“سوريا الجديدة: تحديات ما بعد الحرب شبابية ورؤى للمستقبل”
بعد أن شهدت سوريا أكثر من أربعة عشر عامًا من الصراع الدامي، شهد عام 2025 تحولًا جذريًا بسقوط نظام بشار الأسد الذي استمر لأكثر من أربعة عقود. هذا التحول التاريخي فتح الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات والآمال، حيث تواجه البلاد تحديات إعادة الإعمار، المصالحة الوطنية، وبناء مؤسسات ديمقراطية. تساؤلات عديدة تطرح نفسها في هذه المرحلة الحاسمة: من سيتحمل مسؤولية إعادة بناء سوريا؟ وكيف يمكن ضمان استقرار البلاد وازدهارها؟، ومن شاب شارك في كل مراحل الثورة والتحرير، يستطيع أن يضع عدة تحديات تواجه سوريا الجديدة، وكذلك رؤيته المستقبلية كشباب طامح في بلد ذا مستقبل مشرق، ومن أبرز هذه التحديات:
التحدي الأول: إعادة بناء الجيش السوري وأمن العام: يواجه الجيش السوري تحديات جسام في مرحلة إعادة البناء. فبالإضافة إلى ضرورة تطهيره من العناصر الفاسدة وإعادة تأهيله، فإن هناك حاجة ملحة لمعالجة التحديات الأمنية الناجمة عن وجود خلايا نائمة وفلول الميليشيات. كما أن قضية الأكراد في الشمال الشرقي تضيف بعدًا آخر إلى تعقيدات هذا الملف، حيث يتطلب حلها الحفاظ على وحدة النسيج الوطني وضمان تمثيل عادل لكافة المكونات السورية.
التحدي الثاني: الاقتصاد السوري المدمّر: شهد الاقتصاد السوري انهياراً كارثياً نتيجة سنوات الحرب التي استمرت على ما يقرب من ثلاثة عشر عام، حيث تقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تفوق 85% خلال سنوات الصراع. من اقتصاد مزدهر كان يُعد من أبرز اقتصادات المنطقة، تحولت سوريا إلى دولة تعاني من أزمة اقتصادية حادة، تتمثل أبرز ملامحها في تدمير البنية التحتية، وتدهور العملة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر. يمثل إعادة إعمار الاقتصاد السوري تحديًا كبيراً يتطلب جهودًا مضاعفة على المستويين المحلي والدولي.
التحدي الثالث: بناء نظام سياسي مستقر: بناء نظام سياسي يعتمد على التعددية السياسية واحترام الرأي والرأي الآخر، هو الأساس لبناء دولة مدنية حديثة. فالتجربة السابقة أثبتت أن الحزب الواحد والحكم الفردي لا يؤديان إلى التنمية والاستقرار، بل على العكس، فإنهما يغذيان الفساد والظلم. لذا، فإن بناء نظام سياسي يضمن حرية الأحزاب والتجمعات، وحرية الإعلام، هو شرط أساسي لضمان مشاركة جميع فئات المجتمع في صنع القرار، وأظن هنا النظام البرلماني هو أصلح لمجتمعات الشرق، والتي عانت من نظام الحاكم الفرد والحزب الواحد الحاكم، فمن هذه التجربة نجد أن النظام البرلماني التشاركي هو أفضل نظام ممكن أن يؤدي بنا إلى استقرار سياسي.
