الأحد
7/1/1443هـ - 15/8/2021 وحتى الأربعاء 10/1/1443ه - 18/8/2021م
المقــدمــة
مؤتمر الأمة لمواجهة غلاة التبديع، وهو الأول من نوعه عالمياً، والأول من حيث ضخامة الحدث، والتفاف الصف الإسلامي حوله في أكبر تجمع من جميع أنحاء العالم الإٍسلامي لم يعرف منذ سنوات، سواء من الروابط أو الاتحادات أو مراكز البحوث وغيرها، هذا المؤتمر الكبير حقق أهدافه قبل أن يبدأ، وبلغ أثره في التيار المخالف مبلغاً جعل منهم يشنون عليه الحملات المضادة قبل الشروع فيه وبعده، تميز بالموضوعية في الطرح والعلمية، والموضوعية في التناول، والتنظير المؤصل، واشتركت فيه الرؤى الشرعية مع السياسية.
الرسالة
بناء شبكات وآليات وتحالفات لأهل السنة تراعي التحديات في العمل الإسلامي وآفاقه المستقبلية من خلال الوسائل المتنوعة؛ لتحقيق التكامل والتعاون في مواجهة غلاة التبديع في أمة الإسلام.
الأهداف
التعريف
والتصدي لغلاة التبديع المعاصرين
تحقيق
التكامل والتنسيق بين العلماء والمؤسسات لمواجهة غلاة التبديع
تنمية العاملين والمؤسسات المهتمة بمواجهة غلاة التبديع
مؤشرات
القوة التي تمتع بها المؤتمر
التأييد
الواسع من كل الأطياف في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
اتفاق
المشاركين في المؤتمر على أنه خطوة غاية في الأهمية وإن أتى متأخراً.
المتانة
العلمية لمواد المؤتمر والتي لم يتم الرد عليها بصورة علمية.
الكم
الهائل من رسائل التشجيع التي وردت للجنة المنظمة، والتي تنوعت بين التهنئة والشكر
والمطالبة بالاستمرار.
الاضطراد
المستمر في تزايد عدد الرعاة للمؤتمر حتى قبيل انطلاقه.
حملة التوقيعات على البيان عقب صدوره والتي لاقت القبول والاستحسان.
اليوم
الأول
كلمة الأمين العام للمؤتمر الدكتور/ محمد الصغير
عضو
مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - مستشار وزير الأوقاف - وكيل اللجنة
الدينية بالبرلمان المصري السابق
الحمد
لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه
واتبع هداه .. وبعد:
فهذا
المؤتمر (مؤتمر الأمة في مواجهة غلاة التبديع) جاء في وقته، وهو من فقه الوقت، ومن
واجباته التي يحتاج إليها المجتمع المسلم الآن، نسأل الله تعالى أن يجزي من أقام
هذا المؤتمر وأعدَّ له، ودعا العلماء إليه خير الجزاء.
إن
الأمة كجسد الإنسان يصيبها الأمراض والفيروسات وجهاز المناعة في جسد الأمة هم
العلماء، فهم الذين يقومون بحماية هذا الجسد مما ينهشه أو يعتدي عليه، لا سيما إن
كانت ما تصاب به الأمة يتعلق بأمر يخص الشريعة الإسلامية، وأصول هذه الملة.
ظاهرة التبديع التي استشرت في هذه الأيام -وهي قديمة حديثة- موجودة عند كل دِين إذا غلا أصحابه فيه؛ لِذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ﴾ [صحيح البخاري 3048]، وقال صلى الله عليه وسلم: ﴿إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ﴾ [صحيح مسلم 2623]، وأي هلاك للناس أكبر من أن يوصف المسلمون بالبدعة؟!
لقد
اتفقت كلمة علماء الأمة على أن البدعة شرٌ من الكبيرة؛ لأن مرتكب الكبيرة يعلم أنه
على خطأ، ويفكر في التوبة إلى الله تعالى منها، وربما راوده شعور الندم على ما
فعل. أما المبتدع فهو يظن أنه يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بهذه البدعة؛ إذ البدعة
مرحلة شر من الكبيرة وأقلُ من الكفر، لذا جاء في الحديث النهي عن تكفير المسلم:
﴿إذا كَفَّرَ الرَّجُلُ أخاهُ فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما﴾ [صحيح البخاري (6104)،
وصحيح مسلم (60) واللَّفظُ له]، كذلك من بدَّع مسلماً فقد أخرجه من دائرة الالتزام
بالسنة، أو عن الوقوف عند حدود الشريعة؛ فمن الذي أعطى جماعة معينة، أو طائفة
بعينها هذا الخاتم وهذا الطابع لتدخل في نطاق أهل السنة من أرادت، أو تدخل فيه من
أحبت، أو أن تقصره على طائفة معينة توافقها في المذهب، أو تتفق معها في الفكرة، بل
ومنهم من أراد أن يحصرها في دائرة جغرافية معينة؟!
كان
التعصب معروفاً حتى عند أصحاب المذاهب الفقهية، لكن لم يكن أبداً بهذه الصورة التي
اتسعت وزادت غباوتها وغشايتها كما يحدث الآن من طوائف ينتسبون إلى السلف الصالح أو
إلى السلفية، أو ينتسبون إلى المذاهب الفقهية ثم يريدوا أن يحصروا دائرة أهل السنة
فيهم!
إن
العجب الذي لا ينقضي، والجديد لدى هؤلاء: هو هذا الشر الذي استطار وانتشر في هذا
الزمان لدى طوائف التبديع التي أخذت أشر ما في الفرق الإسلامية، إذا تعاملوا مع
العلماء تعاملوا معهم بحدة الخوارج وشدتهم، وإذا تعاملوا مع الحكام -لا سيما مع
المتسلطين والمستبدين منهم- تعاملوا معهم بتأليه الشيعة وتقديسهم، وإذا صدر من
حاكمٍ مستبدٍ مخالفةً لثابت من ثوابت الدين، أو خروجاً عن مقتضى من مقتضيات الأمة،
رأينا هؤلاء أصحاب الألسنة الحداد الخوارج على العلماء استداروا فأصبحوا مرجئة في
التعامل مع الحكام!
مما
يؤكد أن هذه الأعمال، وهذه الأوصاف، وهذه الأحكام إنما تخرج عن هوى، وتخرج عن غرض،
وليس عن إصلاح أو من مصلحين.
أن يتداعى علماء الأمة لمواجهة هذه الظاهرة فهذا واجب من الواجبات التي يفرضها عليهم الحفاظ على وسطية هذا الدين؛ فإن غلاة التبديع ينفون عن الشريعة الإسلامية معلماً من أهم معالمها ألا وهو معلم الوسيطة، وسمة من أهم سماتها ألا وهي سمة التيسير، ﴿يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا، ولا تُنَفِّرُوا﴾ [صحيح البخاري 69]، عكسوا هذا الأمر وأخذوه من الجهة المعاكسة المغلوطة.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يُجري الحق على ألسنة العلماء، وعلى ألسنة المتحدثين، وأن يكونوا الرُبان الحقيقي الذي سيقود سفينة الإسلام والدعوة إلى شاطئ الأمان بعيداً عن الغلو المقيت أو التفريط المرذول؛ إن ربنا بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المحاضرة
الافتتاحية
صفات
أهل التبديع وأبرز أخطائهم الدكتور/ محمد الحسن الددو
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - رئيس مركز تكوين العلماء
الحمد
لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين؛ نبينا محمد وعلى آله
وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.
إخوتي
وأخواتي!
إنَّ
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وهداه النجدين، وجعله قابلاً للخير والشر، وأقام
عليه الحجة، وأنار له المحجة، فبعث الرسل مبشرين ومنذرين ﴿لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]، وأنزل الكتب،
وقفَّى على آثار المرسلين وختمهم بسيدهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فأرسله
على فترة من الرسل، واقتراب من الساعة، وجهالة من الناس بالحنيفية السمحة ليلها
كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأنزل الله إليه هذا الكتاب المبين، والذكر
الحيكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به
عُصم، ومن نطق به صدق، ومن تركه من جبار قصم الله ظهره، فيه خبر من قبلكم، وفصل ما
بينكم، وخبر ما بعدكم، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ
خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42]، أتم الله به الدين إلى أهل
الأرض وختمه وأنزل في ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:3]، وقد بيَّن
رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج الذي أرسل به أتم بيان كما أمره الله
سبحانه وتعالى بذلك في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44]، ونقل ذلك عنه أصحابه الثقات المعدَّلون الذين
رضي الله عنهم وأرضاهم وزكاهم وعدلهم، وأوصلوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان من
جماهير علماء هذه الأمة الصالحين، وما زالت هذه الأمة تتناقل ذلك خلفاً عن سلف حتى
وصل إلينا؛ فهذا القرآن كما أنزل، وهذا الدين كما شرع، وهذه السنة كما جاء بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كل ذلك هو الحق لا يرتاب فيه إلا مفتون، ولا
ينحرف عنه إلا من أضله الله تعالى، وقد بيَّن الله سبحانه تعالى أن هذه الأمة هي
خير أمة أخرجت للناس، وبيَّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخير في أولها
وآخرها فقال: ﴿مثَلُ أُمَّتي مثَلُ المطَرِ؛ لا يُدْرَى أوَّلُه خيرٌ أمْ آخِرُه﴾.
[أخرجه
الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه رقم: (2869)].
وهذه الأمة وجه فضليتها على الأمم وسبقها لجميع الأمم: أنها قائمة لله بالحجة على خلق الله، مبينة لشرع الله، منطلقة من وحي الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]، وهذه الخيرية في هذه الأمة لا تنافي ضلال الضالين منها، وانحراف المنحرفين منها، ولكن لا بد أن يبقى فيها من تقوم به الحجة لله تعالى، فقد أخرج أبو عمر ابن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ يَحمِلُ هذا العِلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفُونَ عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبطِلِين، وتأويلَ الجاهلِين﴾، وتحريف الغالين هو ما يحرفونه به النصوص، ويلوون أعناقها، ويأخذونها عن مواضعها، وهؤلاء المحرفون يجعلون من أنفسهم حكاماً على الناس، فما هم عليه من الاجتهاد يرون أنه لا محيص ولا محيد لأحدٍ عنه، وأن من خالفه فهو مبتدع إن لم يكن كافراً، وأن كل ما عندهم هو الحق المحض الذي لا مرية فيه ولا إشكال، وأن كل ما لدى مخالفيهم فهو الباطل المحض.
وهؤلاء
قد ابتلاهم الله سبحانه تعالى بفتنة عظيمة، منها:
أولاً:
إعجابهم بأنفسهم:
وذلك أصلُ كل داءٍ من أمراض القلوب، فإبليس لعنه الله ما استحق اللعن إلا عندما أعجب بنفسه وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:12]، فاستحق أن يطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى.
ثانياً:
أنهم غير متسعي البال بالعلم وغير متسعي الباع فيه:
فوصلوا
إلى بعضه فأخذوا بجانب منه وتركوا الجوانب الأخرى، وهذا داء عظيم وهو الجزئية وأخذ
جانب من الحق والإعراض عن بقيته، وقد نعى الله ذلك على اليهود فقال:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:85]، فالذي لا يحكم
هذا القرآن وهذه السنة بكل ما فيها من التفاصيل وبجزئياتها كلها ويأخذ بها جميعاً
ولا يرد شيئاً منها مفتون لا شك، وهذه الفتنة يسلك بها طريق اليهود المغضوب عليهم
فقد علموا ولم يأخذا بما أوتوا من العلم، فضُرب لهم أسوأ الأمثلة كالحمار يحمل
أسفاراً فوق ظهره فلا هو ينتفع بها، وهي ثقل عليه وحجة ووبال.
وهؤلاء الذين أصيبوا بهذا الداء لا يأخذون من النصوص إلا ما يوافق أهواءهم، كما أنهم لا يطلعون من كلام الآخرين إلا ما على فيه انحراف، أو ما يمكن تأويله على الانحراف، فقد اتصفوا بوصف الذباب الذي لا يقع إلا على القذر، كما روي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه أنه كان يُقرأ عليه كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر بشرح صحيح البخاري وحوله بعض هؤلاء المتنطعين، فقرأ القارئ مدة طويلة حتى جاء إلى تأويل وصف من أوصاف الله سبحانه وتعالى فشغب الرجل، فقال له الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "اسكت فما أنت إلا كالذبابة لا تقع إلا على القذر، فقد سمعت العلم الصحيح بأنواعه في هذا المجلس فلم يحرك ذلك لك ساكناً ولم تشم له رائحة ولم تذق طعماً، حتى جاء ما فيه خطأ فشغبت به وفرحت به".
ثالثاً:
أنهم يفرحون بأخطاء المسلمين ويتتبعونها:
كأنهم جعلوا من أنفسهم ملائكة يكتبون على البشر، وقد جعل الله تعالى على البشر ملائكة يكتبون فكل فرد جعل الله عليه واحداً وعشرين ملكاً يحصون عليها أعماله ويعدونها، والله سبحانه تعالى هو الشهيد الذي لا يغيب، وهو غني عن أولئك الملائكة جميعاً، لا تخفى عليه خافية، وهو أسرع الحاسبين، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41].
