الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإننا قد دخلنا في زمن الفتنة؛ فينبغي للمسلم أن يتمسك بالأصلين العظيمين اللذين هما القرآن والسنة المطهرة بفهم سلف الأمة، وكذالك يجب عليه أن يكون مع الذين يحاربون الفتنة وينصرون صاحب الحق؛ ولذا كان معظم الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وعامة علماء المسلمين يقولون: يجب نصر المحق في الفتن، ويجب القيام معه بمقاتلة الطائفة الباغية وإماتة الفتنة؛ لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9].
أخرج أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: "والله! ما أدري أصحابي نسوا أم تناسوا! والله! ما من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ مَن معه ثلاثمائة فصاعدا إلا سماه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته".
وفي صحيح البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما لما جرت الفتنة في عصره، قيل له: تكلم يا أبا عبد الرحمن، لأن الأمر يتعلق بالإمارة، ولعل لك فيها حظ، لأن أباك كان خليفة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: "خشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك".
وقال نافع كما عند البخاري: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير وما جرى له مع الحجاج، وتلك المعارك التي حصلت بينه وبين خلفاء بني أمية، أتاه رجلان فقالا: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال رضي الله عنه: "إن الله حرَّم علي أن أسفك دم أخي المسلم"، فقالا له: ألم يقل الله عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) [البقرة:193]؟ فقال رضي الله عنه: "قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة"، يعني: قاتلنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم - أي: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله- وأنتم تريدون أن تكون فتنة، وأن يكون الدين لغير الله".
يقول الإمام النووي رحمه الله كما في شرح مسلم، لما ذكر الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم، قال: "كانت القضايا متشابهة فتحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين فلم يقاتلوا ولم يستيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدة أيٍ منهم".
ثم ذكر رحمه الله في موضع آخر: "واختلف العلماء في قتال الفتنة"، إذا هبّت فتنة بين المسلمين ماذا يصنع فيها؟
قال رحمه الله: "فقالت طائفة: لا يقاتل الرجل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة، ويشابهه مذهب ابن عمر رضي الله عنهما. ومعظم الصحابة والتابعين وعامة علماء المسلمين يقولون: يجب نصر المحق في الفتن ويجب القيام معه بمقاتلة الطائفة الباغية، لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9]".
هذا والله اعلم، وسلمنا من الفتن ماظهر منها وما بطن.
بقلم / إبراهيم حامد
لدبلوم الدعوة في زمن الفتنة
اكتب مراجعة عامة