img
img

دور المالية الإسلامية في تمويل مشاريع التنمية وإعادة الإعمار ومعالجة عجز الموازنة سوريا نموذجاً

img
منصة الإدارة و الاقتصاد الإسلامي

دور المالية الإسلامية في تمويل مشاريع التنمية وإعادة الإعمار ومعالجة عجز الموازنة سوريا نموذجاً

الدكتور أنس إبراهيم جاموس

دكتوراه مالية إسلامية

تمهيد :

تلعب المالية الإسلامية دورًا مهما في التنمية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في العديد من الدول ، بحيث أنها تساهم في تعزيز الاستقرار المالي وتوفر فرصًا تمويلية للأفراد والشركات ، وذلك وفق قوانين الشريعة الإسلامية الشيء الذي يميزها عن نظيرتها التقليدية ، ويجعلها من أفضل الطرق التمويلية وأنسبها ، فهي تقوم بمجموعة من الأدوار الرئيسية . والمتمثلة في تمويل المشاريع الاقتصادية من خلال توفيرها لوسائل تمويلية للشركات والمشاريع الاقتصادية وفق مبادئ الشريعة الإسلامية الشيء الذي يسهم في تعزيز نمو القطاع الخاص ويعمل على توفير فرص الشغل وتشجيع الاقتصاد المحلي .

الإعمار في الفكر الإسلامي :

شاع فى الفكر الإسلامي مصطلح العمارة أو التعمير، حيث غلب استخدامه في المجال الاقتصادى فيقول تعالى : ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . هود / ٦١ )  نلحظ في الآية الكريمة طلبًا للعمارة ، فالسين والتاء في (واستعمركم ) للطلب ، والطلب المطلق من الله يكون على سبيل الوجوب ، وفى تلك الآية يقول الإمام الجصاص ، إن في ذلك دلالة على وجوب عمارة الأرض بالزراعة والغرس والأبنية  

 ومعنى ذلك أن لفظ العمارة أو التعمير يحمل مضمون التنمية الاقتصادية ، وقد يزيد عنها ، فهو نهوض فى مختلف مجالات الحياة الإنسانية وإن تناول بصفة أولية جوانب التنمية الاقتصادية بمعناها المتعارف عليه في علم الاقتصاد والذي لا يخرج في خطوطه العامة عن تعظيم عمليات الانتاج المختلفة  .

ومن ذلك قول عمر بن الخطاب : ( من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها ) هنا نجد أهمية الإعمار .

ومن ذلك أيضاً قول على بن أبي طالب لنائبه على مصر : ( وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استخراج الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد )  .

ومحل الشاهد هنا هو ظهور هذا المصطلح دالًا على كل عملية اقتصادية تهدف إلى رفع مستوى الدخل .

 والإنسان بوصفه خليفة الله عز وجل في أرضه؛ حيث أن المال والموارد كلها لله تعالى سخرها للإنسان المكرم يستعملها وينتفع بها، وبذلك في الإنسانُ مُسْتَخْلَفٌ في هذا المال، وعليه أن يتصرف فيه بمقتضى شروط عقد الاستخلاف؛ والتي منها :

- ضرورة تنمية هذا المال بالعمل الصالح الذي يُحقق عمارة الأرض.

- وأن يؤدي الحقوق المترتبة عليه فيه كالزكاة والصدقات مثلاً. 

- قصد تحقيق عدالة التصرف في المال،

- وإقامة التكافل الاجتماعي

- وضمان الاستخدام الأكفأ للموارد .

 التنمية في الفكر الإسلامي

 ينطلق التصور الإسلامي للتنمية الذي ركز عليه الفقهاء والباحثون في الاقتصاد الاسلامي من أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون واستخلف الانسان في الأرض ليقوم بمهمة الإعمار وفق شريعته "هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها " أي خلق لكم الارض لتقوموا بعمارتها وإعمارها وتزرعوها وتستخرجوا معادنها. ومن هنا فإن هذا التصور هو شمولي يربط بين الكون والانسان بحيث لم يكتف الدين الاسلامي بالحث على التنمية بل جعلها مرتبطة بالجانب الأخروي كما قال الله تعالى ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (يونس، الآية 14)فهي تنمية أخلاقية روحية تعبدية تهدف إلى تنمية الإنسان وتكوينه كنواة الأساس لمجتمع يرتكز على الرقي الحضاري والمادي من منطلق الإستخلاف والعمارة. وكان محل اهتمام الكثير من الباحثين والفقهاء بحيث يرون أن التنمية ليست عملية الإنتاج والاستثمار بل هي عملية كفاية الإنتاج وعدالة التوزيع وأنها لا تقتصر على توفير الجانب المادي فيها بتلبية حاجيات الانسان والمجتمع بل تهتم بتحسين الظروف الاجتماعية والانسانية حتى في جوانبها الروحية بغية الوصول إلي إشباع الحاجات وتلبية المتطلبات اللازمة لإقامة مجتمع انساني وفق منهج الشريعة الإسلامية.