رابعاً:
أنهم جعلوا للميزان كفة واحدة:
فإنهم لا يزنون الناس ولا النصوص ولا الكلام ولا الأعمال ولا الجماعات ولا الأحزاب ولا أي شيء إلا بكفة واحدة، فما كان موافقاً لمذهبهم ولرأيهم فهو الصواب المحتوم، وما سوى ذلك فلا وجود له أصلاً، ولا نظر إليه، وهذا مخالف لسنة الله في خلقه، فالله جل جلاله هو المالك للخلائق، وهو الخالق لهم، وهو المدبر لشؤونهم، وكل ما عندهم من النِعم فمنه، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:53]، ومع ذلك فإنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة فيزن أعمال الناس، فكل أحدٍ حتى لو كان مشركاً كافراً، ولو كان إبليس، ولو كان أبا جهل، ولو كان فرعون؛ فإنه يوضع الميزان بين يديه له كفتان فيوضع في إحدى الكفتين حسناته وفي الأخرى سيئاته، فمن رجحت كفة حسناته نجا، ومن رجحت كفة سيئاته هلك، وحينئذٍ تقام الشهادة على الخلائق، فتؤمر الأرض فتتحدث بما صُنع عليها من الأعمال، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا* وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:1-8]، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:102-104].
خامساً:
أنهم يلتبس عليهم أمر الحق والوحي المنزل المعصوم:
فهم
يلتبس عليهم أمر الحق والوحي المنزل المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، وكلام الرجال المجتهدين الذي يقدرون ولا يقدسون، ويلتمس لهم العذر، ومع
ذلك يعلم أن كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون، وبذلك لا يميزون بين
اجتهادات بعض الأئمة وما نقل عن بعضهم في ظروف معينة تختلف عن ظروفنا التي نعيشها
من الاجتهادات.
فمثلاً:
قد يزعم بعضهم أنه يتابع السلف الصالح فإذا ما ذكرت بعض السلف الصالح طعن فيهم،
فالسلف الصالح عنده غير محددين، وإنما أهل وجود ذهني فقط لا وجود له خارجي، ولذلك
لا تراه يلتزم منهم منهجاً معيناً. إذا قلت له: هل الصحابة الكرام من السلف
الصالح؟ فقال: نعم. فقل له: هل الحسين بن علي بن أبي طالب وسليمان بن صُرد وعبد
الله بن حنظلة الغسيل وعبد الله بن الزبير بن العوام وأمثالهم هل هم من الصحابة
الكرام؟ سيقول: نعم. لكنه يرى أنهم جميعاً قد ابتدعوا، وأنهم خرجوا على السلطان،
وأنهم في ذلك على فتنة، وهكذا في التابعين إذا ذكرت له أئمة التابعين من أمثال
سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة بن دعامة السدوسي وبكر بن عبد
الله المزني وإياس بن معاوية بن قرة وغيرهم من الذي خرجوا على الحجاج وقاتلوه في
ثورة الفقهاء فإنه سيقول: نعم إنهم من التابعين ولكن مع ذلك يبرأ منهم ويرى أنهم
أهل فتنة، وهكذا في كل عصر من العصور، إذا أتيت إلى ذِكر الذين أنكروا المنكر
ووقفوا ضده ووقفوا مع الحق حيث كان فإنه لا يعترف بهم ولا ينتسب إليهم.
ومن
هذا القبيل: أنه ينظر مثلاً إلى بعض الناس أنهم دائماً على خطأ، وإلى بعض الناس
أنهم دائماً على صواب، فهو يرى أن الحكام دائماً على صواب، وأنه لا يحل الكلام في
خطأ أي أحد منهم، ولا تراه يتكلم أبداً في أي خطأ ولا أي منكر سواء قتلاً أو
تعطيلاً لشرع الله أو تحريفاً له أو تبديلاً، أو منعاً للآخرين من عبادة ربهم الذي
خلقهم وسواهم، أو حيلولة بين الناس وبين تعلم شرع الله وكتابه أو غير ذلك من
الطوام الكبرى، لا ينظر إلى هذه ولا يُقدر لها وزناً ولا يعد لها احتراماً، وفي
مقابل ذلك تجده تابعاً لمواقفهم أياً كانت حتى لوقفوا ضد شرع الله بالكلية، وطبعوا
مع الصهاينة الغاصبين المحتلين لمقدسات المسلمين؛ فيرى أنهم على حق وصواب، وتجده
يبحث فيبعد النُجعة في التماس الأعذار لهؤلاء، وفي مقابل ذلك تجده جسوراً على
الطعن في الداعين إلى سبيل الله، ومعلمي الناس الخير، والمرشدين إلى ما جاء به
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى نقلة السنن، وسريعاً إلى الطعن فيهم، كما قال
الشاعر:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه *** وليس إلى داعي الندى بسريع فهذا النوع من الناس هم أهل انتكاس في تصورهم.
تنبيه: أنبه إلى أنه هذا النوع من الناس لا يختصون بمذهب ولا بطائفة ولا ببلد، بل هم أهل تربية معينة كانت منحرفة معوجة فنشأ عليها أجيال من الناس تعودوا على ذلك فأورثه أكابرهم أصاغرهم، واستمروا عليه، وإذا جاء مصلح رموه عن قوس واحدة، ولا يريدون التفكير ولا التقويم ولا المراجعة أبداً فيما هم عليه. وهذا في مختلف المذاهب حتى المذاهب الفقهية يوجد بعض هذا التعصب، وفي المذاهب العقدية كلها يوجد بعض هؤلاء المتعصبين في الماضي وفي الحال.
سادساً:
لا يميزون بين عَالم الغيب وعَالم الشهادة:
وكذلك
نجد أن من طوامهم وأغلاطهم الكبيرة: أنهم لا يميزون بين عَالم الغيب وعَالم
الشهادة، وكل له طبيعته ومنطلقه وتصوره المختلف تماماً، فهم يريدون أن يحملوا كل
شيء فيما مضى من الزمان يفسرونه كأنهم حضروه وشهدوه، وما يستقبل من الزمان كذلك
كأنهم حضروه وشهدوه واستوعبوه، ويريدون قياس الغائب على الشاهد، وقياس الغيب على
الشهادة، ويقعون في هذه الأخطاء الجسيمة، ونحن نعلم أن الدين نزل على الصحابة
الكرام أهل الفطرة والسلامة والاستقامة والخير فجاءهم به رسول الله صلى الله عليه
وسلم كتاباً وسنة فاستوعبوه ولم يكونوا سواء، فمنهم من كان من أهل العلم البارزين
الذين استوعبوا هذه النصوص ومقاصدها، وفهموا ما أراد بها الله سبحانه وتعالى وما
أراد بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم أهل الاجتهاد وأهل الفتوى وهم
قليلٌ، وليسوا عامة الصحابة بل أوصلهم ابن حزم إلى ثمانية عشر، وأصلهم النسائي إلى
واحد وعشرين هم الذي رويت عنهم الفتوى والاجتهاد من الصحابة الكرام، وهم الذين
أحال الله إليهم بقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي
الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83]،
ولم يقل: "لعلموه جميعاً".
وكذلك
التابعون بعدهم أيضاً فيهم أهل اجتهاد، ومن دون ذلك، وكذلك أتباع التابعين، وكذلك
كل زمان فيهم مجتهدون تقوم بهم الحجة لله تعالى غير معصومين يقعون في أخطاء
اجتهادية طلبوا فيها وجه الله، وطلبوا فيه الحق، وما وصلوا إليه من الحق والصواب
فمن فضل الله وتوفيقه يثابون عليه ثوابين، وما أخطأوا يثابون ثواباً واحداً ولا
يعاقبون على الخطأ لأنهم إنما التمسوا الحق وفعلوا ما أمروا به، وطلبوا الوصول إلى
الصواب من طريقه.
لكن هؤلاء المنحرفين يرون أن الذين يخالفونهم الرأي في أمر من الأمور كأنهم يعشون معهم الآن، ولذلك يرون أن حال الأمة كحالها في أيام الصحابة الكرام، وهذا لا شك أنه قياس خمر على لبن، فمن المعلوم الصحابة الكرام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا جميعاً أهل اللسان العربي على وجه السليقة، يفهمون القرآن والسنة دون الحاجة إلى ترجمان، وقد شهدوا الوقائع وشهدوا نزول القرآن وورد السنة؛ فلذلك لم يحتاجوا إلى البحث كثيراً في أي جانب من هذه الجوانب، ولم يحتاجوا إلى البحث في جهة الإسناد والورود لسماعهم من الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم ولسماع بعضهم من بعض، وهم معدلون بتعديل الله، وكثير من التعقيدات المدنية والحيوية في حياتنا اليوم لم تكن في أزمانهم، وكثرت بعدهم في أزمان من بعدهم واختلف الواقع تماماً، وقد أخرج الترمذي في السنن عن الجوزجاني قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنَّكم في زمانٍ من ترك فيه عُشرَ ما أُمر به هلك، وسيأتي زمانٌ من عمِل فيه بعُشرِ ما أُمر به نجا﴾ [رواه الترمذي رقم 2267]، ولا شك أن الناس اليوم وفي العصور السابقة إلى وقت طويل كلهم يحتاج إلى أن يتعلم أن الفاعل مرفوع، وأن المفعول به منصوب، وأن المضاف إليه مجرور، وليسوا من الناطقين بالعربية على وجه السليقة، فمن أراد إلى أن يحاكمهم إلى فهم الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان؛ فإنه كلفهم عناءً، وأجهدهم ما لا يطيقون، فكلٌ أبناء زمانهم، وكلٌ يكلف على حسب ما في أيدهم ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7].
سابعاً:
البحث عن الخصومات والخصوم:
كذلك
فإن هؤلاء المتنطعين يبحثون عن خصومات كانت في زمان مضى فيحاولون إيحاءها فإذا لم
يجدوا طرفاً يلصقونها به عينوا في أنفسهم طرفاً معيناً وألقوا عليه تلك الصفات
التي قالها بعض السلف في بعض معاصريهم الذين اختلفوا معهم في بعض تلك الأمور، فهم
الآن يبحثون عن الجهم بن صفوان بين أظهرنا اليوم، ويبحثون كذلك عن أضرابه وأمثاله
من المنحرفين فيبحثون عن ابن أبي دؤاد وبشر المريسي وعن غيرهم، كأنهم يبحثون عنهم
الآن فهم كأنما يأخذون برأي الانحراف الآخر بالبحث عن المهدي المختفي ونحو ذلك.
ولا شك أن ذلك إنما هو من روح التعصب التي تربو عليها ونشأوا عليها، ومن الجزئية
وعدم الشمول في أخذ هذا الدين كله، فيقعون في مثل هذه الطوام والأخطاء.
ثامناً:
استباحة الكذب على الناس:
كثير منهم يستبيحون الكذب على الناس، وتحريف الكَلِم عن مواضعه فينسبون إلى كثير من الناس ما لم يقولوه، وينسبون إلى المذاهب قولاً قاله فرد واحد ينتسب إلى المذهب فيجعلونه كأنه المذهب، وينسبون إلى الجماعات تصرفاً واحداً تصرف به شخص غير معصوم فيرون أنه فعل هذه الجماعة كلها.
تاسعاً:
يرون أنهم الطائفة المنصورة:
ومن
أخطائهم الكثيرة أنهم يرون أنهم الفئة المعصومة والطائفة المنصورة، وأن من سواهم
من هذه الأمة كلهم من الفرق الضالة والمنحرفة، ولا يعلمون أن الفرق لا تبعث يوم
القيامة ولا تحشر وإنما يحشر الناس أفراداً، كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ
آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:95]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي
كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:111]، فالناس لا يبعثون أحزاباً
ولا جماعاتٍ ولا فرقاً، إنما يبعثون أفراداً كل فرد يعرض عليه كتابه، ويحاسب على
عمله، ولا علاقة له بغيره بل يفر من أقاربه جميعاً، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ
مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:34-37]، فذلك مقتضٍ لأن ندرك أن كل
إنسان على نفسه بصيرة، وأن كل إنسان مكلف بما لديه، وأن الإنسان قد يرى اجتهاداً
ورأياً في وقت من الأوقات ويعدل عنه ويرى غيره، وبقاء ذلك الرأي مرتبطاً به ونسبته
إليه في كل الأوقات والطعن به فيه مثلاً هذا لا شك أنه من عمل المبتدعة، فأئمة
الاجتهاد جميعاً ما منهم من أحد إلا وله رجوع كثير عن كثير من الأقوال والاجتهادات
التي قالها، فأبو حنيفة رحمة الله عليه له ما يعرفه أهل المذهب بالنوادر، وهي ما
كان على خلاف الرواية المشهورة عنه والمعروفة من فقهه، ومالك رحمة الله عليه
أحصينا له مائة وثمانية وتسعين مسألة رجع فيها عن قوله الأول، والإمام الشافعي
رحمة الله عليه كذلك له مذهبان المذهب القديم والمذهب الجديد، وفي كل أقوال متعددة
ورجوع وحوار ومناقشة، وكذلك في كثير من المسائل في كتاب الأم يقول: القول في هذه
المسألة أحد القولين. فيبقى متردداً لا يجزم بها بقول اجتهادي، وكذلك الإمام أحمد
بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين ذكر عنه أبو يعلى القاضي ثلاثة عشر مسألة في كل
واحدة منها عنه عشر روايات، ومن النادر أن تجد له مسألة في المذهب إلا وله فيها
روايتان أو أكثر، إما أن تكون روايات منقولة عن الإمام، وإما أن تكون مخرجة على
فتواه في مسائل أخرى تشبهها .. وهكذا أئمتنا في مختلف المجالات، ومع ذلك لا شك أن
التعصب لآراء المجتهدين طامة من الطوام، وأن المجتهدين لو عاشوا لرجعوا وتراجعوا
عن كثير من اجتهاداتهم، ولذلك قال الأصوليون: المجتهد الحي أولى بالتقليد من
المجتهد الميت؛ إذ لو عاش لربما غَير رأيه كما رأيناه غير رأيه في حياته في كثير
من المسائل.