التحدي الرابع: بناء نسيج اجتماعي جديد: تواجه سوريا تحديًا وجوديًا يتمثل في إعادة بناء نسيجها الاجتماعي الذي دمرته سنوات الحرب. فالطائفية والكراهية التي زرعتها الحرب عميقًا في نفوس السوريين، تشكل عقبة كأداء أمام تحقيق المصالحة الوطنية وبناء دولة مدنية ديمقراطية. لذا، فإن بناء عقد اجتماعي جديد يجمع السوريين على أساس المواطنة المتساوية واحترام التنوع، هو شرط أساسي لتحقيق الاستقرار والتنمية في سوريا. يتطلب ذلك جهودًا مضنية لتجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية، وبناء جسور الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
يشهد المشهد السوري تحولات متسارعة، وتتعدد التساؤلات حول مستقبل هذا البلد الذي مزقته الحرب. تتباين السيناريوهات المطروحة، ولكل منها تداعياته على المنطقة والعالم، فأما عن سيناريوهات مستقبل سوريا التي هي بين الاستقرار والفوضى كما يراها الشباب السوري تتثمل في:
السيناريو الأول: الاستقرار التدريجي: يتصور هذا السيناريو انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة من الاستقرار تحت قيادة سياسية جديدة، وذلك من خلال تسوية سياسية شاملة ترضي جميع الأطراف وتضمن مصالح الدول الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، مثل تركيا وإيران والسعودية وروسيا والتحالف الصهيوأمريكي للأسف. يتطلب هذا السيناريو بناء مؤسسات دولة قوية، وإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، ومصالحة وطنية شاملة، ومن التحديات التي تواجه هذا السيناريو: عمق الانقسامات: الانقسامات السياسية والطائفية التي نشأت خلال سنوات الحرب عميقة، وستتطلب جهودًا مضنية لرأب الصدع. التدخلات الإقليمية: التدخلات الإقليمية المتضاربة قد تعرقل عملية الانتقال السياسي وتؤخر تحقيق الاستقرار. الأزمة الاقتصادية: الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها سوريا ستشكل عائقًا كبيرًا أمام إعادة الإعمار وبناء الدولة.
السيناريو الثاني: استمرار الفوضى: يشير هذا السيناريو إلى استمرار الصراع المسلح والانقسامات الطائفية، وأبرزها قسد ومناطق الساحل ومناطق الجنوب السوري، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متنازعة. قد يؤدي هذا السيناريو إلى ظهور قوى متطرفة تستغل الفراغ الأمني لفرض أجندتها، مما يهدد أمن واستقرار المنطقة بأسرها، ومن العوامل التي تدفع نحو هذا السيناريو: فشل الحلول السياسية: فشل الجهود الدولية والإقليمية في إيجاد حل سياسي شامل. تعمق الانقسامات الطائفية: استمرار التحريض الطائفي وتعميق الخلافات بين المكونات السورية. التدخلات الخارجية: استمرار التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري.
السيناريو الثالث: صعود قوى جديدة: يشير هذا السيناريو إلى ظهور قوى سياسية جديدة، سواء كانت معارضة للنظام السابق أو موالية له، وتنافسها على السلطة. قد يؤدي هذا التنافس إلى صراعات جديدة وحروب بالوكالة، مما يعقد الأزمة ويؤخر حلها، العوامل التي تدفع نحو هذا السيناريو: ضعف المؤسسات: ضعف المؤسسات الحكومية وغياب سلطة مركزية. تعدد الميليشيات: وجود العديد من الميليشيات المسلحة التي تتنافس على النفوذ. مثل قسد. غياب رؤية واضحة للمستقبل: غياب رؤية مشتركة حول مستقبل سوريا.
وهناك عدة سيناريوهات أخرى لابد من أخذها في الاعتبار وهي: تقسيم سوريا: قد يكون تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ مختلفة هو الحل الوحيد في حال فشل جميع الحلول الأخرى. هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر كبيرة من حيث استمرار الصراع والنزوح. دولة فاشلة: في ظل غياب الدولة المركزية، قد تتحول سوريا إلى دولة فاشلة، مما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
مستقبل سوريا يظل غامضًا ومليئًا بالتحديات. يتطلب الخروج من هذه الأزمة حوارًا وطنياً شاملاً، وبناء الثقة بين مختلف الأطراف، ودعمًا دوليًا قويًا. وترسيخ دولة القانون، والدولة المؤسسات وليس دولة الفرد الواحد أو الحزب الواحد؛ فعلى السوريين أن يتحملوا مسؤولية بناء مستقبلهم، وأن يعملوا معًا للتغلب على التحديات التي تواجههم.
جميل العبدالله : باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
اكتب مراجعة عامة