إن المالية الإسلامية اليوم اتضحت أنها من الأدوات المهمة التي تعطي فعالية أكثر في المشاريع التنموية على مستوى العالم ، فالعديد من الأسواق المالية العالمية اتضح لها ما للمالية الإسلامية من فاعلية كونها تجمع بين العقلانية والمبادئ الشرعية فزاوجت بين الاثنين مما جعلها تنفرد عن نظيراتها الأخرى، الشيء الذي جعل بعض الدول الإسلامية تتخذها سبيلًا لمكافحة بعض التحديات التي تواجه الأمة من قبيل الفقر وغيرها من المشاكل الاجتماعية لما حققته المالية الإسلامية من نجاح على جميع المستويات، فشغلها الشاغل هو تعبئة الموارد وتوظيفها في مشاريع تنموية تراوح بين المبادئ الشرعية ورغبة الزبون، مستبعدة في ذلك كل الطرق المحرمة كالربا ، لتحقيق الرفاهية للمجتمع المسلم وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة العادلة وزرع أسس التكافل الاجتماعي .

واقع الاقتصاد السوري في المرحلة الانتقالية


يمثل التعافي الاقتصادي لسوريا تحديًا استثنائيًا في تاريخ إعادة إعمار الدول في العصر الحديث. فالأزمة السورية لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل أدت إلى تفكك شامل للنسيج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. قبل الأزمة ، كانت سوريا تتمتع باقتصاد متنوع نسبيا ، يجمع بين الزراعة والصناعة والتجارة ، مع موقع استراتيجي يؤهلها لدور محوري في المنطقة ، لكن سنوات الصراع أدت إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية ، وتشتت رأس المال البشري ، وانهيار العملة الوطنية ، وتفكك المؤسسات الاقتصادية.


يواجه الاقتصاد السوري تحديات جسيمة بعد سنوات من الصراع ، أهمها انهيار البنية التحتية في المراكز الصناعية والتجارية الرئيسية ، تدهور حاد في قيمة العملة وتضخم مفرط ، وتعطل الإنتاج الزراعي في المناطق الحيوية، وتشظي المناطق الاقتصادية تحت سيطرات مختلفة، وهجرة الكفاءات وفقدان القوى العاملة الماهرة، وتدهور الخدمات والمرافق العامة، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية ومحدودية الوصول للتمويل الدولي.

 وتواجه سوريا تحديا مزدوجا : إعادة بناء ما دُمر، وفي الوقت نفسه تحديث وتطوير الاقتصاد ليتواكب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. هذا التحدي يتطلب رؤية شاملة تجمع بين الواقعية في التعامل مع الظروف الراهنة، والطموح في استشراف المستقبل، كما يتطلب توازنا دقيقا بين الاحتياجات العاجلة للسكان وضرورات التنمية المستدامة طويلة المدى.

 وتتمثل أولويات المرحلة الانتقالية في الجانب الاقتصادي عدة نقاط أهمها:

- إجراءات الاستقرار النقدي الفوري متمثلا في توحيد السياسة النقدية وتثبيت العملة ، وإنشاء مجلس نقد موحد للإشراف على السياسة النقدية ، ووضع خطة تدريجية لتوحيد العملة في جميع المناطق السورية ، وتأسيس احتياطي نقدي طارئ بدعم إقليمي ودولي، وتنظيم عمل الصرافين ومكاتب التحويل ، ووضع ضوابط مؤقتة لحركة رؤوس الأموال عبر الحدود ، وإعادة هيكلة البنك المركزي وتعزيز استقلاليته.

- تأمين سلاسل إمداد السلع الأساسية متمثلة في إنشاء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية (غذاء، دواء، وقود)، وتفعيل نظام بطاقة تموينية ذكية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وإقامة جسور جوية وبرية طارئة لاستيراد الاحتياجات العاجلة ، وتنسيق مع دول الجوار لتسهيل حركة البضائع الأساسية ، وإنشاء مراكز توزيع محلية في كل المحافظات، وتفعيل دور القطاع الخاص في سلاسل التوريد.

- استعادة الخدمات الأساسية متمثلة في خطة طوارئ لإصلاح محطات الكهرباء الرئيسية ، وتأهيل سريع لشبكات المياه ومحطات المعالجة ، وإصلاح عاجل لمنظومة توزيع المشتقات النفطية، واستعادة خدمات الاتصالات والإنترنت الأساسية ، وتأمين خدمات الطوارئ الطبية في كل المناطق ، وإعادة تشغيل مرافق النظافة والخدمات البلدية.

- تفعيل الإدارة المحلية الاقتصادية متمثلة في تشكيل مجالس اقتصادية محلية في كل محافظة، وتفويض صلاحيات اقتصادية عاجلة للإدارات المحلية ، وإنشاء غرف عمليات اقتصادية مشتركة بين المحافظات، وتنسيق الجهود بين السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، وتفعيل دور المجتمع المدني في إدارة الأزمات المحلية، وإنشاء نظام معلومات اقتصادي موحد بين المحافظات.

- إجراءات مالية عاجلة متمثلة في تجميد الديون المتعثرة مؤقتا، وإطلاق برامج تمويل طارئة للمشاريع الصغيرة، وتسهيل عمليات التحويل المالي الداخلية، ووضع آليات سريعة لتسوية المدفوعات الحكومية، وتفعيل نظام مصرفي مبسط للمعاملات اليومية، وإنشاء صندوق طوارئ لدعم الأسر المتضررة.

- ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار من خلال تشكيل لجان رقابة أسعار في الأسواق الرئيسية، ومكافحة الاحتكار والمضاربة في السلع الأساسية، وتنظيم آليات التسعير للسلع الضرورية، وإنشاء منافذ بيع حكومية مؤقتة، ودعم التجار الملتزمين بضوابط التسعير، وتفعيل دور جمعيات حماية المستهلك.