وكذلك
فإن واقع الناس الآن يختلف تماماً عن كثير عما كانوا يعيشونه، فالصحابة الكرام والتابعون
لهم بإحسان كانوا يقرؤون هذه النصوص ويفهمونها كما قرءوها بسجيتهم العربية الصرفة
التي ليس فيها مداخلة للعلوم العقلية ولا لغير ذلك، ونحن اليوم قد دخلت إلينا هذه
العلوم واللغات، ودخل الناس في دين الله أفواجاً؛ فلا يمكن أن نقيس أهل زماننا على
أهل ذلك الزمان، بل نشأ هذا قديماً في القرن الثالث الهجري عندما ترجمت العلوم
وأصبح كثير من الحضارات إسلامياً بعد أن كانت حضارات أجنبية، وفتحت البلدان
والأمصار، ودخل أهل هذا الدين وتعلموه أصبح لديهم الكثير من المشكلات والإشكاليات
التي لم تكن مطروحة في زمان من سبق، فكان الأولون كما قال الإمام أحمد بن حنبل
رحمه الله -في بعض النصوص في القرآن والسنة تتعلق بالعقائد- قال: تفسيرها قراءتها
ولا كيف ولا معنى. أي أنهم يقرؤونها بلسانهم العربي المبين كما هي فيفهمونها على
ما جاء ولا يتعدون ذلك، ولا يبحثون عن الكيفيات في أمور الغيب، ولم يكونوا
يشرحونها ويفسرونها، ونحن اليوم محتاجون إلى شرح هذه الألفاظ وبيانها وذلك لأننا
لم نعد من الناطقين بالعربية على وجه السليقة، ولذلك جاء بعدهم التابعون وأتباعهم
فكانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك استنكروا على السائل، وربما أحالوه إلى العلم، كما
قال مالك وروي أيضاً عن شيخه ربيعة عندما سأله رجل عن الاستواء على العرش، فقال
له: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن بدعة، وما أراك
إلا صاحب سوء أخرجوه عني. وفي رواية: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول.
ومعلوم: أي عند الناطقين بالعربية كأصحاب مالك ومن كان قبلهم، أما في زماننا لو
قلت لأي شخص من الناس الاستواء معلوم. لقال لك: غير معلوم لدي. فلذلك تحتاج إلى
مثل هذه الأمور التي تحوج إلى اجتهاد وهي غير قليلة، فقد اجتهد أهل العلم في كل
زمان، كما أحال الله إليهم عند الاختلاف فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا
جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ﴾ [النساء:83].
ولذلك
هؤلاء المتطرفون المتعصبون يعودون ويرجعون إلى اجتهادات علمائهم وأشياخهم التي
يعلمون أنها قطعاً من الأمور المحدثة ولم تكن لدى السلف، وكثير مما يمتحنون الناس
عليه في الاعتقاد لم يكن الصحابة يعرفونه، فالصحابة يرون أن كل من قال لا إله إلا
الله محمد رسول الله. فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم وهو منهم، وقد حرم
دمه وعرضه وماله، وهؤلاء يرون أن ذلك لا يكفي وأنه لا بد مع ذلك من شروط لا إله
إلا الله، ولا بد مع ذلك من أمور كثيرة من الجزئيات التي لو سئل عنها أبو بكر
الصديق رضي الله عنه لما فهمها، ولو سئل عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما
عرفها، فلم يكن أحد منهم يعرف شروط لا إله إلا الله، ولم يكن يعرفوا جزئيات
المسائل العقدية بالتفصيل، وإنما كانوا يؤمنون هذا الإيمان الجملي الذي انطلقوا
فيه من فهمهم للنصوص على سليقتهم وعربيتهم والأصلية، ولم يحتاجوا إلى كثير من
التأويلات والجزئيات التي احتيج إليها فيما بعدهم، وليس هذا إنكاراً لتلك الجزئيات
فنحن نحتاج إليها، ولكن معنى ذلك أن حاجتنا إليها تقتضي منا أن نترك ما كان عليه
سلفنا الصالح من الشهادة بالإيمان لكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله،
ورأيناه يواظب على الوضوء ويداوم عليه ويصلي الصلوات الخمس إلى القبلة في أوقاتها
فهذا هو المسلم، وسريرته نكلها إلى الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [التوبة:11]، ولا
نكلَف بالسرائر فالله يتولى السرائر ونحن قوم نحكم بالظواهر، ولذلك من رأينه يداوم
على الوضوء فإنه لا يداوم على الوضوء إلا مؤمن، ونحمله على ظاهره، ونَكِلُ سريرته
إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك نعلم أننا نحن أيضاً خطاؤون فلا نجعل من أنفسنا
شهوداً أو قضاة على الناس ولا محاسبين لهم بل نسعى لتعليمهم ما علمناه وإرشادهم
إلى ما عرفنا وجه الصواب فيه، ونعذرهم إذا خالفونا في الأمور الاجتهادية التي
المجال فيها واسع، وكلٌ يخاطب على قدر فهمه وعقله ومستواه، ولا يمكن أن نجبرهم على
خرق إبرة وطريق ضيق اختص به فرد، فإنه لما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة قال
لمالك: إنه لم يبقَ عالم غيري وغيرك، أما أنا فقد شغلتني الخلافة، وأما أنت فاكتب
للناس كتاباً سأجبرهم عليه لا يخالفونه، فقال مالك: إن علم رسول الله صلى الله
عليه وسلم تفرق به أصحابه في الأمصار فلأهل كل بلد منهم ما أدركوا من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحب أن أجبر الناس على قولي ولا ما كان لدى أهل
المدينة.
وهكذا فأهل كل بلد لديهم من العلوم ومن الرواية ومما كان عليه من أدركوه من سلفهم الصالح ومن الصالحين ما يأخذون به ولا ينبغي أن يتعصبوا له ولا يرون أنه هو الحق الذي لا غبار عليه، فقد رأينا جماعة في أمريكا تسمى أمة الإسلام كان أهلها يرون في البداية أن الإسلام مختص بالسود، وأن من دخل الإسلام من البيض يجب قتله، وما ذلك إلا أنهم انطلقوا من واقعهم وتربيتهم؛ فتعصبوا على الآخرين وخلطوا الإسلام والدين بما ليس منه، وجعلوا ذلك من الثوابت، فمن ليس على هذا المنهج ولا على هذه الطريقة يجب قتله لديهم، حتى لو كان ذلك راجعاً إلى الفرقة كلونه فيرون أن الإسلام لا يستحقه إلا من كان أسود، ومن ليس كذلك ليس بمسلم لا يؤذن له بالإسلام أصلاً، وإذا دخل لا بد أن يقتل.
ختاما:
من
الجيد أن يدرك الناس أننا إذا أرشدنا الناس إلى الحق فليس معنى ذلك أننا نريد
إكراههم عليه ولا إلزامهم به، وإنما نريد أن نتفق على هذا الحق الذي لا غبار عليه،
وأن ننفي عنه ما سواه مما أضيف إليه مما ليس منه، وأن نبين للناس أن الدين قسمان
منه ثوابت ومعلوم من الدين بالضرورة وقطعيات محكمات لا يسع أحداً أن يتركها ولا أن
يخالفها، ومنه أمور اجتهادية وهي أوسعه وأكثره وأغلبه، وهذه يسع فيها الخلاف،
والخلاف فيها سيبقى قائماً، وهو ينقسم إلى قسمين إلى خلاف سائغ وخلاف غير سائغ،
فالخلاف غير السائغ هو ما يكون رداً لنص صريح صحيح لا مرية فيه، والخلاف السائغ هو
ما كان معتمداً على دليل، ولو اعتمد الطرفان على دليليين لم يكن أحدهما حاسماً في
مقابل الآخر، والخلاف سائغ أيضاً ينقسم إلى قسمين: إلى خلاف محسوم، وخلاف غير
محسوم، فالمحسوم ما ترجح أحد طرفيه بالدليل، وغير المحسوم ما لم يترجح أحد طرفيه
بالدليل، وأهل الأصول يقولون العلم بالراجح واجب لا راجح، وهذا محله لأهل الاجتهاد
والتبصر، أما من سواهم من المقلدين فهم غير ملزمين بذلك.
وكذلك
لا بد أن يكون من طرحنا البيّن الواضح -الذي نسأل الله أن ينفع به الناس- أن
يعلموا أن هذا الذي نقوله هو الذي يجمعنا، وهو الذي يقتضي منا تمسكاً بالثوابت،
وهو الذي يقتضي منا إنصاف غيرنا إذا خالفنا مطلقاً، ويقتضي منا أن لا نكفر أحداً
من المسلمين؛ فإن تكفير المسلم كقتله، وإذا قال المسلم لأخيه المسلم يا كافر فإن
كان كما قال وإلا حارت عليه، أي: رجعت عليه، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة
الكثيرة، والتحذير كذلك من تبديع أهل السنة ومن نقصهم، فنحن نريد زيادة أهل السنة
ولا نريد نقصهم، ونريد الالتزام بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشاعته
بين الناس، ولا نريد التعصب المقيت والذميم.
وأختم حديثي هذا بما حدثني به جدي محمد علي بن عبد الودود، عن يحويه بن عبد الودود، عن محمد بن محمد سالم المجلسي، عن حامد بن عمر، عن الفقيه الخطاط، عن القاضي ابن علي السُباعي، عن شيخ الشيوخ الفاضل الحسني، عن علي الأجهوري، عن البرهان العلقمي، عن أخيه الشمس العلقمي، عن جلال الدين السيوطي، عن زكريا الأنصاري، عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، عن إبراهيم التنوخي، عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، عن الحسين بن المبارك، عن عبد الرحمن بن محمد الداودي، عن عبد الله بن أحمد السَرَخسي، عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري، عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري قال في صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر، قال حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد، الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾.
وفقني الله وإياكم لقبول الحق والقول به، وعصمني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الندوة
الأولى / النشأة والتطور
المحور
الأول
بداية ظهور الجامية الدكتور/ مشاري المطرفي
باحث
ومؤلف ومحاضر - دكتوراه في العقيدة والفلسفة الإسلامية
المشرف العام على مركز مشكاة
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين،
اللهم
علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم
يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا .. اللهم آمين.
لقد
جاء الإسلام آمراً بالاعتدال والاقتصاد والوسطية في كل أمر، حتى ميزت هذه الأمة
أمة الإسلام وخصت بالوسطية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
وأمرنا
الله سبحانه وتعالى بالاستقامة والاعتدال، ناهياً عن الغلو والطغيان، فقال سبحانه
وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112].
وحذرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغلو ومجاوزة الحد المشروع لنا، فقال صلى الله
عليه وسلم ناهياً عن الغلو، مبيناً أنه سبب هلاك من قبلنا: ﴿إياكم والغلوَّ في
الدينِ فإنما أهلَك مَن كان قبلَكم الغلوُّ في الدينِ﴾.
وبيَّن
عليه السلام أن هذا المتنطع الغالي المتعمق، المجاوز للحد في قوله وفعله هالك لا
محالة فيقول: ﴿هلك المتنطعون﴾ قالها ثلاثاً.
فالغلو
والتطرف والتنطع في الدين منهي عنه بجميع أشكاله وبجميع صوره، وهو سبب هلاك من
قبلنا من الأمم.
وأخطر
أنواع الغلو والتطرف هو الغلو والتطرف في التكفير والتبديع بتكفير المسلمين
وتبديعهم بلا بينة ولا برهان إنما بالهوى والتشفي، وذلك لأن الغلو والتطرف في
التبديع يؤدي إلى الغلو والتطرف في التكفير؛ فالتبديع والتكفير أخوان ووجهان لعملة
واحدة، وذلك لأن أصلهم ومنبعهم واحد وهو الغلو في الدين؛ فالغلو في التبديع هو في
الحقيقة طريق الغلو في التكفير، والغلو في التبديع هو بوابة الغلو في التكفير.
وفي
عصرنا هذا ظهرت جماعات ضالة ومنحرفة من غلاة التكفير والتبديع تكفر وتبدع
المسلمين، وغلاة التكفير في عصرنا هذا هم الدواعش ومن على شاكلتهم، وغلاة التبديع
في عصرنا هذا هم الجامية ومن على شاكلتهم، والدواعش والجامية في الحقيقة وجهان
لعملة واحدة.
قال
الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق رحمه الله: "المداخلة وداعش وجهان لعملة واحدة،
فأما المداخلة فقد شنوا حرباً بالتبديع والتفسيق والإخراج من السنة لكل الجماعات
الإسلامية وجميع العاملين بالدعوة في العالم، وأما داعش فقد شنوا حربا باسم الجهاد
على المجاهدين فكفروا جميع الحركات الجهادية".
وقال
الشيخ أبو الحسن المأربي في كتابه (الدفاع عن أهل الاتباع) واصفاً منهج غلاة
التبديع من الجامية والمداخلة ومن على شاكلتهم في رده على ربيع المدخلي:
"وحقيقة هذا المنهج هو الغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم بل والغلو أيضاً
في التكفير ...".
فغلاة
التبديع في عصرنا الحاضر هم الجامية ومن سار على منهجهم الفاسد في التعامل مع
المخالف.
وبداية
ظهور الجامية كان في المملكة العربية السعودية، وتحديداً في المدينة المنوّرة على
ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، في حدود عام 1411هـ الموافق 1990م.
