التيه والشتات الجديد
بعد عصيان بني إسرائيل أمر نبيهم موسى عليه السلام
بالدخول إلى الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، ورفضهم وجبنهم عن قتال الجبارين انصياعا
لأمره عز وجل ، وجدالهم الوقح وسوء أدبهم "فَاذْهَبْ
أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" ، عاقبهم الله بالتيه والعزلة في صحراء سيناء ،
فهاموا في شعابها ووديانها القاحلة مدة أربعين سنة ، وعانوا مشقة الحر والجفاف
ولهيب الرمضاء والبرودة القارسة.
واليوم تعيد معركة طوفان الأقصى
المباركة التاريخ نفسه ، فدفعت أحفاد بني إسرائيل المعتدين إلى عهد جديد من التيه
والشتات والعزلة وهم أذلاء صاغرون. فقد أوردت مصادر إعلامية عبرية عدة أن نسبة الهجرة
المعاكسة والهروب إلى خارج الكيان اللقيط منذ بداية الطوفان قد جاوز ال 15 % من إجمالي
المستوطنين ، أي ما يعادل المليون مهاجر تقريبا ، والأعداد في ازدياد مطرد. كذلك
أشارت المصادر ذاتها إلى أن عدد من تنازل عن الجنسية الإسرائيلية رسميا قد تجاوز عشرات
الآلاف.
والفارق بين التيه القديم
والجديد شاسع ، فأثناء التيه القديم كان بنو إسرائيل تحت لطف الله ورحمته ورعايته
، وفي أمن وأمان ، فلم يسلط عليهم أحدا ، وفجر لهم عيون الماء بعدد أسباطهم ، وظلل
عليهم الغمام في حلهم وترحالهم ، وأنزل عليهم المن والسلوى. أما التيه الجديد فقد
ضاقت الأرض على الأمة اليهودية بما رحبت ، وأصبحت منبوذة ومعزولة دوليا ، فاقدة
للأمن والأمان ، حتى في ربوع الدول الحليفة والداعمة لها. وهذا ما شاهدناه
وتابعناه في الآونة الأخيرة في القنوات الإعلامية وفي وسائل التواصل الاجتماعي من
حوادث خطف واغتيال وضرب وإهانة لأفراد وجاليات صهيونية (وحتى اليهودية) ، ومنع مسؤولين
وإعلاميين صهاينة من الدخول لبلدان عديدة (في أوروبا وأستراليا وغيرها). علاوة على
التهديدات بالملاحقات القضائية والجنائية ، كما هو الحال مع رئيس وزراء الكيان
ووزير دفاعه المطرود اللذان صدر بحقهما مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية بتهم
جرائم الحرب والإبادة الجماعية في قطاع غزة ، رافقه إعلان الاتحاد الأوروبي (من
ضمنها دول حليفة كبريطانيا وفرنسا وكندا وألمانيا) احترامها لقرار المحكمة وتنفيذ مضمونه
في حال وصول هذين المجرمين إلى أراضيهم.
لقد رددنا في مقالات سابقة على كل
من استهزئ أو قلل من شأن عملية طوفان الأقصى وذكرنا بالأدلة والإحصائيات المكتسبات
الاستراتيجية التاريخية التي حققتها العملية المباركة ، ويبقى التيه والشتات
الجديد هو الأبرز والحدث الأعمق لهذه المكتسبات ، والتوطئة لانهيار وزِوال الكيان
اللقيط يإذن الله تعالى.
كتبه
د/ جاسم الفهاد
٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ
الموافق ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٤
اكتب مراجعة عامة