هذه الإجراءات تمثل الحد الأدنى المطلوب لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الأولي، وينبغي تنفيذها بشكل متوازٍ ومتناسق مع مراعاة الظروف المحلية لكل منطقة. كما يجب أن تكون هذه الإجراءات مرنة وقابلة للتكيف مع المتغيرات على الأرض.  

 وفيما يلي بيان لدور المنتجات المالية الإسلامية وأدواتها في معالجة هذه الأزمات الاقتصادية .

 أدوات المالية الإسلامية في التنمية :

1- الصكوك ودورها في التنمية ومعالجة مشكلة عجز ميزانية الدولة :

أن الدولة التي تتعرض للعديد من الأزمات كالحروب مثلاً تفرز أعباء مالية على الموازنة العامة ؛ مما يؤدي إلى تصاعد منحنى الانفاق العام، في الوقت الذي تتسم فيه الإيرادات بالتذبذب والانخفاض أحياناً. ناهيك عن ضعف الفرص الاستثمارية المحلية واعتماد القطاع الخاص على الدعم الحكومي: مما يعيق كل مؤشرات التنمية.

 تعتبر مشكلة عجز الخزينة من بين المشاكل التي تؤرق الكثير من الدول ،لكونها تكبح جماحها 

في التنمية وتحقيق الأهداف المسطرة في برامجها وموازناتها العامة السنوية وهذا برغم من وجود أدوات مالية ونقدية متنوعة لمعالجتها مثل : إصدار أذونات الخزينة ، والاقتراض من البنك المركزي ، والاستدانة من الداخل أو الخارج ، وطبع الأوراق النقدية بدون غطاء. ورغم هذا كله وجدت الدول نفسها غير قادرة تماما على تمويل ذلك العجز باستعمال هذه الأدوات في الكثير من الأحيان مما استدعى منها البحث عن أدوات أخرى أو أدوات بديلة قادرة على معالجة هذا العجز.

ويعرف "العجز" الموازني  بأنه هو عبارة عن رصيد موازني سالب بحيث نفقات الدولة تكون أعلى من إيراداتها . 

 وتعتبر ظاهرة العجز بالموازنة العامة ظاهرة مركبة معقدة، تعود إلى شبكة معقدة

من العوامل والمؤثرات التي تسهم في حدوث العجز وتفاقمه، وهي عوامل ومؤثرات بعضها يعود الى التغيرات التي تحدث في النفقات العامة، وبعضها الآخر يتعلق بالتغيرات التي تحدث في الموارد العامة للدولة، وبمعنى آخر فإن العامل الأول لحدوث عجز الموازنة العامة يتمثل في تزايد معدلات نمو النفقات العامة من ناحية؛ لأسباب متنوعة منها ما هو ضروري كنتيجة لظروف طارئة، مثل: الكوارث الطبيعية أو الحروب... ومنها ما هو غير ضروري في معظم الأحيان كالنفقات المبالغ فيها في المباني الفاخرة، والاحتفالات.... وغيرها من النفقات التي تتحمل عينها الموازنة العامة، أما العامل الثاني فيتمثل في تباطؤ معدلات نمو الإيرادات العامة من جهة أخرى .

وقد أثبتت الأساليب التقليدية فشلها في تمويل عجز الموازنة، من خلال إحداث أزمات محلية ودولية على رأسها أزمة الديون السيادية ، تقترح الهندسة المالية الإسلامية آليات لاستقطاب الأموال من الأفراد والمؤسسات ؛ ليتم توجيهها لتمويل الميزانية العامة وفي إطار البحث عن الحلول قدمت الهندسة المالية الإسلامية ما يصطلح عليه بالصكوك والتي اعتبرت البديل المناسب.

تعرف الصكوك الإسلامية الحكومية على أنها شهادات مالية تصدرها جهات حكومية مختلفة (المستفيد من الصكوك ) تمثلها، أو تنوب عنها وزارة المالية، وتقوم على أساس شرعي، ويتم تسويقها عبر البنوك وشركات الوساطة المالية للجمهور في داخل الدولة وخارجها .

وتعود نشأة الصكوك الحكومية إلى عام ۱۹۸۲ م ، وذلك بعد بدء عمليات أول بنك إسلامي في ماليزيا، وهو "بنك إسلام ماليزيا " بعدم تملك سندات حكومية كونها مخالفة للشريعة الإسلامية ، لذلك لجأ البنك المركزي لإصدار شهادات استثمار لا تحتوي في آلياتها على الربا ، ثم جاء عرض مشروع "سندات المقارضة" من قبل الدكتور سامي حمود المدير العام لمركز البركة للبحوث والاستشارات المالية الإسلامية بالأردن، كبديل إسلامي عن سندات القرض المحرمة، وهي سندات تعتمد في أساسها الفقهي على المضاربة لأنها تمثل حصصاً شائعة في رأس المال ونسبة الربح، ولا ضمان لرأس المال من قبل العامل بل يضمن من طرف ثالث ممثلاً في الدولة ، وهكذا تمكنت المؤسسات المالية الإسلامية من التغلب على معضلة اعطاء عائد ثابت متفق عليه.