وذلك
إبّان أحداث الخليج الأولى، والتي كانت نتيجة لغزو العراق لدولة الكويت في
٢/٨/١٩٩٠م بعد أن قرّرت القيادة في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى
الاستعانة بالقوات الأجنبية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا،
واستضافتها على أراضيها، لتحرير دولة الكويت من الغزو العراقي، وانطلاق القواعد
الحربية الجوية والبرية والبحرية منها.
وهنا
وقع الخلاف بين العلماء حينها في مشروعية استدعاء هذه القوات الأجنبية الكافرة،
وتمركزها في الأراضي السعودية على قولين:
-
قسم يرى عدم جواز الاستعانة بهذه القوات الأجنبية الكافرة، وعلى رأسهم العلامة
الألباني، وسفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر العمر، وغيرهم.
-
وقسم يرى جواز الاستعانة بهذه القوات الأجنبية الكافرة لدفع المعتدي وحماية الدين
والدولة، وهم هيئة كبار العلماء وقتها، برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز،
وكذلك الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، وغيرهم.
وفي
خضم هذه الأحداث، ظهرت جماعة يترأسها الشيخ محمد أمان الجامي، ووقفت موقفاً مضاداً
للعلماء والمشايخ الذين استنكروا دخول القوات الأجنبية، وقالوا بحرمة دخولها،
وأيضاً كانوا في مقابل هيئة كبار العلماء والقائلين بجواز الاستعانة بالقوات
الأجنبية للمصلحة، إلا أنهم لم يجرِّموا من حرّم دخولها أو أنكر ذلك.
فجاءت
هذه الجماعة التي يترأسها محمد أمان الجامي واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشأوا فكراً
خليطاً، يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية، وفي المقابل يقف موقف
المعادي لمن يحرّم دخولها، أو ينكر على الدولة بالسماح لها بالدخول، بل ويصنفونه
تصنيفات جديدة، وصار الشيخ محمد أمان الجامي يهاجم كل من له رأي مخالف لرأيه في
مسألة الاستعانة ويحرّض الحكومة السعودية عليهم ويطلب منها إيقافهم ومساءلتهم.
ثم
التف بعد ذلك حول الشيخ محمد أمان الجامي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وألّف
كتاباً يؤيّد فيه الحكومة السعودية في الاستعانة بالقوات الأمريكية ضد العراق والذي
كان حاكمه آنذاك صدام حسين وسماه: (صدّ عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير
المسلمين). ثم انضم إليهم بعد ذلك الشيخ صالح السحيمي، والشيخ عبيد الجابري،
والشيخ فالح الحربي، والشيخ محمد بن هادي المدخلي، وفريد المالكي، وتراحيب
الدوسري، وعبد العزيز العسكر، وعبد اللطيف باشميل، وغيرهم من مشايخ المدينة.
وتحوّلت
المسألة من خلاف فقهي سائغ ومعتبر، إلى عداء وخصومة، فشنّ الشيخ محمد أمان الجامي
وأتباعه حرباً على المخالفين لهم في الرأي، فلم يتركوا شيخاً أو عالماً أو داعيةً
من المخالفين لهم، إلا وطعنوا فيه وصنّفوه وشهّروا به، وكان أساس تصنيفهم للعالِم
أو الداعية، هو موقفه من الدولة، فإن كان موقف العالِم أو الداعية مع الدولة فهو
منهم، وإن كان رأيه خلاف رأي الدولة ويرى بعدم جواز الاستعانة بالقوات الأجنبية،
فهو من الخوارج ومن المهيّجة على ولي الأمر، ومن المبتدعة الضالّين، ويجب التحذير
منه، وإسقاطه.
ومن
المشايخ والدعاة الذين أسقطوهم في تلك الفترة، الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين،
والشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ ناصر العمر، والشيخ عائض القرني،
والشيخ سعيد بن مسفر، والشيخ عوض القرني، والشيخ محمد الدويش وغيرهم.
فلما
رأى الشيخ عبد العزيز بن باز هجومهم وتجنّيهم على المشايخ والدعاة، أصدر بياناً
يستنكر فيه تصرّفهم، ويعيبُ عليهم منهجهم، وقام الشيخ سفر الحوالي بشرحه في درسه،
في شريط سُمّي لاحقاً: (الممتاز في شرح بيان ابن باز)، فلمّا انتشر الشريط وعرف
الناس منهجهم ذهبوا إلى الشيخ ابن باز، وطلبوا منه أن يزكّيهم حتى لا يسيء الناس
فيهم الظن، فقام الشيخ بتزكيتهم وتزكية المشايخ الآخرين، إلا أنهم لفرط اتباعهم
للهوى، وشدّة ميلهم عن الإنصاف، قاموا ببتر الكلام حتى أذن الله لهم بالفضيحة
والقاصمة، وظهر الشريط كاملاً ولله الحمد.
وبعد
انتهاء أحداث الخليج، وتحرّر دولة الكويت بفضل الله من الغزو العراقي الغاشم، قامت
الحكومة السعودية بسجن بعض العلماء والدعاة الذين كانوا على خلاف رأي الدولة
آنذاك، وهم الذين كانوا رافضين لمسألة الاستعانة بالقوات الأجنبيّة، والذين كانت
لهم وقتها شعبية كبيرة لدى طلبة العلم وعامة الناس، وكانت لهم جهود كبيرة في
الدعوة إلى الله، والذين كانوا من أبرزهم الشيخ ناصر العمر، والشيخ سفر الحوالي،
والشيخ سلمان العودة، والشيخ عائض القرني وغيرهم.
وذلك
بتحريض من جماعة المدينة أتباع الشيخ محمد أمان الجامي، الذين وقفوا موقف العداء
لهؤلاء المشايخ، وحتى تخفّف الدولة الاحتقان الحاصل بين الشيخ محمد أمان الجامي
وأتباعه وبين المشايخ المخالفين لهم بسبب كثرة الردود فيما بينهم سواء في الأشرطة
أو في الجرائد والرسائل والكتب.
وفي
هذه الفترة، وبعد سجن المشايخ المخالفين للشيخ محمد أمان الجامي وأتباعه، خلت
الساحة لهم، فبدأوا يلتفتون لأنفسهم، وأخذوا يقرّرون قواعدهم المنهجيّة، ويؤصلون
لمذهبهم الجديد، ويدافعون عنه، بعد أن كانوا مهاجمين لغيرهم فيما مضى. فأصبح لهم
أصول وقواعد واضحة وبيّنة، من التزم بها فهو منهم وهو سلفي، ومن لم يلتزم بها فهو
ليس منهم وليس بسلفي في نظرهم، فيجب التشهير به وفضحه ومحاولة إسقاطه.
وهكذا
انتشرت الجماعة بعد ذلك وأصبح لها أتباع ومؤيدون في كافة أنحاء المملكة العربية
السعودية، وكذلك في خارج المملكة العربية السعودية، فقد انتشرت في باقي دول الخليج
وفي مصر والأردن والمغرب وليبيا والجزائر، وكذلك انتشرت بين الجاليات المسلمة في
أوروبا وكندا وأمريكا وباقي دول العالم.
ساعدهم
على سرعة هذا الانتشار، نشاطهم في التأليف والردود، وجرأتهم في الحوار والجدال،
وكذلك استغلالهم للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي يبتعث إليها الطلاب
من جميع أنحاء العالم، والتي كان يدرس فيها محمد أمان الجامي، وربيع المدخلي،
وصالح السحيمي، وعبيد الجابري، وفالح الحربي، ومحمد المدخلي، وغيرهم ممن يحمل نفس
فكرهم، فساعدهم هذا على نشر أفكارهم بين الطلاب المبتعثين، حيث يرجعون إلى بلدانهم
محمّلين بهذه الأفكار والتي تلقوها من أساتذتهم وشيوخهم، فيقومون ببثها بين الشباب
في بلدانهم.
فأصبح
لهم تلاميذ واتباع في جميع دول الوطن العربي، واصبح لهم شيوخ ورموز في تلك
البلدان، بل أصبح لهم تلاميذ وأتباع في جميع دول العالم، وقد شاهدت في أوروبا وفي
الهند بعض هؤلاء الجامية الذين لاهمَّ لهم سوى التحذير من العلماء والدعاة
والمصلحين الذين على غير منهجهم الفاسد، بل وصل شرهم وفسادهم لأمريكا اللاتينية
وفي البرازيل فشقوا ومزقوا جماعة المسلمين هناك وفرقوهم، ووصل الأمر بهم بالوشاية
على هؤلاء العلماء والدعاة الذين يخالفونهم عند الأجهزة الأمنية والعياذ بالله
فنلاحظ
أن بداية نشأة وظهور الجامية، هو مثل بداية ونشأة وظهور كثير من الفرق والجماعات
الضالّة المنحرفة التي ظهرت في الماضي، كالخوارج والمعتزلة والرافضة، حيث يبدأ
ظهورها بفكرة أو عقيدة معيّنة تخالف فيها الحق والصواب وما عليه أهل السُّنَّة والجماعة،
وقد تكون هذه الفكرة أو العقيدة لا يُلتفت إليها في بداية الأمر، إلا أنها سرعان
ما تتطوّر وتتشعّب ويصبح لها تفريعات أخرى كثيرة، ومن ثمّ تُوضع لها أصول وقواعد
مبتدعة، ليس عليها دليل لا من الكتاب ولا من السُّنَّة للدفاع عن هذه الأصول
والقواعد المحدَثة، كأصول وقواعد المعتزلة والخوارج والمرجئة والرافضة وغيرها من
الفرق والجماعات الضالّة المنحرفة، ومن ثمّ يصبح لهذه الفرق والجماعات الضالّة
المنحرفة أتباعٌ ومؤيدون لها.
أما سبب تسميتهم بالجامية هو نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي الهرري الحبشي كما ذكرنا، المولود في مدينة هرر بالحبشة (أثيوبيا)، والذي هاجر من بلده الحبشة إلى السعودية عام 1369هـ الموافق عام 1948م تقريباً، هو وزميله وصديقه عبدالكريم الهرري، والذي بعد ذلك استقر فيها، وحصل على الجنسية السعودية، وكان يعملُ مدرساً في الجامعة الإسلامية في قسم العقيدة، وكانت وفاته في المدينة المنوّرة عام 1416هـ الموافق عام 1995م تقريباً، بسبب إصابته بسرطان في اللسان، رحمه الله وغفر له وتجاوز عنّا وعنه.
وفي
الختام أود التنبيه على مسألة مهمة:
فبعد
صدور كتابي " الجامية في الميزان " في عام 2019م، أرسل لي بعض المنتمين
للفكر الجامي، رسائل على الهاتف، يقولون فيها إن الشيخ محمد أمان الجامي لم يؤسس
حزباً أو جماعة اسمها الجامية، فكيف تنسب له جماعة لم يؤسسها؟
فأقول
وبالله التوفيق:
أما قولكم إن الشيخ محمد أمان الجامي لم يؤسس
حزباً أو جماعة فهذا كلام صحيح وأوافقكم عليه، وقد ذكرته في كتابي "الجامية
في الميزان.. صـ21" ولكن مشكلتكم أنكم لا تقرأون وإذا قرأتم لا تفهمون ولا
تفقهون ولا تستوعبون".
فقد
ذكرت وبينت في الكتاب أن الجامية ليست جماعة أو حزباً أسسه الشيخ محمد أمان
الجامي، إنما هي جماعة سارت على منهج الشيخ محمد أمان الجامي في الغلو والتطرف في
التعامل مع المخالفين من العلماء والدعاة من أهل السنة، والغلو والتطرف في التبديع
والتضليل والتصنيف، وغلو في ذلك، وزادوا أصولاً أخرى، لذلك نسبوا إليه، فسموا
الجامية نسبة لاتباعهم منهج الشيخ محمد أمان الجامي، وإلا لا يوجد هناك جماعة
أسسها الشيخ محمد أمان الجامي تسمى الجامية. وهكذا هي الفرق والجماعات والمذاهب لم
يؤسس لها شيوخها، ولم تظهر إلا بعد وفاة أصحابها.
فالأشاعرة مثلاً لم يؤسسها أبو الحسن الأشعري، ولم تظهر وتنتشر إلا بعد وفاة أبو الحسن الأشعري، حيث قام طلابه بتبني عقيدته ونشرها بين الناس، فنسبوا إليه، فأصبح لدينا فرقة تسمى الأشاعرة، ينسب لها ملاين المسلمين.
وكذلك
الماتريدية لم يؤسسها أبو منصور الماتريدي، و لم تظهر إلا بعد وفاة أبو منصور
الماتريدي، حيث قام طلابه بتبني عقيدته ونشرها بين الناس، حتى أصبح هناك فرقة تسمى
الماتريدية، يعتنقها ملاين الناس.
وكذلك
في عصرنا الحاضر: يطلق الجامية على أتباع ومحبي سيد قطب القطبية نسبة لتبنيهم
أفكار وآراء سيد قطب، مع أن سيد قطب لم يؤسس جماعة أو حزبا اسمه القطبية.
ويطلق
الجامية على أتباع ومحبي الشيخ محمد سرور زين العابدين السرورية، نسبة لتبنيهم
أفكار وآراء الشيخ محمد سرور، مع أن الشيخ محمد سرور رحمه الله لم يؤسس جماعة أو
حزبا اسمه السرورية.
فهكذا
هي الفرق والجماعات والمذاهب لا تعرف ولا تشتهر إلا بعد وفاة شيخ هذه الفرق أو
الجماعة التي استمدت منه عقائدها وأفكارها وآرائها.
ثم إن الجامية جماعة موجودة لها أصول وقواعد ومعالم وسمات ذكرتها في كتابي "الجامية في الميزان" في المبحث العاشر الذي بعنوان "معالم وسمات الجامية"، حيث ذكرت 91 معلماً وسمتاً لهم.
