أ.سميحة بنعمر
رئيسة منصة المرأة المسلمة
الرحمة صفة سامية وصف الله بها نفسه بقوله}:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) الأعراف: 156)، وتفضل بها على خير خلقه {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159) وللنساء الحظ الأوفر من صفة الرحمة، دل على ذلك قياس النبي عظمة رحمة الله برحمة الأم بولدها مفاده أنه بالرغم من شدة رحمة الأم بولدها إلا أن رحمة الله بعباده أشد وأعظم.
قَدِمَ علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إذَا وجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ، فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أتُرَوْنَ هذِه طَارِحَةً ولَدَهَا في النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وهي تَقْدِرُ علَى ألَّا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا".
هذا البون الشاسع بين رحمة الله بعباده ورحمة الأم بولدها جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه"
هذه الصفة المميزة للمرأة قد يظن البعض أنها صفة ضعف، لكنها في الحقيقة مصدر قوة. فالمرأة برحمتها قادرة على تحمل المسؤوليات الجسام، ومواجهة التحديات التي تعترض طريقها، سواء في حياتها الزوجية والأسرية والاجتماعية بل تُمدها بطاقة تجعلها سندًا للمحيطين بها.
من جهة أخرى مشاعرنا التي موطنها القلب هي مركبنا إلى الله من ذلك الأحاديث المتكاثرة التي دلت على أن القلب الصالح هو محل نظر الرب سبحانه وتعالى:
في الحديث الصحيح: أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"
علم بذلك أن الرحمة من هذا الباب من أوسع أبواب تحصيل الأجر للمرأة لما تفضل الله به عليها من رزق وافر منها من ذلك عظيم أجرها مقابل المشقة التي تكابدها المرأة في الحمل والرضاعة والتربية دلت عليه الآية الكريمة:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان 14)
قال السعدي: "{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد.
ثم {فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟" انتهى كلامه رحمه الله
وأيضا هي موعودة برحمة الله لها دل على ذلك الحديث:
عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء) رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يُقَّبِّل الحسن، فقال: (إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ واحدا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يَرحم لا يُرْحم) رواه مسلم. وفي رواية المستدرك عن عائشة رضي الله عنها: (أرأيت إن كان الله نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي؟) وما أكثر ما تقبل المرأة أبنائها وترحمهم
وقال رسول ﷺ: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا") رواه أحمد)
هذه الرحمة ترحم المرأة بها زوجها، يسكن إليها فيزول همه ويتجدد نشاطه، قدوتنا في ذلك أمنا خديجة التي كانت مثالًا للزوجة الرحيمة استعملها الله لتثبيت زوجها في موقف من أصعب المواقف التي مرت بالرسول في حياته الشريفة ﷺ تُسانده وتواسيه عندما عاد إليها خائفًا من أول لقاء مع جبريل عليه السلام قائلة: " أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ" فكان موقفها ومؤازرتها لزوجها درسا تتعلم منه المسلمة كيف تسند زوجها وتتاجر مع الله بحسن عشرته ولين الخطاب.
لكن مع الرحمة تحتاج المرأة الى الحكمة لكي تكون مشاعرها منضبطة، مأجورة عليها ولنا في أم سليم قدوة حسنة تجلت في ثباتها وتثبيتها لزوجها عند وفاة ابنها:
مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، مِن أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابْنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ قالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إلَيْهِ عَشَاءً، فأكَلَ وَشَرِبَ، فَقالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ له أَحْسَنَ ما كانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوَقَعَ بهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أنَّهُ قدْ شَبِعَ وَأَصَابَ منها، قالَتْ: يا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لو أنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قالَ: لَا، قالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ، قالَ: فَغَضِبَ، وَقالَ: تَرَكْتِنِي حتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بابْنِي، فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأخْبَرَهُ بما كَانَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُما في غَابِرِ لَيْلَتِكُما وفي رواية: قال ابن عيينة : فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لهما تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قدْ قَرَأَ القُرْآنَ."
فبالرغم من أن حزن الأم على فراق ابنها لا يدانيه حزن أحد من الخلق، إلا أن ذلك لم يمنع أم سليم من حسن عشرة زوجها بل وذكرته بأجر الاحتساب على المصاب..
وأنفع رحمة تنفعين بها أهلك وترضين بها ربك هي امتثال أمره في قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون }(التحريم6)
قال السعدي: ووقاية الأهل والأولاد، بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله.
وهذا وإن لك مع أقدار الله المؤلمة موعدا مع الأجور تنتفعين بها بما وهبك الله به من مشاعر الرحمة فالمشاعر في دين الله عبادة: رحمتك لإخوانك المستضعفين التي ضاقت به السبل، تذكريهم في مطبخك وأنت تخالطين النعم، اشكري الموجود واسألي الله المفقود واجعلي لسانك رطبا بذكر الله وشكره والدعاء لإخوانك، عند شربة الماء، عند العشاء، عند تناول الدواء، عند التدثر بالكساء، عند شعورك بكثرة الأعباء، عند الراحة بعد العناء.
اكتب مراجعة عامة