تعد الصكوك الحكومية الداعم الرئيس للصكوك الإسلامية عامة بمعدل نمو سنوي مقداره  ٦٦,٩ مليار دولار سنة ٢٠١١، مقابل ٢٧,٣ مليار دولار في ٢٠١٠، أما في ۲۰۱۲ وصلت قيمة الصكوك الحكومية إلى ۸۰۰۲ مليار دولار محتلة ماليزيا و المملكة العربية السعودية الصدارة في ذلك بمعدلات ٧٤ و ٨ على التوالي، وعليه، يمكن القول أن الإصدارات السيادية تساهم في إنعاش سوق الصكوك العالمية، كما أنها واحدة من أهم أساليب تطوير الهندسة المالية الإسلامية، وتفتح المجال أمام الشركات لتحذو حذو الحكومات في إصدار صكوك خاصة بها، 

 تقوم الحكومة بإصدار الصكوك الإسلامية لتمويل مشروعات تأكدت من جدواها الاقتصادية ، لكن عدم توفر السيولة الكافية تضطرها للبحث عن ممولين في هذه المشروعات المدرة للربح مع احتمال تخفيض العجز الحكومي  .

وفيما يلي بيان بأنواع الصكوك الاستثمارية الإسلامية ومدى مساهمتها في معالجة عجز خزينة الدولة :

  أ - صكوك عقود المشاركات ودورها في تمويل عجز الخزينة 

 أولاً - صكوك المضاربة : بما أنها صكوك تزاوج بين أصحاب رؤوس الأموال وذوي الخبرات الاقتصادية الذين لا يملكون المال، فيمكن للحكومة أن تمول عن طريقها المشروعات المدرة للربح؛ بحيث لا يشارك اصحاب الأموال في اتخاذ القرار الإداري والاستثماري للمشروع، وتبقى الإدارة بيد السلطة الحكومية، ومن أهم شروط إصدار صكوك المضاربة أن يكون المشروع محدداً، وعليه يكون له ذمة مالية مستقلة، ويكون عائد الصكوك جزءاً من ربح المشروع بنسبة القيمة الاسمية للصك إلى مجموع رأس مال المشروع، ويمكن أن تكون مكوك المضاربة نوعين : نوعاً يكون خاضعاً للإطفاء ( شركة متناقصة ) ؛ حيث تتحول ملكية المشروع للدولة كاملة، ونوعاً لا يتضمن شرط الإطفاء ( شركة دائمة ) ؛ بحيث تبقى ملكية الصك دائمة لصاحبه .

 ثانيا - صكوك المشاركة : لقد عرفتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والاسلامية على أنها : وثائق متساوية القيمة يُصدرها مالك. مشروع قائم ، يرغب في تطويره بحصيلة هذه الصكوك، أو يرغب في اقامة مشروع جديد على أساس عقد مشاركة . وتُعتبر صكوك المشاركة أداةً لسد عجز ميزانية الدولة من خلال استثمار حصيلتها في المشاريع المدرة للدخل أو للإيراد؛ مثل محطات الطاقة الكهربائية، والموانئ حيث لا يترتب على الدولة التزامات ثابتة تجاه المسؤولين؛ لأنها تقوم على مبدأ المساهمة في الربح والخسارة  كما يمكن للدولة أن تقوم بشراء هذه الصكوك من حملتها بالتدرج وفق منهاج محدد وعلى مدى فترة زمنية معينة، وهذا ما يعرف بالمشاركة المتناقصة .

ويستحق مالكوا الصكوك حصة شائعة من عائد استثمار موجودات المشاركة ويتحلمون مخاطر هذا الاستثمار بنسبة ما يملكه كل واحد منهم من صكوك  .

ثالثا - صكوك المزاراعة المغارسة والمساقاة : تلجأ الحكومة والمتمثلة في وزارة الفلاحة إلى مثل هذه الصكوك لتمويل زراعة الأرض صكوك المزارعة ، أو رعاية أشجار قابلة للإثمار صكوك المساقاة ، أو غرس الأرض بأشجار الفاكهة صكوك المغارسة ، عندما تعجز الخزينة عن تمويل هذا القطاع  .

 ب-  صكوك عقود المداينات ودورها في تمويل عجز الخزينة

 أولا - صكوك السلم : يمكن للدولة استخدام هذه الصيغة التمويلية بإصدارها صكوك سلم، تشمل الإنتاج الوطني للدولة كما هو الحال بالنسبة للبترول والغاز الطبيعي حيث يمكن للدولة إصدار صكوك سلم، تسمى بـ صكوك سلم بترول أو صكوك سلم غاز" ، كما يمكنها إصدار صكوك سلم منافع متعلقة بالنقل والصحة والتعليم ، ومثلها أن تقوم الدولة بإصدار صكوك الرسوم المدارس والجامعات. وصكوك الخدمة النقل على خطوط معينة ، وتحدد المواصفات والأجل طبقا للأحكام الشرعية .