ثم إن الجامية مصطلح معروف ومتداول بين أهل العالم، ولست أنا أول من قال به، ومن العلماء الذين ذكروا الجامية وحذروا منها:
1) الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين رحمه
الله.
2) الشيخ العلامة عبد الرحمن عبد الخالق
رحمه الله.
3) الشيخ الدكتور عبد الله المطلق.
4) الشيخ المحدث سليمان العلوان.
5) الشيخ الدكتور عوض القرني.
6) الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف.
7) الشيخ الدكتور ممدوح الحربي، المختص
بالفرق والجماعات الإسلامية.
8) الشيخ الدكتور سعود الفنيسان، عميد كلية
الشريعة بالرياض سابقا.
9) الشيخ الدكتور عجيل النشمي، عميد كلية
الشريعة في الكويت سابقا.
10) الشيخ الدكتور جاسم مهلهل الياسين.
11) الشيخ الدكتور نبيل العوضي.
12) الشيخ الدكتور طارق الطواري.
13) الشيخ الدكتور ناصر العقل
فالجامية
ليست جماعة أو حزباً أسسه الشيخ محمد أمان الجامي، وإنما هي جماعة سارت على منهج
الشيخ محمد أمان الجامي في الغلو والتطرف في التعامل مع المخالفين من العلماء
والدعاة من أهل السُّنَّة، والغلو والتطرف في التبديع والتضليل والتصنيف، لذلك
نُسبوا إليه فسمُّوا الجامية نسبة لاتباعهم منهج الشيخ محمد أمان الجامي.
فالجامية مصطلح أو مسمى أصبح يُطلق على كل من يطعن بعلماء ودعاة أهل السُّنَّة والجماعة، أو يبدّعهم أو يفسّقهم، أو يصنّف الناس، أو يختبرهم ويمتحنهم بأسماء معينة، وذلك نسبة لأول من أظهر ذلك، وهو الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى.
هذا ما تسير لي بيانه .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الندوة
الأولى / النشأة والتطور
المحور
الثاني
وسائل
غلاة التبديع والتكفير وسمات وخصائص أدبياتهم في ذلك
الأستاذ
الدكتور/ صالح حسين الرقب
وكيل وزارة الأوقاف سابقا - أستاذ العقيدة والفرق والأديان والمذاهب المعاصرة الجامعة الإسلامية في غزة
المقدمة:
إنَّ
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا ومن
سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليًّا
مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده
ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. وبعد:
إنَّ تبديعَ المسلمين والاشتغالَ بالحكمِ على الدُّعاةِ والمصلحين ظاهرةٌ غريبةٌ على منهجِ أهل السنة والجماعة، والواجبُ على العاقل أن يبتعد عن الحكم على المسلمين، وخاصة العلماء والدعاة، وتصنيفهم بحيث يصيرُ كلَّ من خالفَ ما هو عليه مبتدعًا ضالًا خارجًا عن السُّنَّة، إنَّ تبديعَ أبناءِ الإسلام والوقوع في أعراضِ الدعاة والمصلحين ليس من الدين، ولا مصوغٌ له من رأيٍ رشيدٍ أو هدي سديدٍ، لكنْ إذا قال مسلمٌ قولاً باطلاً مجمعًا على بطلانه، فإنَّه يُردُّ عليه قوله هذا، وإذا غلب شرُه خيرَه فإنَّه يحذرُ ويحذرُ منه، لكنْ أينَ هذا ممَّا يفعله المداخلة والجامية من تجريحِ من خالفهم، والخوض في أعراضهم والدخول في نياتهم ومقاصدهم، ثمَّ الحكمُ عليهم بالبدعة والضلالة ومنابذة السنة، وأحيانا بالتكفير( ).
أولاً:
وسائل غلاة التبديع المداخلة الجامية في موقفهم ممن يبدعونهم ويحكمون بكفرهم:
1)
استغلال امتلاكهم امتيازات داخل المؤسسات التعليمية وفي المساجد والمؤسسات المعنية
بالشؤون الدينية، في البلاد التي تُقرِّبُهم كونها تخدمُ مخططاتِهم في النَّيلِ من
الدعوة الإسلامية والعلماء الذين لا يسايرون النظام الظالم في مخططاته، ويتمُّ
تمكينُ غلاةِ التبديع والتكفير في تلك المؤسسات العلمية والدعوية، وهذا ما سهل لهم
من نشرِ باطلِهم، وتجريحِ وذم العلماء والدعاة والحركات الإسلامية.
وقد
أشارت ورقات بحثية أن هذا الفكر المدخلي دخيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم
يعرف تاريخ المسلمين له نظيرا، حيث أن المنتمين لهذا المذهب المحدث يقومون بالبحث
في أشرطة العلماء والدعاة، ويتصيدون المتشابه من كلامهم وما يحتمل الوجه والوجهين،
ثم يجمعون ذلك في نسق واحد، ويشهرون بالشخصية المستهدفة ويفضحونها، محاولين بذلك
إسقاطها وهدرها. ومن خلال الدعم المقدم لهم إقليميا ودوليا؛ فقد استطاعوا في بداية
نشوء مذهبهم جذب كثير من الشباب وشغلهم بالقيل والقال، والتهام لحوم العلماء
والدعاة، كما تمكنوا أيضا من تحقيق الأهداف المسطرة لهم استراتيجياً( ).
2)
التواجد في الأماكن التي أقيل منها أو غادرها العلماء والأساتذة المحسوبون على
الجماعات الإسلامية الأخرى، فمثلاً هذا ما مكَّن المداخلة من إحكام القبضة على
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تولى عمادة كلية الحديث بها الشيخ
الجامي نفسه حتى وفاته، وكان المدخلي أحد مدرسيها.
3)
رفع التقارير الأمنية الكيدية عن التيارات الإسلامية التي يعد أشهرها التقرير
المعنون: "التنظيم السري العالمي بين التخطيط والتطبيق في المملكة العربية
السعودية" الذي رفعه المداخلة منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلى السلطات
السعودية، وفصّلوا فيه ما يقولون إنه ممارسات للإخوان المسلمين مرتبطة بخطة عالمية
لتغيير النظام الحاكم، ويوصي التقرير بأن "السلطات السعودية لابد أن تتحرك
بأسرع وقت ممكن، لوضع حد لأنشطة المنظمة المذكورة، وقد أعقبت هذا التقرير حملات
شنَّتها السلطات السعودية على الدعاة والعلماء المحسوبين على تيار الصحوة
الإسلامية في المملكة، ثم زجت بكثير منهم في السجون، وحظرت أنشطة كثير منهم"(
).
4)
استغلال الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لغلاة التبديع والتكفير، وبيان ذلك أنَّ
أهم ما يربط غلاة التبديع والتكفير بالأنظمة العربية العلاقات الأمنية
والاستخباراتية، وإخلاء هذه الأجهزة الساحة للمداخلة للعمل الديني بعد إزاحة
الحركات الإسلامية، فالمنفعة متبادلة بين المداخلة والأنظمة العربية، وقد أثبت
المداخلة أنهم استثمار جيد للأنظمة. ففي السعودية لعبوا دوراً مهماً في إضعاف تيار
الصحوة (الذي كان مستقلاً أو شبه معارض)، ولكن في ليبيا كان دورهم أوضح أكثر من أي
بلد عربي، فقد أثبتوا أنهم المقاتلون الأكثر حماسة في دعم العقيد المنشق حفتر
لدرجة صعوبة ضبطهم، ووقف جرائمهم وتهديداتهم التي امتدت حتى إلى تونس المجاورة( ).
يقول
العجيلي العجيلي: "وجدير بنا ها هنا التذكير أن وثائق مراكز الدراسات الغربية
شددت على تعاون أجهزة الاستخبارات مع حاملي الفكر المدخلي، ودعمهم وفتح الباب
أمامهم، لأنهم يقومون بنفس الدور الذي كانت تقوم به بعض الفِرَق الضالة الموالية
للاحتلال، ويقفون حجر عثرة أمام الحركات الإسلامية برُمتها"( ).
وقد
اعترف طارق حجي الكاتب والمفكر الليبرالي المصري بذلك فقال: "حبيب العادلي
أكد لي أنَّه قد جنَّد جيشاً من السلفيين لمواجهة الإخوان المسلمين".
يقول
الأستاذ نبيل غزال: "وجدير بنا ها هنا التذكير أن وثائق مراكز الدراسات
الغربية شددت على تعاون أجهزة الاستخبارات مع حاملي الفكر المدخلي، ودعمهم وفتح
الباب أمامهم، لأنهم يقومون بنفس الدور الذي كانت تقوم به بعض الفرق الصوفية
الموالية للاحتلال، ويقفون حجر عثرة أمام الحركات الإسلامية برمتها... ولا مكانة
لديهم لباقي العلماء لأنَّهم بالنسبة لهم ضالون مبتدعون مارقون"( ).
ولفت
الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي إلى أنَّ أجهزة القمع العربية استفادت من غلاة
التبديع والتكفير منذ مدة طويلة، ففي زمن خالد نزار، (رابع رئيس أركان للجيش
الجزائري، وكان أحد مؤيدي الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في
ديسمبر1991م) إبان سنوات العشرية الجزائرية، تم التنسيق لتدريس بعض رجال المخابرات
الجزائرية في جامعات إسلامية، ليتخرجوا بعد ذلك مفتين وخطباء، همهم الأكبر هو
القضاء على أي حراك إسلامي ومستقل ومؤثر في الشارع."
وأردف:
"وانتقلت خبرات رجال المخابرات إلى بلدان عربية عديدة، وفُتحت لهم القنوات،
وطبعت لهم الكتب، وتم توظيفهم في وظائف شرعية كالخطابة والإمامة والوعظ والفتوى
والتدريس في الجامعات". وتوقع الغامدي أنه: "بمجرد أن تزول الأنظمة
القمعية، فإن ظاهرة الجامية المداخلة ستزول تبعا لذلك مباشرة، كما حصل لجامية
ليبيا أيام القذافي وابنه سيف، فقد تلاشوا بسقوط النظام الذي استعملهم، ثم عادوا
مع حفتر، وكذلك هم في جنوب اليمن، حيث كانوا يعملون مخبرين لصالح علي عبد الله
صالح، ثم مع الحرب تحولوا إلى مليشيات خطف واغتيال تابعين للإمارات"( ).
5) إنَّهم يدَّعونَ التَّتلمذَ على كبار العلماء ثم بعد ذلك يعيبون عليهم، فإذا تكلَّم أحد من المداخلة الجامية في درسٍ أو محاضرةٍ، تراه فجأة يقول: رحم الله شيخَنا ابن باز، أو رحمَ الله شيخنا ابن عثيمين، حتى يوهم السامع أنه كان ملازما لهؤلاء العلماء الأجلاء الفضلاء، وقد تجدُ أن هذا الشخص لم يقرأ حتى متن واحد عند هؤلاء العلماء الأجلاء. مع العلم أنَّ ربيع المدخلي الذي قال عنه أتباعه أنه يحمل لواء الجرح والتعديل لم يترك أحداً من علماء الإسلام إلاَّ بدَّعه أو عابَه وسبَّه وشتمَه، حتَّى مشايخ الإسلام العظام: كالشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين، وكل الذين مدحهم ممن كان يوافقه الرأي يومًا عادَ وكرَّ عليه بالتبديع والتفسيق"( ).
6)
من أساليب غلاة التبديع والتكفير الماكرة: إنهم يدخلون أسماء شيوخهم ورموزهم مع
كبار علماء الأمة، حتَّى يتوهم السامع أو القارئ لكتاباتهم ومحاضراتهم أنَّهم في
نفس منزلة هؤلاء العلماء السلفيين، فتجد أحدُ غلاة التبديع والتكفير يقول في
مسألةٍ ما: هذا رأيُ العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز، أو رأي العلامة محمد بن
صالح العثيمين، أو رأي الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله الفوزان، أو رأي الشيخ صالح
بن محمد اللحيدان، أو رأي الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ثم يلصقون رأي فلان
وفلان من شيوخهم، وذلك حتى يخدعوا الناس، فالناس عندما يسمعون أو يقرأون أسماء
هؤلاء الأعلام، وأسماء شيوخ الجامية، يظنون أنَّهم على نفس المنهج والمرتبة، وهذا
نوع من المكر والتدليس والخداع، حيث يمكنهم من إلصاق انحرافهم المنهجي والسلوكي
ببعض علماء الدعوة السلفية.
مع العلم أن هؤلاء العلماء بعيدون كل البعد عن غلو الفكر المدخلي وتطرفه، ومنهجية تعاملهم مع الجماعات الإسلامية الفاعلة مناقضة تماما لما عليه غلاة التبديع من المداخلة من أتباع "ربيع" و"رسلان" و"الرضواني" وغيرهم، كما أن نظرتهم لتغيرات الواقع وحراك الشعوب لا علاقة له من قريب أو بعيد بما عليه تلك الطائفة.
ولبيان
هذه الحقيقة نذكر مثالاً لبعض أقوالهم ومواقفهم تجاه الجماعات التي تقوم المداخلة
بشيطنتهم.
