img
img

الردع والزجر في العقوبات التعزيرية

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

الردع والزجر في العقوبات التعزيرية

الدكتور مسلم اليوسف

دكتور في الفقه المقارن ما بين الشريعة والقانون

                                        

                                                                بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة : 

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدًا عبده و رسوله 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [ سورة آل عمران : الآية 102] .  

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [ سورة النساء : الآية 1 ] . 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [ سورة الأحزاب : الآية 70 -71 ] . 

وبعد : 

فهذا بحث في الزجر و الردع في العقوبات الشرعية بينت فيه أن العقوبات في الشريعة الإسلامية من بين أهم أهدافها الزجر والردع حتى  لا يعود المجرم للجريمة مرة أخرى ، و الردع له و لغيره حتى لا أحد يقلده أو يقتدي بفعله الإجرامي  . 

قال ابن عابدين – رحمه الله - : ( شرعت العقوبة لمصلحة تعود على كافة الناس ، من صيانة الأنساب و الأموال ، و العقول ، والأعراض ، و زجراً عما يتضرر به العباد من أنواع الفساد ) . 

و قال الإمام الزيلعي – رحمه الله - : ( إن الغرض من التعزير الزجر ، و سميت التعزيرات الزواجر غير المقدرة ) . 

لذلك يجب على القاضي الشرعي أن يظهر الزجر في طيات حكمه بشكل واضح لا لبس فيه ، كما يجب أن لا يغفل عن ربط العقوبة بالوازع الديني و الأخلاقي ، لذلك بين العلماء اتصال الشريعة الإسلامية بالأخلاق ، و الوازع الديني ، و أن له فائدة جميلة في أمور كثيرة ، ولعل من أهمها ما يلي :  

1.الوقاية : فهو يمنع الوقوع في الجريمة ، فإنه إذا استيقظ الوازع الديني ذهب الحقد الذي قد يولد الجريمة ، ذلك بأن الذين يقعون في الجرائم سبب وقوعهم في كثير من الأحيان أنهم يحقدون على المجتمع و أفراده فيلجئون إلى الإجرام لتحقيق ما يريدون أما إذا كان هناك وازع ديني فإنه لا يسمح لهذا الأحقاد بالسيطرة على لتفعل كل شر  . 

2.يقظة الخوف : إن إيقاظ الخوف من الله تعالى يسهل الثبات على الحق ، لأن الجرائم لا تقع إلا في جوٍّ من الظلام ، ولعبودية لغير الله تعالى ، فإذا أحس الذين عاينوا الجريمة ، وشاهدوا أن عليهم واجباً دينياً أن يبلغوه تنفيذاً لحكم ربهم العلي القدير . 

3.يقظة الضمير : إن يقظة الضمير الديني ، وإحساس الجاني بأن العقوبة التي تفرض عليه هي من الله جل جلاله لا من العبد يقتضي عليه سرعة الندم ، و تعجيل التوبة ، و أنه إن أفلت من حكم الدنيا و السلطان ، فإنه يفلت من حكم الله تعالى في الآخرة  

و حيث أن الزجر و الردع من أهم أهداف العقوبة الشرعية ، فما هو تعريف الزجر ، و الردع  عند أهل اللغة ، والاختصاص ؟.

أما عن معنى الزجر عند أهل اللغة : فهي بمعنى المنع ، و النهي و الانتهار .  

و الزجر اصطلاحا هي : المنع أو المنع بالتهديد  

نلاحظ أن التعريف اللغوي يحمل نفس المعنى الاصطلاحي . 

أما عن معنى الردع ، فقد قال الرازي في مختار الصحاح : ( ردعه عن الشيء ، فارتدع ، أي كفّه ... ) .  

و الملاحظ أن الزجر مختصة بالمجرم حتى يتوب ، و لا يعود إلى فعله الجرمي مرة أخرى

أما الردع : فهو لمرتكب الجريمة وغيره حتى لا يقلد أحد المجرم في سلوكه الإجرامي ، فيتكامل الزجر ، و الردع  في معالجة الجريمة ، والمجرم و من يفكر بالفعل الإجرامي . 

و قد تحدث كثير من الفقهاء عن فكرة الردع و الزجر، من هؤلاء الفقهاء ابن عابدين – رحمه الله عندما قال : ( شرعت العقوبة لمصلحة تعود إلى كافة الناس من صيانة الأنساب ،  الأموال ؛ و العقول ؛ والأعراض ، و زجراً عما يتضرر به العباد من أنواع الفساد )    

و قال القرافي  – رحمه الله - : ( الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة .... ، الزواجر معظمها على العصاة زجراً لهم عن المعصية ، وزجراً لمن يقدم بعدهم على المعصية )  

و استند الفقهاء لمشروعية الردع في العقوبات على قوله تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } 

و الردع على نوعين : ردع عام ، و ردع خاص .

1.الردع العام : ذلك أن توقيع العقوبات على الجاني يزجره ، ويردع الناس عن اقتراف الجرائم ، و يمنع كل من تسول له نفسه بالجرائم عن ارتكابها ، ففي إقامة التعزيرات تنبيه للناس على أنهم إن ارتكبوها ، فقد تلحقهم من العقوبة المؤلمة مثلما أصاب الجاني ، والنفس البشرية مجبولة على الابتعاد عن الإيلام ، فإذا عرفت أن ارتكاب الجرائم تقضي إلى نزول العقوبة بها كفت عن الإجرام و التفكر بها . فإقامة العقوبات تساعد من في قلبه مرض على مقاومة دوافعه الشريرة ، و السيطرة عليها و إلا وقع عليهم ما يقع على المجرمين من تعزيرات شديدة زاجرة رادعة. 