وتصورهذه الصكوك يكون على الشكل التالي : تقوم الدولة مثلاً ببيع كمية من البترول أو غاز التي ستقوم باستخراجه من الآبار، وتطرحه في صورة صكوك سلم ، يقوم الأفراد أو المؤسسات المالية بشراء تلك الصكوك بسعر متفق عليه ، ويأخذ هذا السعر في الاعتبار القيمة السوقية المتوقعة عند التسليم مع هامش ربح متوقع لصاحب الصك. وتكون قيمة الصك مبلغا معينا يمثل كمية معينة من البترول أو الغاز تذكر في الصك. وعند استحقاق الصكوك تقوم الدولة بتوفير الكمية المتفق عليها، وتبيعها الجهة الموكلة من قبل اصحاب الصكوك كالوزارة مثلا بصفتها وكيلة عنهم في السوق العالمية، وتوزيع قيمة المبيع على أصحاب الصكوك نسبة وتناسيا، وقد تكون النتيجة ربحا أو خسارة.

وعلى ضوء ذلك تستطيع الدولة أيضاً عمل العديد من المشاريع الزراعية، أو الصناعية، فإذا أرادت الدولة مثلا، إنشاء مصنع للحديد والصلب، فيمكن أن تبيع إنتاجه سلمًا، وتحدد سعرًا للمنتج يقل عن سعر السوق، الذي ستباع به في المستقبل عند الإنتاج، لهذا يقبل الأفراد، والشركات ليستفيدوا من فارق السعر في المستقبل ... وإذا أرادت الدولة بناء وحدة سكنية للعمال بأسعار معقولة ، فليس من الضروري أن تتحمل موازنتها عبئا ثم تسترده بعد ذلك بوقت وجهد كبيرين، ويمكن وضع التصورات والمخططات، والتصاميم، ثم تتم عملية البيع للمصارف الإسلامية سلمًا، بحيث يستعمل الثمن للبناء، وعند التسليم تبيع المصارف المساكن للعمال مرابحة، أو إجارة منتهية بالتملك .

  ثانيا - صكوك الاستصناع : تصلح صكوك الاستصناع كأداة لتمويل الخزينة بصورة رئيسية للحصول على التمويل متوسط الأجل من البنوك الإسلامية، ويمكن للدولة استخدامه بصورة رئيسة لإنشاء بنى تحتية من مطارات وموانئ وجسور ومباني ومستشفيات مصانع وغيرها، ويكون ربح البنك هو الفرق بين كلفة الإنشاءات وثمن بيعها للحكومة بعقد الاستصناع 

ومن وجه آخر يمكن للدولة والمتمثلة في وزارة السكن أن تصدر صكوك استصناع سكن وبجانبها صيغة السكن المراد إنجازها إذا أرادت أن تبنى مساكن للمواطنين من ذوى الدخل المحدود وهو التزام تقوم به الكثير من الدول ثم تبيعها لهم بعد ذلك، وذلك بأن تصدر وزارة السكن والعمران صكوك استصناع سكن تجمع بموجبها الأموال اللازمة من المواطنين الذين يحتاجون السكن وتتعاقد معهم على إنشاء السكن اللازم بمواصفات محددة وحسب الصيغة الإسكانية المطلوبة مقابل أن يدفعوا الثمن على أقساط في صورة شراء صكوك استصناع سكن ، ويمكن أن يمتد الدفع لمدة تتجاوز وقت تسليم المسكن، ومع مراعاة أن الدفع المقدم سيكون أقل من الدفع لاحقا وبهذا الشكل يمكن لحاملي الشكوك تداولها بناء على ما سبق أن قلناه في بيع المسلم فيه قبل قبضه، ويمكن أن يختلف ثمن بيع العاجل عن القيمة الاسمية له بناء على ما يراه فقهاء المالكية من جواز بيع السلم لغير المسلم فيه سواء بمثل الثمن الأصلي أو أقل أو أكثر وذلك بحسب سعر السكن في السوق .

ويمكن للدولة أن تشترط أن تتم عملية تداول الصكوك لمن يستحقون شراء المسكن من ذوى الدخل المحدود حتى لا تصبح العملية تجارة لمن لا تنطبق عليهم الشروط. هذه تعتبر الطريقة الأولى المقترحة لـ "صكوك استصناع سكن " ؛ أما الطريقة الثانية المقترحة فيتم ذلك بناء على طلب من وزارة السكن لبنك إسلامي بطرح صكوك استصناع سكن بناء على عقد الاستصناع بينهما لتمويل عملية إنجاز بناء السكنات طبقا للصيغة المخطط لها من قبل الوزارة، ويقوم البنك الإسلامي بدوره بالدخول في استصناع موازي بالتعاقد مع شركة الجاز وبناء عن طريق مناقصة دولية أو وطنية من أجل تنفيذ المشروع، ويكون عائد الربح الذي سيحصل عليه البنك الإسلامي هو الفارق بين ثمن المبيع في عقد الاستصناع الأول ( الدولة والبنك الإسلامي ) والثمن في عقد الاستصناع الثاني البنك الإسلامي والشركة بناء والمجاز). كما يمكن للوزارات الأخرى الاستفادة كثيرا من هذه الصيغة كوزارة التعليم في الجاز وبناء جامعات أو معاهد أو وزارة الاتصال أو الصناعة أو وغيرها من الوزارات الحكومية .