أ)
موقف الشيخ عبد العزيز ابن باز من جماعة التبليغ: "فأخبركم أنني لا زلت على
رأيي في الجماعة المذكورة فيما كتبته عنهم قديماً وحديثاً من الكتابات الكثيرة،
وما كتبه سلفي شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قدس الله روحه ونور ضريحه،
وما كتبه غيرنا من العلماء وأيده جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله وجلالة الملك
فهد وفقه الله فيما كتبه إلي لأنهم قد نفع الله بهم جمعاً غفيراً فالواجب شكرهم
على عملهم وتشجيعهم وتنبيههم على ما قد يخفى عليهم وذلك من باب التعاون على البر
والتقوى والتناصح بين المسلمين إلاَّ أنِّي أنصحهم وجميع المسلمين لا سيما الشباب،
أنْ لا يسافرَ منهم إلى بلاد الكفار إلاَّ أهل العلم والبصيرة لما في ذلك من الخطر
العظيم على كل من ليس له علم بالشريعة الإسلامية والعقيدة الصحيحة التي بعث الله
بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ودرج عليها سلف الأمة أمَّا ما نسبه
المعارضون لهم عني من الرجوع عن رأيي فيهم فهو كذب علي بل إني نصحتهم ووبختهم على
عملهم".
وكان الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله قد
أصدر مجموعة من الفتاوى في هذه الجماعة، وأراد هؤلاء المحاربون لكل عمل إسلامي أن
يلبسوا على الناس، فادعوا أن الشيخ تراجع عن موقفه في تأييد جماعة التبليغ، والنصح
لهم، فقال الشيخ بعد سؤاله هل تراجع عن فتاويه السابقة؟( )
ب)
قال الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني لمَّا سئل عن حسن البنا - إمام جماعة
الإخوان-: "حينما كانت مجلة (الإخوان المسلمون) تصدر في القاهرة، كان الأستاذ
سيد سابق بدأ ينشر مقالات له في فقه السُّنَّة، هذه المقالات التي أصبحت بعد ذلك
كتابًا ينتفع فيه المسلمون الذين يتبنَّون نهجنا من السير في الفقه الإسلامي على
الكتاب والسنة، هذه المقالات التي صارت فيما بعد كتاب (فقه السنة) لسيد سابق، كنتُ
بدأت في الاطِّلاع عليها، وهي لمّا تُجمع في الكتاب، وبدت لي بعض الملاحظات،
فكتبتُ إلى المجلة هذه الملاحظات، وطلبتُ منهم أن ينشروها فتفضلوا، وليس هذا فقط؛
بل جاءني كتاب تشجيع من الشيخ حسن البنا رحمه الله. وكم أنا آسَف أن هذا الكتاب
ضاع مني ولا أدري أين بقي! ثم نحن دائمًا نتحدث بالنسبة لحسن البنا رحمه الله
فأقولُ أمام إخواني وأمام جميع المسلمين: لو لم يكن للشيخ حسن البنا رحمه الله من
الفضل على الشباب المسلم سوى أنه أخرجهم من دور الملاهي في السينمات ونحو ذلك
والمقاهي، وكتَّلهم وجمَّعهم على دعوة واحدة، ألا وهي دعوة الإسلام؛ لو لم يكن له
من الفضل إلا هذا لكفاه فضلاً وشرفًا. هذا نقوله معتقدين، لا مرائين، ولا
مداهنين".
ج)
يقول الشيح الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: "ربيع المدخلي ليس هو
مقبول الكلام في الجرح والتعديل؛ فإن له أخطاء في كتبه تدلُّ على جهله أو تجاهله
بما يقول!!! وله مؤلفاتٌ يطعن فيها على الكثير من الدعاة والعلماء المشاهير، ومنهم
عدنان العرعور الذي هو من علماء أهل السنة، ولا نعلم عنه إلا خيرًا، ولا نزكي على
الله أحدًا. وقد ذكر أهل العلم أنه لا يجوز قبول المطاعن من أهل الزمان المتقارب
إذا كان بينهما منافسة كما حصل بين ابن إسحاق ومالك بن أنس وبين ابن حَجَر
والْعِيني وبين السخاوي والسيوطي وأمثالهم، فلا يُقبل قول بعضهم في بعض، وعلينا أن
نسعى في الإصلاح بينهم، والله الموفق. والله أعلم"( ).
د) لقد دافع الشيخ اللحيدان الرئيس السابق للمجلس الأعلى للقضاء السعودي عن حركة المقاومة الإسلامية حماس وعن زعيمها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله فقال: "من لم يفعل فعل أولئك لا يحق أن ينتقصهم"، وقال: اشتهر عنه - أي الشيخ ياسين- الخير والثبات وإغاظة اليهود ومن وراءهم، وقد قُتل قتلةً بشعةً أسألُ الله أن يجعلَه في عليين، وتنقُّصهم هو ومن يقاتلُ اليهودَ لا يدلُّ على خيرٍ من المنتقص، وإنَّما يدلُّ على جهلٍ بالحقائق أو عن هوى، والمسلم ينبغي أن يتجنب هذا وهذا"( ).
ثانيا:
سمات وخصائص أدبيات المداخلة الجامية في التضليل والتبديع للمخالفين:
إنَّ
أدبيات المداخلةِ الجاميةِ أهلِ التَّبديعِ والتَّفسيقِ لها سمات وخصائص معروفةٌ
مشهورةٌ؛ بينَّها عددٌ من العلماء المعاصرين، وقد فصَّل القولَ فيها الشيخ أبو
الحسن مصطفى السليماني، وهو يُعدُّ من الباحثين المتخصصين في مجال الفرق، وله
مؤلفٌ كبيرٌ يقع في مجلدين كشف فيه منهج غلاة التبديع المنتسبين للسلفية (زورًا
وبهتانًا)، وبين جملةً من أصولهم وقواعدهم التي يعلنون عنها تارةً بلسانِ المقالِ،
وتارةً بلسانِ الحَالِ( ).
ونذكر
هنا بعضاً من هذه السمات والخصائص، من خلال متابعتنا لبعض أدبيات القوم ومن خلال
ما ذكره أهل العلم المطلعين على أدبيات المداخلة الجامية، وما تميَّزت به من سمات
وخصائص:
1)
التناقض بين منهجهم الدعوي وموقفهم من العلماء العاملين:
أ)
مناقضة الشيخ ربيع المدخلي في منهجه الدعوي: حيث يهاجم العلماء العاملين ويفسقهم
أو يبدعهم، وفي نفس الوقت ينصح الشباب المسلم بالرفق واللين في تعاملهم مع
المخالفين، ويحذرهم من المسلك الذي يهلككم ويهلك الدعوة السلفية. ففي رسالته
بعنوان (الحثُّ على المودة والائتلاف والتحذير من الفُرقة والاختلاف) التي يَنصحُ
فيها الشَّبابَ المسلمَ في الجزائر قال ربيع المدخلي: "أقول عليكم بالرفق،
عليكم باللين، عليكم بالتآخي، عليكم بالتراحم، الآن يعني هذه الشدة توجهت إلى أهل
السنة أنفسهم، تركوا أهل البدع واتجهوا إلى أهل السنة بهذه الشدة المهلكة، وتخللها
ظلم وأحكام باطلة ظالمة، فإياكم ثم إياكم أن تسلكوا هذا المسلك الذي يهلككم ويهلك
الدعوة السلفية ويهلك أهلها، أدعُ إلى الله بكل ما تستطيع، بالحجة والبرهان في كل
مكان، قال الله، قال رسول الله، وتستعين بعد ذلك بعد الله بكلام أئمة الهدى الذين
يُسلِّم بإمامتهم ومنزلتهم في الإسلام أهل السنة"( ).
ب)
يقول ربيع المدخلي في كتابه "منهاج الأنبياء" صفحة 139: "رحم الله
سيد قطب لقد نفذَ من دراسته إلى عين الحقيقة والصَّواب، ويجب على الحركات
الإسلامية أن تستفيدَ من هذا التقرير الواعي الذي انتهى إليه سيد قطب عند آخر لحظة
من حياته، لقد وصل في تقريره إلى عين منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام".
وبما أن المداخلة يكذبون ونحن نعلم أنهم يكذبون، وهم يعلمون أنهم كاذبون، فهذا
الكلام الذي كتبه ربيع المدخلي في الطبعة الأولى من كتابه (منهاج الأنبياء سنة
1985م) قام بحذفه في الطبعات الأخرى.
فإنْ كان الثناءُ على الشهيد سيد قطب هو سببٌ
لإسقاط الدعاة والمشايخ فمن باب أولى أنَّ يتم إسقاط ربيع المدخلي نفسَه، مع العلم
أن كثير من الحكومات الإسلامية أنكرت على الحاكم الظالم المجرم جمال عبد الناصر
إعدامه لسيد قطب، بما فيها حكومة المملكة العربية السعودية، كما أنكر هذه الجريمة
علماءُ السعودية، وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر.
وإذا كان مدح سيد قطب والصوفية والأشاعرة
يعتبر ضلالاً - لانحرافهم في العقيدة- ويستدعي التوبة لدى غلاة التبديع - ومنهم
الجامية المداخلة- فمن باب أولى أن يتوبوا هم من دعمهم للإرهابي العلماني المحارب
للشريعة الإسلامية المدعو العقيد المنشق خليفة حفتر في ليبيا، ومعلوم أنَّ
انحرافَه العقدي أكبرُ بكثيرٍ ممن يبدعونهم ويكفرونهم، كما أنَّ خليفة حفتر يُعدُّ
من الخوارج وفق ميزان المداخلة أنفسهم كونه انشق عن النظام القائم، فكيف يدعمه
المداخلة وهو خارجيٌ على أصولهم؟( )
ج)
لقد طعن المداخلة وعلى رأسهم ربيع المدخلي في العلماء وغيرهم ممَّن حضروا ما يسمى
بمؤتمر "حوار الأديان"( )، فالشيخ ربيع المدخلي يرى أنَّ الدعوة إلى
(حوار الأديان)، والتي هي عندَهُ تُساوِي: - وحدة الأديان- هي دعوة إلى الكفر
والردة عن الإسلام، وحكم على إمام مسجد كان يدعو إلى التقريب بين الأديان بالكُفرِ
الأكبر! فعلى هذا الأصل: يكون ولي أمره قد أتى بالكفر الأكبر المخرج عن الملة،
والموجب للردة حسب موقفه، فهل يستطيع أن يكفَّر وليّ أمرهِ، كما كفّر إمام
الصلاة؟!!، حيث قال في فتاوى في العقيدة والمنهج - الحلقة الثانية : -السؤال:
عندنا إمام في مدينتنا يدعو إلى تقارب الأديان؟ الجواب: إذا استطعتم أن تطردوه من
هذا المسجد فاطردوه، الذي يدعو إلى وحدة الأديان كافر، أكفر من اليهود
والنصارى"!. ففي هذا النصِّ تكفيرٌ (عينيٌّ) للإمامِ المَذكور؟!
فقد
قال في (مجموع الكتب والمؤلفات، 10/57-58): "ولطوائفَ منهم مشاركات في
مؤتمرات وحدة الأديان وحوار الأديان، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه، والحديث عن
مؤتمرات وحدة الأديان وحوار الأديان يطول"! وقال في نفس المصدر (1/116):
"السِّياسة التي تؤدي بأهلها إلى وحدة الأديان والمصالحات مع كلِّ المِلل
والنِّحل؛ بدءًا من هذا الإلحاد الصُّوفي الرَّافضي، وينتهي بأُخَوَّة الأديان
الأخرى! هذا مآل الدَّعوات السِّياسية الآن وتُسَمَّى الآن بحوار الأديان! وعُقِدت
مؤتمرات لوحدة الأديان باسم الإسلام"!. وقال في مقال (الذب عن رسالة محمد صلى
الله عليه وسلم): "لقد سرد لنا الدكتور في هذا التصريح الموجز عدداً من
العبارات التي يطلقها كثير من المفكرين الذين يدعون أهل الديانات إلى وحدة
الأديان؛ ألا وهي: (الحوار بين الأديان، التقارب بين الأديان، الديانات السماوية،
الديانات ومقدساتها، حرية الاعتقاد، ولهم عبارات أخرى لم يذكرها الدكتور)".
وقال في (فتاوى فقهية متنوعة -الحلقة الأولى-): "إنّ هناك دعوة قوية الآن إلى
وحدة الأديان، والوسيلة إليها ما يسمونه: حوار الأديان.... ويترأس المؤسسات في
الغرب -لهم- مؤسسات في أمريكا وغيرها ودعاة ومبشرون يكيدون للإسلام، ويضحكون على
المسلمين بالحوار بين الأديان"!
وقال
في مقاله الأخير (... الجهل والخبال...): "ثم تمادوا في باطلهم حتى وصل بهم
الأمر إلى الدفاع عن أهل وحدة الأديان وأخوة الأديان وحرية الأديان ومساواة
الأديان...الخ"!. وقال في (فتاوى في العقيدة والمنهج» - الحلقة الأولى-):
"نفس نظرية زويمر ينفذونها؛ الدعوة إلى حوار الأديان ووحدة الأديان إلى آخره
يريدون أن يخرج المسلمون من الإسلام، ويذهبون إلى أيّ دين!".
2)
الغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم:
لقد
عرف المنتمون لهذه الفرقة بـالغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم، بل والغلو أيضًا
في التكفير، فترى من سلك هذا المسلك يتهم الأبرياء بالابتداع في الدين، وينسب له
بدعًا كبرى، ويرمي بالأحكام الجائرة الفظة على من لا يستحق ذلك، بل ربما رموا بذلك
من هو أولى بالحق منهم، ومن هو أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، ويضع شيخ هذه الطائفة القاعدة،
ثمَّ لا يجرؤ على العمل بمقتضاها -أحياناً- ويأتي غيره ممن هو أكثر جرأة، وأقل
علماً وورعاً؛ فيعمل بمقتضى ذلك، فيكفر المسلمين، وفيهم السني البريء، ومنهم
المبتدع الجاهل، ومنهم المبتدع المتبصر، ومعلوم ما ورد في ذم تكفير مسلم أو لعنته
بغير حق.