و إلى هذا المعنى يشير منطوق الآية الكريمة : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } 

و مما يؤكد معنى الردع العام حرص الشريعة الإسلامية على شهود طائفة من الناس إقامة الحدود و التعزيرات ، و يظهر هذا جلياً بقوله سبحانه تعالى في سورة النور :  

{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) }  .

2.الردع الخاص : إن إقامة العقوبة التعزيرية على المجرم يهدف إلى ردع الجاني حتى لا يعود إلى ارتكاب أي جريمة مرة أخرى ، ذلك أن العقوبة ، و ما يترتب عليها من أذى ، و ألم مادي ؛ و معنوي تصده عن العودة إلى اقتراف الجريمة .  

فهل العقوبات التعزيرية زاجرة فقط أم جابرة 12 أيضاً ؟

اتفق فقهاء الشريعة الإسلامية على أن العقوبات التعزيرية زاجرة في الدنيا ، و أن بعضها جابرة بالدنيا من مثل التعزير بالمال . 

و قد شرعت الجوابر لاستدراك المصالح الفائتة ، فشرع الجبر مع الخطأ و العمد و الجهل و النسيان وعلى المجانين و الصبيان ، والجوابر تقع في العبادات ، و الأموال و النفوس و الأعضاء ، و منافع الأعضاء و الجراح . 

أما حدوث الجبر في الآخرة فقد اختلف فيه الفقهاء على اجتهادين : 

الاجتهاد الأول : و هو رأي الحنفية ، فقد قالوا : بأن العقوبة الأخروية لا تسقط بالعقاب الدنيوي ، و إنما يلزم لسقوطها التوبة .

الاجتهاد الثاني : و هو قول الجهور ، فقد قالوا : بأن العقوبة الدنيوية مسقطة للعقاب في الآخرة 

أدلة الاجتهاد الأول : 

استدل أصحاب هذا الاجتهاد بالعديد من الأدلة ، و لعل أهم تلك الأدلة ما يلي :  

قوله سبحانه و تعالى :  

{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) } 

إن اسم الإشارة يعود إلى التقتيل أو التصليب أو النفي ، فقد جمع الله تعالى عليهم عذاب الدنيا و الآخرة ، و أسقط عذاب الآخرة بالتوبة ، فإن الاستثناء عائد إليه للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا بعد وصولها للسلطان .  

كما أن العقوبة تقام على الكافر و لا تطهره في الآخرة اتفاقاً ، ثم إنها تقام على كراهة من يقام عليه الحد .  

أدلة الاجتهاد الثاني : 

استدل جمهور العلماء بأدلة كثيرة منها ما روي عن عبادة بن الصامت قال : كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مجلس ، فقال : ( تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، و لا تزنوا ، و لا تسرقوا ، و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، و من أصاب شيئاً من ذلك ، فعوقب فهو كفارة له ، و من أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه ، فأمره إلى الله عفا عنه ، و إن شاء عذبه ) .  

و ما روي عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أصاب حداً ، فعجل الله له عقوبته في الدنيا ، فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة ، و من أصاب حدا ، فستره الله عليه و عفا عنه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه ) .

 و قد اعترض أصحاب الاجتهاد الأول بقولهم :  

إن عقوبة الدنيا ، و الآخرة لا يلزم اجتماعها ، فقد دل الدليل على أن عقوبة تسقط عقوبة الآخرة ، و أما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة ، و لهذا خصهم بما قبل القدرة ، و عقوبة الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة ، و بعدها .  

و يدل على أن الحد يطهر الذنب ما ورد عن الغامدية قولها : ( إني قد زنيت فطهرني ) .  كذلك فعل ماعز و لم ينكر عليهما النبي- صلى الله عليه وسلم – ذلك ، فدل على أن الحد طهارة لصاحبه . 

و حمل أصحاب الاجتهاد الأول مفهوم حديث : ( من أصاب حداً فعجل الله له عقوبته )على من تاب في العقوبة ، لأنه هو الظاهر ، لأن الظاهر أن ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه سبب فعله ، فتقيد به جمعاً بين الأدلة .

و لعل الراجح ما بين الاجتهادين هو : رأي الجمهور القائل بأن العقوبات زواجر جوابر ، و ذلك لقوة أدلتهم و سلامة منطقها ، واستدلالاتها .  

و خلاصة الأمر في الردع و الزجر أن الهدف منه : هو منع الجاني من معاودة الجريمة مرة أخرى ، و منع غير الجاني من تقليده بالإجرام ، لأن التعزير الذي أقيم على من ارتكب الجريمة يمكن أن يقع عليه إذا وقعت منه الجريمة ، فيرتدع و ينزجر عن ارتكاب أي جريمة ، لذا يجب أن تكون العقوبات التعزيرية زاجرة رادعة لاستئصال الجريمة ، و المجرمين ؛ و من في قلبه مرض من جنبات المجتمع ، والجماعة . 

و في الختام : 

نسأل الله تعالى أن يهدينا ، وإخواننا بالعودة إلى كتابه ، وسنة رسوله  - صلى الله عليه وسلم .  

{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } (سورة البقرة 285 - 286) . 

                                                           الحمد لله رب العالمين . 

تعليقات

الكلمات الدلالية