 ثالثًا - صكوك الإجارة : هي عبارة عن وثائق متساوية القيمة تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان، أو منافع، او خدمات في مشروع استثماري يدر دخلاً، والغرض منها تحويل الأعيان والمنافع والخدمات المتعلقة بهذا النوع من الصكوك إلى صكوك قابلة للتداول في السوق الثانوية ، وتتمتع صكوك الإجارة خصائص مميزة إذا ما قوبلت بالتمويل التقليدي أو الإسلامي؛ كالمضاربة والمشاركة؛ حيث يمكن استعمال صكوك إجارة الأعيان التمويل المشروعات ذات النفع العام والتي لا ترغب الحكومة في إقامتها على أساس الربح، المصلحة عامة تراهاء مثل بناء الجسور والمطارات، والسدود، وسائر مشروعات البنية التحتية، وفي هذه الحالة تكون الدولة هي المستأجر من أصحاب الصكوك الذين يملكون هذه الأعيان المؤجرة، ثم تقوم الدولة بإباحة استعمال الطريق للسيارات، والجسر للعابرين عليه، والسد الحجز المياه وتخزينها وتوزيعها بصفتها مستأجراً، كما يمكن اعتماد صكوك إجارة المنافع في تمويل برامج الإسكان: ولأن مكوك الإجارة مخاطرها محدودة وتتمتع باستقرار أسعارها وعوائدها فيمكن اعتمادها في عمليات السوق المفتوحة لسد ومواجهة عجز الموازنة.

 ويكمن الهدف من صكوك الإجارة الحكومية في :

أ- إدارة السيولة في الاقتصاد الكلي عبر ما يعرف بعمليات السوق المفتوحة

ب . تغطية جزء من عجز الموازنة من موارد نقدية حقيقية

ج. تجميع المدخرات الوطنية وتشجيع الاستثمار

د. إيجاد مجالات جديدة للاستثمار بتفعيل الأصول التي تملكتها الدولة .

رابعا - صكوك الانتفاع : هي صكوك مشتقة من صكوك الإجارة ، وهي عبارة عن وثيقة تعطي لحاملها (صاحبها ) الحق في الانتفاع بعين موصوفة ( ملكية عقار غالباً ) لفترة زمنية محددة من السنة خلال عدد محدد من السنوات، مما يخوله بيع واستثمار وتوريث وهبة الصك. وبذلك تقدم شركة الاستثمار ( إدارة المحفظة ) لزبائنها مجموعة خدمات للتمتع بخدمات سكنية في مواقع مختلفة حول العالم. علما أن أبراج مكة المحيطة بالحرم المكي يتم استثمارها بهذه الطريقة . .

 خامساً - صكوك المرابحة : ويمكن أن تستخدم صكوك المرابحة بغرض توفير مستلزمات الإنتاج، من المواد الخام والسلع الوسيطة والمعدات والآلات والأجهزة، مما يساهم في دعم الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد الوطني ، ويسهل تمويل عجز الخزينة بناء على بنود الموازنة العامة المتعلقة بشراء السلع والمعدات ووسائل النقل عن طريق المرابحة مع البنوك الإسلامية أو غيرها من مؤسسات التمويل ويمكن تحويل المرابحات إلى صكوك ذات استحقاقات متتالية، بحيث تخدم هدف السيولة لدى مشترياتها .

  وصورة صكوك المرابحة هو أن تتقدم الدولة ممثلة في وزارة الزراعة إلى بنك إسلامي لغرض تمويل عملية اقتناء تجهيزات أو معدات فلاحة كالجرارات وآلات حصاد نظرا لوجود عجز في خزينة الدولة. ويقوم البنك الإسلامي على أثرها بإصدار صكوك مرابحة للاكتتاب العام لغرض تمويل عملية الاقتناء لصالح الدولة، وعائد هذا الصك بطبيعة الحال هو الفرق بين سعر اقتناء التجهيزات وثمن بيعها، وبهذا تكون الوزارة قد غطت حاجيتها من معدات وعتاد في ظل العجز الآني للخزينة .

ج- صكوك القرض الحسن ودورها في تمويل عجز الخزينة 

يمكن أن تستعمل هذه الصكوك في تمويل مشاريع خاصة أو إقراض الشباب العاطل عن العمل لإنشاء مشاريع صغيرة خاصة به، وتكون وزارة الأوقاف هنا هي الضامنة لقيمة هذه الصكوك، كما يمكن للحكومات أن تستفيد من هذه الصكوك في دعم عجز الخزينة خاصة إذا كانت تحتاج إلى سيوله نقدية لتغطية أجور العمال ومعاشات المتقاعدين والمعوزين في الدولة مثلا : يتم طرح صكوك قرض حسن للاكتتاب العام لمدة سنه فقط، فيتم الإقبال عليه من الجمهور أو البنوك العاملة في الدولة من قبل البنك المركزي لشراء هذه الصكوك من خلال استخدام الأموال الموجودة في حساباتها الجارية المودعة لديها كأمانة من قبل المواطنين، حيث لا تدفع هذه البنوك عليها أي عائد للمودعين، وذلك من زاوية انتمائها في مساهمتها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وتجدر الإشارة إلى نقطة مهمة أن هذا النوع من الصكوك يختلف عن الصكوك الوقفية والاستثمارية الآخرى، لأنها لا تستحق عائدا وتعتبر الزيادة على القرض ،محرمة، لذلك فإن إجراءات إصدارها وتداولها تختلف عن غيرها من الصكوك الاستثمارية الوقفية.

وعليه يمكن القول أن الدولة تقوم بعرض صكوك لا تخرج عن الأنواع الآتية :

 - صكوك أساسها الشراكة؛ والتي تكون إما صكوك مضاربة أو مشاركة .