وأن
من حكم عليه رموز المنهج وبخاصة المدخلي، بأنَّه حزبي أو سروري أو قطبي أو ضال
مارق أو من كلاب أهل النار؛ فقد وجبت فيه الكلمة، ولا يجوز بحال من الأحوال التلقي
عنه، أو مجرد مدحه، ولو في جزئية معينة، كمدح أسلوبه أو تمكنه في فنه، أو غير ذلك…
لأن ذلك يعتبر تزكية له.
ومن
الغلو في التبديع: قول الجامية المدخلية: "من لم يكفر الكافر - عندهم - فهو
كافر، فإذا حكموا على رجل مسلم أنه كافر ولم توافقهم على ذلك فأنت كافر أيضا، لأنك
لم ترض باجتهادهم، فما أشبه هذا القول بقول الخوارج"( ).
وبهذا
يتبينُ لنا أنَّ منهجَ المداخلة أهل التبديع والتكفير في التعامل مع الجماعات
الإسلامية وبعض العلماء لا يختلف كثيرًا عن منهج ما يسمى بالدولة الإسلامية
"داعش" التكفيري، فقد مارست التكفير لمعظم التنظيمات الإسلامية المقاتلة
ضد النظام السوري، كتكفير جبهة النصرة، وأحرار الشام، وتكفير حركة الإخوان المسلمين
كبرى الحركات الإسلامية في العالم المعاصر، وتكفير حركة المقاومة الإسلامية
"حماس". وكفَّرت داعش فصائل المجلس السياسي للمقاومة العراقية، التي تضم
الجيش الإسلامي في العراق، وجماعة أنصار السنة، والهيئة الشرعية، والجبهة الإسلامية
للمقاومة العراقية (جامع)، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس- العراق)، بل ووصفت
داعش المجلس السياسي للمقاومة العراقية بالعمالة والردّة( ).
ونذكر
هنا موقف بعض أهل العلم من غلاة الغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم، يقول الشيخ
الدكتور عبد الله بن جبرين: "وأمَّا ربيع المدخلي والشيخ النجمي- أحمد بن
يحيى النجمي- فإنَّهما من العلماء السلفيين إن شاء الله، ولكن قد ظهر منهما شيء من
المخالفة لبعض المشايخ، فأظهرا الطعن في الإخوان المسلمين بـ مصر رغم أنهما قبل
عشر سنين أو خمس عشرة سنة كانوا من الذين يمدحون الإخوان المسلمين، ويترحمون
عليهم، فنقول: إن الواجب على الجميع النصيحة لمن يخالفه، والاشتغال بانتقاد الكثير
من المبتدعة الأحياء كـابن علوي، وكذا التحذير من دعاة البدع كالرافضة والمعطلة،
وعدم الاشتغال بالبحث عن أخطاء أولئك الذين ماتوا بعد أن قاموا بالدعوة إلى الله
تعالى وهدى الله على أيديهم خلقًا كثيرًا في مصر وغيرها.
ويقول
أيضاً: "ولا شكَّ أنَّ الذين يقدحون في علماء الدين ويتتبعون الهفوات فيجعلون
من الحبَّةِ قُبَّةً أنَّهم بعيدونَ من الصواب فلا يَغتَّر بهم، فالواجب أن يسمع
من العلماء، وإذا رُئِيَ منهم شيءٌ من الخطأ فإنَّهم يُعذَرون لأنَّهم مجتهدون،
والمجتهد له أجرُ على اجتهاده، لحوم العلماء مسمومة، والطعن فيهم طعن في العلم
الذي هو ميراث الأنبياء، وهكذا يُقالُ في الشيخ بكر أبي زيد فإنَّه من المعروفين
بالعلم الصحيح والتحقيق في المعلومات، وقد نفع الله تعالى بكتبه، ولا عبرة بمن
خَطَّأَه في بعض رسائله، فإنَّ أولئك الطاعنين هم من أهل الفساد والميل إلى
المعاصي، والدعاة إلى تبرج النساء، وإلى الاختلاط بين الجنسين، وهدفهم أن يشبعوا
غرائزهم من فعل الفواحش ونيل المشتهيات، ونقول: متى سمعت السبَّ والعيبَ لعلماء
الدِّين، فعليكَ أنْ تُناقشَهم، وتجعلَ المرجعَ كتاب الله، وتفسيره للعلماء
المتقدمين كـعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن كثير وكذلك صحيح البخاري
ومسلم والسنن الأربعة وشروحها، فإنَّ الذين يتحاكمون إليها هم أهل السنة، والذين
يطعنون فيها هم أهل البدع"( ).
ويقول
الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن خليفة الشايجي- أستاذ الحديث في كلية الشريعة في
جامعة الكويت-: "الأصل الأول من أصولهم :خوارج مع الدعاة مرجئة مع الحكام،
رافضة مع الجماعات، قدرية مع اليهود والنصارى والكفار ...هذه المجموعة التي اتخذت
التجريح دينا، وجمع مثالب الصالحين منهجا... جمعوا شر ما عند الفرق .فهم مع الدعاة
إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم
ويوجبون قتلهم وقتالهم .وأما مع الحكام فهم مرجئة يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا
يلزمونهم بالعمل، فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان .وأما مع
الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة مع الصحابة وأهل السنة، فإن الرافضة جمعوا
ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها، وجمعوا زلات علماء أهل
السنة وسقطاتهم واتهموا الجميع بها .وهم مع الكفار من اليهود والنصارى قدرية جبرية
يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع
الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام !!فوا
عجبا كيف جمع هؤلاء بدع هذه الفرق؟!( )
ويقول
الشيخ عبد الرزاق الشايجي: "قولكم يا شيخ ربيع : "إن سيد قطب ما ترك بدعة
إلا واحتواها، ولا أصلاً من أصول الإسلام إلا وهدمه، هذا القولُ يا شيخ ربيع يمثل
تماماً منهج التَّعدِّي والظلم واتهام الناس بالباطل، فلا شكَّ أنَّ سيدَ قطب رحمه
الله كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويؤمن برسل الله وملائكته،
وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وكان يقيم
الصلاة، ويرى وجوب الزكاة، والصوم، والحج، ويرى وجوب الصدق والأمانة، ولا يُكذِّبُ
بشعبة من شعب الإيمان السبعين، وإن كانت له أقوال أخطأ فيها، فإنَّها لا تهدمُ هذه
الأصول التي كان يؤمن بها وينشرها .. فكيف يقال في مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر
ويدعو إلى الكتاب والسنة، أنَّه لم يتركْ بدعةً إلاَّ واحتواها، ولا أصلاً للإسلام
إلاَّ وهدَمه. إنَّ هذا الحكم الذي أطلقتموه يا فضيلة الشيخ على سيد قطب رحمه الله
يمثل انحراف المنهج الذي تسيرون عليه في الحكم على الناس واخراجهم من الإسلام،
وتكفيرهم وتبديعهم، ولا أظن أن هناك كفر بعد أن يكون الشخص لم يترك أصلاً للإسلام
إلا وهدمه، ولا بدعة إلاَّ احتواها، وهل هذا التكفير تكفير، إنَّ إبليسَ نفسُه وهو
رأس الكفر لا يقال عنه أنه لم يترك أصلاً للإسلام إلا وهدمه، لأنه كان يعتقد
باليوم الآخر ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:14]، وكان
يعتقد بقوة الله وقدرته ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[ص:82] فكيف يقال في مسلم صالح مجاهد، قتل صبراً في سبيل الله، ودفاعاً عن دينه
أنه لم يترك بدعة إلا واحتواها، ولا ترك أصلاً للإسلام إلا وهدم !! هل هذا هو
"منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف" الذي ادعيتموه
يا شيخ ربيع، وكتبتم فيه، ودعوتم إليه. لا شك أن هذا المنهج الذي يقوم على الظلم
وتكفير المسلمين هو منهج الخوارج في تكفير المسلم بل إن الخوارج لم يقولوا مثل هذا
في الذين يكفرونهم، وهذا يوضح جلياً الأصل الأول الذي ذكرناه عن الطائفة التي
أدخلت في السلفية ما ليس فيها، أنهم خوارج مع الدعاة... مرجئة مع الحكام... رافضة
مع الجماعات... قدرية مع اليهود والنصارى والكفار. ولا شك أن منهجكم يا شيخ ربيع
في نقد الدعاة والجمعات، والحكم على الناس ليس هو منهج أهل السنة والجماعة...
فإنَّ أهل السنة كانوا أرحم الناس بالمخالفين فإنهم لم يكفروا الخوارج، ولا
المتأولين في الصفات، ولم يتهموا الناس بالباطل... وكان نقدهم ووزنهم للناس
كموازين الذهب يزنون بمثقال الذرة في الخير والشر... وإذا كان مثل سيد قطب رحمه
الله يقال فيه هكذا (لم يترك بدعة إلا واحتواها، ولا أصلاً للإسلام إلا وهدمه)
فكيف بمن هو دون سيد قطب رحمه الله إن هذا يجرئ - وقد جرَّأَ فعلًا - صِغارً
الطُلاَّبِ الذين سمعوا هذا الكلام مسجلاً منكم يا شيخ ربيع في الحكم على المسلمين
وتكفيرهم، وتبديعهم، وتضليلهم بأدنى الأسباب . إني أقول للشيخ ربيع - وهو أستاذ في
الحديث ويعلم مناهج المحدثين في الجرح والتعديل- لقد أفسدت منهج أهل الحديث في
النقد، وجعلت الجرح بالهوى والتعصب والمبالغة، والظلم والتعدي . إني يا فضيلة
الشيخ أخاف عليكم من تحمل إثم كل الذين تجرئ ألسنتهم اليوم بتكفير سيد قطب رحمه
الله ولعنه، وتضليله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن لعن مؤمناً
فهو كقتله"، "لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً"، "ليس المؤمن
بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء". لقد اسمتع إلى كلامكم هذا في سيد
قطب صغار طلاب "العلم" وراحوا يبدعونه ويلعنونه، ولا شك أنك ستتحمل تبعة
هذا كله لأنك الداعي لذلك والمحرض عليه"( ).
وللدكتور
عبد الرزاق الشايجي كتاب بعنوان: (الخطوط العريضة لأدعياء السلفيّة)، كتبه في بيان
منهج الشيخ ربيع المدخلي وأتباعه. ذكر فيه ثلاثة وخمسين أصلاً من أصولهم الفاسدة،
التي يقولون بها ويلزمون العلماء والدعاة وعامة الناس بالقول بها، ومن لم يقل بها
فهو ليس منهم وليس بسلفي، مع رده على كل أصل من أصولهم، وبيانه لفساده وبُعده عن
الحق.
-
فالحاكم عندهم لا يُسأل عمَّا يفعل، ويُلتمسون له الأعذار، ولا يُتحدثون عن أخطائه،
بينما تجدهم مع الدعاة والجماعات الإسلامية الأخرى تبديع وتفسيق، وقد يصل إلى
إخراجهم من الملة، كما يرون بوجوب تتبع عوراتهم والبحث عن زلاتهم!! وهم مع الدعاة
إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم
ويوجبون قتلهم وقتالهم. وأما مع الحكام فهم مرجئة يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا
يلزمونهم بالعمل، فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان. وأما مع
الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة مع الصحابة وأهل السنة، فإن الرافضة جمعوا
ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها، وجمعوا زلات علماء أهل
السنة وسقطاتهم واتهموا الجميع بها. وهم مع الكفار من اليهود والنصارى قدرية جبرية
يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع
الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام!!
3)
تتبع سقطات وأخطاء الدعاة المخالفين لهم:
لقد
تتبع غلاة التبديع المداخلة سقطات وأخطاء الدعاة المخالفين لهم، وجمع ما يصدر ممن
يخالفهم، ولو في أمر يسير، وجعلها أحيانا سقطة في باب العقيدة التي يجب أن يؤاخذ
بها، مع جعلهم الفروع أصولاً، والأخذ بلازم القول، وعدم حمل المطلق على المقيد،
ولا المبهم على المفسر، ولا المتشابه على محكم، ولا المتقدم على المتأخر..، بل وقد
يكون الحق مع مخالفهم- فيطيرون بها في الآفاق، وينشرونها في كل حدب وصوب، للتشهير
بمن يخالفهم، وتنفير الناس عنه، حتى يخلو لهم الجو، زاعمين أن هذا من باب تحذير
المسلمين من أهل البدع، ومن باب الجرح والتعديل!! وإذا كانت الكلمة من مخالفهم
تحتمل معنى صالحا، وآخر سيئا؛ حملوها على المعنى السيئ، بزعم أنهم أعرف بمخالفيهم،
وأن مخالفيهم أهل مراوغة ولف ودوران، بل صرح بعضهم متهمًا مخالفيه: بأنهم أهل
زندقة. كما أنهم يحملون كلام خصمهم - الداعي إلى السنة الصافية- مالا يحتمل، وهذا
أمر مشهور عند من يعرف حالهم بإنصاف( ).
لقد
جمع غلاة التبديع المداخلة ما أخطأ فيه الدعاة، وجعلوا ما هو سقطة لأحدهم كأنها
عقيدةٌ يؤاخذ بها، وجعل الفروع أصولاً، وأخذ بلازم القول، ولم يحمل مطلقاً على
مقيَّد، ولا مبهماً على مفسَّر، ولا متشابهاً على محكم، ولا متقدماً على متأخر( ).
