمفهوم الوطنية وتأثيرها على الوعي الفردي والجماعي، حيث تتجاوز الفهم التقليدي للوطنية لتطرح منظورًا أكثر عقلانية وإنسانية، يقوم على تحقيق الخير المشترك بدلًا من الانغلاق القومي.

نقد الوطنية التقليدية

تُقدم الوطنية في كثير من الأحيان كقيمة أخلاقية عليا، تجعل الأفراد يعتقدون أن حب الوطن مرتبط بتفضيله على غيره من الأوطان، وكأن الشعوب في حالة تنافس دائم على التفوق ، غير أن هذه النظرة تؤدي إلى ترسيخ النزاعات وإضعاف فرص التعايش والتعاون الدولي ، فالوطنية التي تقوم على التعصب والانغلاق لا تخدم الإنسان بقدر ما تعزز الانقسامات وتبرر الصراعات.  

الوطنية بين الحقائق والأوهام

إن الشعور الوطني ليس بالضرورة شعورًا قائمًا على العدالة والخير، بل قد يُستخدم كوسيلة لتحفيز النزاعات وتبرير الاستعمار والحروب تحت مسميات متعددة مثل "حماية الوطن" أو "الحفاظ على الهوية القومية". وبدلًا من أن تكون الوطنية دافعًا للتقدم، قد تتحول إلى أداة تُستخدم لإقصاء الآخر، ورفض أي شكل من أشكال التعاون خارج الحدود الجغرافية للدولة.  

التمييز بين الوطنية الحقيقية والوطنية الزائفة

هناك فرق جوهري بين الوطنية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والمصالح الإنسانية العامة، والوطنية التي تؤدي إلى الاعتقاد بأن تفوق الدولة أو الشعب على الآخرين أمر مشروع ، الأولى تنطلق من رؤية تعاونية قائمة على المصالح المشتركة، بينما الثانية تُكرس التحيز القومي، ما يؤدي إلى خلق صراعات دائمة بين الشعوب.  

الوطنية وعلاقتها بالخير الحقيقي

يتبادر هنا سؤال جوهري: هل يمكن أن يكون الخير محصورًا في دولة معينة أم أنه قيمة يجب أن تكون شاملة للبشرية؟ إن الخير الحقيقي لا يُحدد وفقًا للحدود الجغرافية، بل يجب أن يكون مفهومًا عالميًا يسهم في تحسين حياة الجميع ، فإذا تحولت الوطنية إلى عائق يمنع الإنسان من رؤية الخير في الآخرين، فهي ليست سوى أداة لتعزيز الانقسامات وتقييد الفكر الحر.  

الوطنية كخرافة اجتماعية

إن الوطنية، كما يتم تعليمها في كثير من المجتمعات، ليست سوى فكرة مُعلَّبة تُلقَّن للأفراد منذ الصغر لتجعلهم يرون أوطانهم ككيانات متفوقة، دون وجود منطق واضح لهذا الاعتقاد. هذه الخرافة تجعل الأفراد يتبعون سياسات حكوماتهم دون تفكير نقدي، مما يمنح الأنظمة سلطة أخلاقية غير مبررة، حتى لو كانت تلك السياسات تضر بمصالحهم الحقيقية.  

الوطنية والسلام العالمي 

عند دراسة دور الوطنية في السياق التاريخي، نجد أنها كانت سببًا رئيسيًا للكثير من الحروب والصراعات، حيث استُخدمت لتبرير التوسع العسكري والاستعمار. إن تعزيز النزعة القومية والانغلاق على الذات يؤدي إلى إضعاف فرص السلام، ويجعل الشعوب في حالة عداء دائم بدلًا من بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.  

خاتمة: الوطنية التي أؤمن بها

إن الوطنية التي أدعو إليها ليست الوطنية التي تعزز التحيز أو تخلق العداء بين الشعوب، وليست تلك التي تعتمد على الشعارات الجوفاء أو المشاعر الانفعالية العابرة. بل هي وطنية تقوم على الوعي والمسؤولية والعمل المشترك من أجل بناء مجتمع أكثر عدالة وازدهارًا. 

الوطنية الحقيقية في نظري هي التفاني في خدمة الوطن من خلال العلم والعمل والإبداع، مع الانفتاح على العالم بروح التعاون والتكامل، لا بروح الصراع والاستعلاء. إنها الوطنية التي تعزز احترام حقوق الإنسان، وترسخ القيم الأخلاقية، وتسعى لتحقيق الخير المشترك دون المساس بحقوق الآخرين.

فالوطنية التي أؤمن بها ليست قيدًا فكريًا، بل دافعًا للتطوير والتقدم، وأداةً لتحقيق نهضة حقيقية تجعل الوطن مساهمًا فاعلًا في الحضارة الإنسانية، لا مجرد كيان منعزل يعيش على أمجاد الماضي. هذه الوطنية تقوم على العمل والإنجاز، لا على الادعاءات والتمييز، وعلى احترام جميع الشعوب، لا على بناء الحواجز والانغلاق.

الوطنية الحقيقية ليست في رفع الأعلام فقط، بل في رفع القيم والمبادئ التي تجعل الأوطان أكثر إنسانية وعدلًا.

تعليقات

الكلمات الدلالية