 - صكوك أساسها التأجير؛ والتي تكون إما صكوك إجارة متناقصة، أو منتهية بالتمليك .

  - صكوك أساسها البيع والتي تكون إما صكوك مرابحة، أوصكوك استصناع، أوصكوك سلم .

و مهما اختلفت الصكوك المصدرة إلا أن الحكومة تتبع الآلية الممثلة في الرسم البياني الآتي :

وبذلك تثبت الصكوك الاستثمارية الإسلامية أنها قادرة على تمويل عجز خزينة الدولة من خلال تنوعها وأهدافها وآليات عملها في ظل عجز الأدوات التقليدية الأخرى. كما يمكنها المساهمة بشكل كبير وفعال في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المسطرة ضمن برامج الدولة.

  2- الأوقاف ودورها في التنمية معالجة عجز الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي 

  أولاً :  تعريف الوقف وأهميته :      

 الوقف هو حبس المال عن الاستهلاك للانتفاع المتكرر به في وجه البر. فهو صدقة جارية ما بقي رأس مالها ، سواء أكان البقاء طبيعيًا بعمر المال الموقوف أم إراديًا بنص الواقف ورغبته، تقوم فكرة الوقف نفسها على تنمية قطاع ثالث متميز عن كل من القطاع الخاص، والقطاع الحكومي، وتحميل هذا القطاع مسؤولية النهوض بمجموعة من الأنشطة هي بطبيعتها لا تحتمل الممارسة السلطوية للدولة ، كما أنه يفيد إبعادها عن الدوافع الربحية للقطاع الخاص ، لأن طبيعة هذه الأنشطة ، تدخل في إطار البر والإحسان والرحمة والتعاون لا في قصد الربح الفردي  .

 قَدِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أعْلَى المَدِينَةِ في حَيٍّ يُقَالُ لهمْ بَنُو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فأقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيهم أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى رَاحِلَتِهِ، وأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ومَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حتَّى ألْقَى بفِنَاءِ أبِي أيُّوبَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، ويُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ، وأنَّهُ أمَرَ ببِنَاءِ المَسْجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلَإٍ مِن بَنِي النَّجَّارِ فَقالَ: يا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بحَائِطِكُمْ هذا، قالوا: لا واللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلى اللَّهِ، فَقالَ أنَسٌ: فَكانَ فيه ما أقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وفيهِ خَرِبٌ وفيهِ نَخْلٌ، فأمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وهُمْ يَرْتَجِزُونَ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهُمْ، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ. 

وتشير هنا أيضا إلى بئر رومه التي أوقفها عثمان بن عفان، فعن أبي عبد الرحمن أنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه حِينَ حُوصِرَ، أَشْرَفَ عليهم وقالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، ولَا أَنْشُدُ إلَّا أَصْحَابَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: مَن حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قالَ: مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَجَهَّزْتُهُمْ؟ قالَ: فَصَدَّقُوهُ بما قالَ  .

 وفي التاريخ الإسلامي نجد أن مؤسسة الوقف الخيري كانت تشمل مختلف مظاهر الحياة ، فالمساجد تشكل أبرز هذه المظاهر، بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية ، والمصحات ومحطات الاستراحة في الطرق العامة، خاصة طرق الحجيج، والحدائق العامة .... الخ، ومع تنامي حاجات المجتمع ظهرت نماذج كثيرة للأوقاف .

إذن نستطيع القول بأن مؤسسة الوقف كانت تقوم بأدوار هامة جدا وتغطي الكثير من النفقات العامة التي كانت تقوم بها الدولة الإسلامية. وإن إعادة إحياء مؤسسة الوقف يرفع عن كاهل ميزانية الدولة عبئا كبيرا يصرف في المعونات والمشروعات الاجتماعية، مما يخفف من الضغط على الميزانية، ويقلل من عجزها إن وجد، فضلا عما يفعله من تأثير على التضامن، والتآخي، والتراحم في المجتمع مما يزيد في رغبة واستعداد القطاع الخاص لدعم الميزانية العامة للدولة.

 إن النظام الاقتصادي الإسلامي يفسح المجال واسعًا أمام أي قطاع خيري ليقوم بتقديم الخدمات العامة ، لأن هذا سوف يقلل من حجم الإنفاق الحكومي في المجالات المختلفة في مجال الصحة ، أو التعليم ، كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يفسح المجال واسعا أمام القطاع الخيري والتبرعي ، بما فيه الزكاة ، والصدقات ، والأوقاف ، طالما أنه قد ابتكر أسلوبا أكثر كفاءة ، وأكثر تفاعلا مع ضمائر الناس ، وإرادتهم الواعية ، في تقديم هذه الخدمات ورعاية هذه المصالح من خلال مشاركتهم الفاعلة والتزامهم الديني  .

  ثانياً : صكوك الوقف ودورها في التمويل :

 يمكن استعمال صكوك الوقف لتمويل المشاريع الخيرية كبناء المستشفيات والمدارس ودار الايتام والمعاقين وكذلك الهلال الأحمر الجزائري كما يمكن توظيفها في إنشاء صناديق للتقليل من البطالة وإقامة مشاريع بنظام المشاركة أو المضاربة، وإنشاء صناديق وقفية لرعاية الفقراء والأيتام دور العجزة كشراء عقارات وتأجيرها حتى تعود مداخليها إلى الفقراء، والصندوق للرعاية الاجتماعية... والذي يوجه مباشرة على مكافحة الفقر عن طريق توفير بعض الخدمات العامة كالصحة والتعليم والمياه النقية.

 والصورة التي يمكن اقتراحها للوقف من خلال الصكوك سواء الأهلية منها أو الخيرية أو الاستثمارية التمويل عجز الخزينة هي على النحو التالي :

 -قيام الدولة بتحديد بعض المشروعات العامة الخدمية كإنشاء طريق والجسور أو مجموعة من المدارس والمعاهد والجامعات أو المستشفيات وعيادات .

-إصدار صكوك وقف استثمارية" حسب المشروع مراد تشيده بقيم مختلفة لكونها من الأعمال الخيرية.

- أن تطرح هذه الصكوك للاكتتاب العام بحسب قدر كل شخص .

- بعد تحصيل وتجميع المال اللازم تبدأ الدولة في إنشاء المشروع الوقفي .

  3-دور التأمين التكافلي في التنمية ومعالجة عجز الميزانية  

 تلعب شركات التأمين التكافلي الإسلامي دوراً حيوياً ونشطاً في التنمية الاقتصادية ودفع عجلة النمو والبناء من خلال ما تقدمه من خدمات ومنتجات متنوعة للأعوان الاقتصاديين في مواجهة المخاطر والكوارث التي يتعرضون لها واستثمارها للفوائض التأمينية الخاصة بأقساط المستأمنين في المشاريع الهادفة والمباحة شرعاً لكونها تقوم على الأساس عقد التبرع لا عقد المعاوضة في دفع أقساط التأمين وعلى عقد الوكالة بالأجر والمضاربة لا على الربا في استثمار أموال المستأمنين كما هو الحال في شركات التأمين التجاري وتبني لبعض منتجاتها من كبار شركات التامين العالمية بعد الأزمة المالية العالمية لسنة 2008م لخير دليل على نجاعة نظامها الأخلاقي ، فالتأمين يراعي إلى جانب المصلحة الفردية المصلحة العامة، فهو يقوي الاقتصاد الوطني ويصبح عامل إنتاج بالمحافظة على وسائل الإنتاج الأخرى، وبالتالي على المردودية الاقتصادية . وفيما يلي بيان مفهوم الفائض التأميني وطرق استثماره في التنمية .

 مفهوم الفائض التأميني 

عرفت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الفائض التأميني بأنه: " ما يتبقى من أقساط المشتركين والاحتياطات وعوائدهما بعد خصم جميع المصروفات والتعويضات والمدفوعة أو التي ستدفع خلال السنة، فهذا الناتج ليس ربحا، وإنما يسمى فائضاً ."

 والتكييف الفقهي للفائض التأميني أنه شبيه بما في حديث الأشعريين ، فهو كما لو وظفت أموال هؤلاء الأشعريين فما خرج فهو لهم بمجموعهم، ولا يعتبر رجوع الفائض من الرجوع في الصدقة المنهي عنه، لأن التبرع هنا مقيد بحساب التأمين وهو منهم  .

 طرق استثمار الفائض التأميني

   تقوم مؤسسات التأمين التكافلي باستثمار الفائض التأميني وفق الطرق التالية :

  1- الاستثمار المباشر في الأسواق المالية من خلال شراء و بيع الأسهم وفق توجيهات هيئة الرقابة الشرعية للشركة.

  2-استثمار الفائض التأميني في السوق العملات الصعبة والالتزام بأحكام عقد الصرف.

  3-الاستثمار غير المباشر من خلال المصارف الإسلامية وفق عقد المضاربة حيث تقوم شركة التأمين التكافلي مقام رب المال، ويكون البنك الإسلامي الطرف المضارب والربح بينهما حسب الاتفاق.

  4- تكوين رؤوس أموال وتمويل المشاريع يعمل التأمين على تجميع كتلة معتبرة من الأموال بواسطة الاحتياطات الفنية لأن تحصيل القسط يكون قبل أداء الخدمة، ومنه شركات التامين لا تكتنز هذه الأموال بل توظفها في صور متعددة ( أسهم، سندات عقارات ...)، وبالتالي المساهمة في تمويل المشاريع الاقتصادية من خلال الإقبال على إقامة مشاريع جديدة مما يترتب عن ذلك رفع مستوى معيشة الأفراد وبالتالي تحقيق الاستمرار الاجتماعي.

  5-التأمين وسيلة ائتمان : يسهل عملية اكتساب القروض والديون بفضل الضمانات التي يمدها للموردين وبالتالي يساهم في تكوين الدخل الوطني بتوليد قيمة مضافة للاقتصاد بفضل تشجيع الاستثمار عن طريق الطمأنينة والضمان الذي يمنحه ..

  6- التأمين والتضخم يلعب التأمين دور مهما في الحد من خلق الضغوط التضخمية التي تسببها زيادة كمية النقود المتداولة؛ لأن الإقبال على طلب التأمين يؤدي حتما إلى حجز الأموال التي كانت ستنفق كما يعمل التأمين على توفير حصيلة معتبرة من الموارد المالية ليعاد استثمارها في مشاريع منتجة، مما يزيد من حجم السلع والخدمات المعروضة وفي النهاية التوازن بين العرض والطلب .


تعليقات

الكلمات الدلالية