يقول
الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشايجي متحدثاً عن أحد أصول الجامية المدخلية: "لا
يحمل مطلق على مقيد، ولا مجمل على مفسر، ولا مشتبه على حكم إلا في كلام الله.. هذا
أصلهم الخامس، وقد اتخذوا هذا الأصل حتى يحكموا بالكفر والبدعة على من شاءوا من
الدعاة فبمجرد أن يجدوا في كلامه كلمة موهمة، أو عبارة غامضة، أو قول مجمل يمكن أن
يحمل على معنى فاسد فإنهم يسارعون بحمل هذا القول على المعنى الفاسد الذي يريدون،
ولا يشفع عندهم أن يكون قائل هذا القول المجمل قد فسره في مكان آخر تفسيرا صحيحا،
أو قال بخلاف المعنى الفاسد المتوهم في مواضيع أخرى .وهذا تصيد وترقب للخطأ من
المسلم، وتحميل لكلام المسلم مالا يحتمله، وتفسير له بما يخالف نيته وقصده، مع
استثنائهم لمشايخهم وأتباعهم"( ).
ولا
شكَّ بأنَّ الداعية المسلم لابدَّ أن يتصف بالنزاهة، ويتجرد عن الأهواء والمصالح
الذاتية، ولابد من التزامه بالموضوعية التامة، وأن يكون طرحه للمسائل والموضوعات
بتجرد تام، وطريقة مهذبة. وهذا يعني أن هم أهل التغليط في التبديع أن ينتصروا على
غيرهم ممن لا يسيرون وفق منهجهم، وأن ترتفع رايتهم هم، دون أن يقصدوا إعلاء كلمة
الله تعالى.
4) استخدامهم العبارات القاسية والفظة مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة:
استخدم
المداخلة العبارات الفظّة الجافية مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة كقولهم:
(فلان أخبث أو أكذب من اليهود والنصارى)، أو(أخبث من هو على وجه الأرض)، أو(أضل
أهل البدع)، أو(أتى بما لم يَدُر في خلد الشيطان منذ تاريخ البشرية)، ودع عنك
قولهم: (دجال، وكذاب، وفاجر، وأفاك أثيم، ومراوغ، ومخادع، وماكر، وعدو للسنة،
ومحارب للسلفيين الكبار منهم والصغار، وخبيث مخبث، ومائع، ومميع، وضال مضل، ومبتدع
خبيث، وكذاب أشر، وأحد الدجاجلة، والروافض أفضل منه، واليهود والنصارى أهون منه،
ولو خرج الدجال لركض وراءه فلان وأتباعه، أو لو ادعى رجل الربوبية أو النبوة لركض
وراءه فلان وأتباعه، وزائغ، وحزبي ضال، وحزبي متستر، ودسيسة، ومدسوس في الصف
لتدميره، ومُجنَّد من قبل الأعداء لهدم السلفية، وساقط، وتافه، وصاحب دنيا...) الخ
ما في هذا القاموس العفن( ).
ومن
أمثلة ذلك:
غلو
الشيخ ربيع المدخلي: بالإضافة إلى غلوه في الرد على سيد قطب؛ وقع الشيخ ربيع في
أنواع كثيرة من الغلو؛ منها:
أ) غلو ربيع المدخلي في نقد الحركات والجماعات الإسلامية: قال في (“منهج النقد”؛ ص:19) - بعد أن ذكر جهود أهل التوحيد-: "مما أقض مضاجع كل خصوم الحق والتوحيد، من علمانيين ويهود ونصارى وشيوعيين وأهل البدع الضالين من خرافيين وحزبيين وحركيين".
تأمل
كيف سوى بين اليهود والحركيين في كونهم خصوم الحق والتوحيد!
ب)
اتهم الشيخ ربيع كلَّ الإسلاميين إلا أتباعه بأنَّهم لا يجاهدون إلاَّ لأغراضٍ
دنيويةٍ؛ فقال في كتابه (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية؛ ص163):
"والذي يعرف الواقع وحقائق الأمور يعلم أنه لا يجاهد لإعلاء كلمة الله، ورفع
راية التوحيد هنا وهناك؛ إلا السلفيون. وأن جهاد غيرهم من حزبيين وخرافيين ما هو
إلا لأغراض دنيوية، من وطنية وتطلع إلى السلطة والحكم.. إلى غير ذلك من الأغراض
التافهة"!
ج)
اعتبر ربيع المدخلي اعتدال الإمام ابن باز في التعامل مع جماعة التبليغ لينا
وغفلة: فقال عن الشيخ ابن باز: "فإن حصل منه لين موقف من جماعة التبليغ فإن
لذلك أسبابه .. ومعروف مكر أهل البدع، ومنهم جماعة التبليغ، فقد جندوا من يخدمهم
عند الشيخ ابن باز، ممن يلبس لباس السلفية، فيطنب في مدحهم، ويسهل لجماعاتهم
ووفودهم الدخول على الشيخ ابن باز، فتتظاهر هذه الجماعات والوفود من مشارق الأرض
ومغاربها بالسلفية، فيصورون له أعمالهم في صورة أعمال سلفية عظيمة، ويبالغون فيها،
وينفخون فيها بكل ما أوتوا من خيالات كاذبة". (النصر العزيز ص:170).. مع أنه
أقر بمعرفة الشيخ ابن باز بالجماعات في كتابه: (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة
الناجية؛ ص:91): “حتى ليعتقد فيه أنه لو كانت في المريخ حركة إسلامية لكان وراءها،
ألا وهو الشيخ ابن باز”.
د) غلو ربيع المدخلي في نقد أتباع المذاهب الأربعة: قال في كتابه (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية؛ ص:50): "فهناك أتباع المذهب الزيدي وعوامهم، وأتباع المذهب الإباضي وعامتهم، فإن كثيرا منهم أقرب إلى الفطرة والتوحيد من كثير من أتباع المذاهب الأربعة وعوامهم، وأبعد عن الشرك والخرافات والقبورية والصوفية من عامة أصحاب المذاهب الأربعة".
هـ)
غلو ربيع المدخلي في نقد من يرى مشروعية العمل السياسي: اتهم الشيخ ربيع العلماء
الذين يجيزون الدخول في البرلمانات بالمكابرة؛ وهو يعلم أن الجمهور ومنهم الشيخ
ابن باز والشيخ ابن عثيمين يجيزون ذلك! فالإسلاميون الذين يمارسون العمل السياسي
فمن أفسد الفاسدين عنده: يقول في كتابه (جماعة واحد لا جماعات وصراط واحد لا
عشرات؛ ص:28) معلقا على كلام للشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق حول مشروعية المشاركة
في المجالس التشريعية (البرلمانات): "أقول: لا يعرف ضلال أو باطل يحمل مثل
هذه المفاسد، ومنها فساد المشاركين فيه من السياسيين الذين يحسبون أنفسهم على
الإسلام، فنحن نربأ بالإسلام أن يبيح عملا ينطوي على مائة وخمسين مفسدة، ولا أظن
باطلا على الأرض ينطوي على هذا الكم الهائل من المفاسد، ولا نعرف مكابرا مثل
مكابرة من يجيز هذا العمل بعد علمه بهذه المفاسد". ويقول في الكتاب نفسه
(ص:84-85): "إن السياسيين الجاهليين بتحزبهم مزقوا شباب الأمة، وفرقوهم
أحزابا وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، وتابعوا الأحزاب الكافرة الظاهرة والخفية
في التنظيمات السرية والمشاركة في المجالس والبرلمانات والديمقراطية الكافرة في
البلدان التي استعمرت ورضعت لبان الاستعمار بكل ما فيه من تقاليد وقوانين وأنظمة
كافرة".
و)
غلو ربيع المدخلي في نقد جماعة الإخوان المسلمين: قال في (جماعة واحدة..؛ ص 128):
"الإخوان المسلمون الذين آمنوا بالاشتراكية والديمقراطية". وقال في
(ص121 في الحاشية): "وأهل البدع في هذا العصر مثل الإخوان المسلمون حينما
اعتنقوا الاشتراكية والديمقراطية وأخوة الأديان وحرية التدين ودعوة بعضهم إلى وحدة
الأديان". وقال في (ص 19) بعد أن نقل كلاما لسيد قطب: "إن هذا لإسقاط
متعمد للثقة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هي نظرة أهل البدع والضلال من
الجهمية والمعتزلة والقرآنيين". وهذا تكفير واضح.
لذا
فقد حذَّرَ الشيخ صالح النجدي من ربيع المدخلي فقال: "إنَّ أساليبَ الشيخِ
ربيع المدرِّبة على التكفير لهي من أشدِّ أسباب الفتن التي ابتُلِيَ بها بعضُ
الأحداث، الذين أطلقوا ألسنتَهم بالتَّضليل والتَّبديع والتكفير". (نظرات
سلفية في آراء الشيخ ربيع المدخلي ص 37). وقال: "وبهذه المناسبة فإني أحذر
الأمة -علماءها ورجالاتها- من هذا الاتجاه التكفيري الجديد؛ فالتبديع بريد
التكفير، والذي أخشاه أن يتطور فيشكل جماعة تكفيرية خارجية، تبتلى بها الأمة،
ويصعب حينذاك إقناعها بالحجة والدليل، فتلجأ إلى العنف، ثم السلاح، وقانا الله شر
الفتن ما ظهر منها وما بطن"( ).
ز)
غلو ربيع المدخلي في نقد الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق: يقول الشيخ ربيع عن الشيخ
عبد الرحمن بن عبد الخالق كما في (جماعة واحدة؛ ص31): "لقد سلك عبد الرحمن
عبد الخالق مسالك دعاة الفتن والبدع في الاستدلال على مشروعية التجمعات البدعية
والمذهبية من أمثال دحلان والنبهاني والكوثري وتلاميذهم، ولاشك أن هذا تحليل لما
حرَّم الله. ويقول عنه كما في نفس الكتاب (ص 145): "فهذه دعوةٌ من عبد الرحمن
لإقرارِ الباطل، والبدع والتصوف، والتعطيل لأسماء الله وصفاته!".
5-
غلو مقبل بن هادى الوادعى: طعن المذكور فى الدكتور عبد الكريم ِزيدان رحمه الله
العالمُ العراقيُّ الشهيرُ، (صاحبُ عدة مؤلفات، منها: أصول ِ الدعوةِ، وكتابِ
المُفصّل ِ في أحكام ِ المرأةِ المُسلمةِ، وأحكام الذميين والمستأمنين في دار
الإسلام، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، القصاص
والديات في الشريعة الإسلامية، والقيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة
العامة في الشريعة الاسلامية، والكفالة والحوالة في الفقه المقارن مع مقدمة في
الخلاف واسبابه). قالَ عنهُ المدخلي الجامي مقبل الوادعيُّ: إنَّ علمهُ زبالة! وقد
وصلت تلكَ العبارة ُ أسماع الدكتور عبد الكريم زيدان، فجلسَ يبكي بكاءً مُرّاً( ).
6-
أنزلوا أنفسهم منـزلة لا يستحقونها:
إنَّ
المداخلة الجامية قاموا بالتشنَّيع على من وقع في خطأ من المخالفين لهم، وإنْ
اعترف بخطئه، وتراجع عن قوله بلسان عربي مبين، وأعلن ذلك ما استطاع إلى ذلك
سبيلاً؛ فبدل أنْ يشكروه قاموا باتهامه بالكذب والمراوغة في توبته، وزعموا بعدمِ
صحَّةِ توبته إلاَّ ما لم تحصل بين أيديهم، وبالألفاظ التي يُملونها هم عليه،
والله عزَّوجلَّ يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]، نعوذ بالله من قوم نصبوا أنفسهم آلهة على
الناس، فالله تعالى لم يجعل التوبةَ لأحدٍ من الناس!!. وبهذا الصنيع أنزلوا أنفسهم
منـزلةَ الوصي على الدعوة، وأن طلاب العلم والدعاة إلى الله في جميع الأقطار
بمنـزلة القاصر، الذي يتصرف فيه وصيُّه، فمن حكموا له بالسلفية؛ فقد فازَ ورشدَ!!
ومن تحفَّظوا في حقه بهذا الحكم؛ فهو على شفا جُرُفٍ هار، ويشار إليه بأصابع
الاتهام، والخوف عليه من السقوط!! ومن صرحوا في حقه بأنه ليس سلفيًا؛ فتهوي به
الريح في مكان سحيق، وذلك عند هؤلاء المقلدة الذين ضلوا الطريق!! ( )
7-
عدم تمييزهم لأنواع المسائل الخلافية:
لا
يفرِّقُ غلاةَ التَّبديعِ الجامية المداخلة بين مسائل الاجتهاد، ومسائل العقوبات،
ومسائل الأصول، فمن خالفهم ولو في سنَّة من السُنن، أو في تقدير المصالح أو
المفاسد وإن كانوا متفقين على الحكم في الجملة، أو خالفهم في تزكية شخص أو تجريحه؛
رَمَوْهُ بأنَّه مُمَيعٌ، وأمثلة ذلك يطول المقام بذكرها، وتراهم يُبَدِّعونَ كلَّ
من لم يقع في بدعة أصلاً، إنَّما خالفهم فيما لم يعرفوا غيره، وإن كان الحقُّ مع
مخالفهم!!.... ويقوم غلاةَ التَّبديعِ بتوظيف النصوص الشرعية، وإخراج القواعد
العلمية عن إطارها، والآثار العلماء عن سياقها، واستعمالهم المفرط للغة التعالي
والكبر ضد من يعتبرونهم مخالفين خارجين عن المنهج، وعدم ورعهم في إطلاق عبارات
السَّبِّ والشتم، والتحذير والتحريض، والرمي بالبدعة والضلال والمروق؛ والاحتقار
والرغبة الكبيرة في سحق الآخرين( ).
8-
المؤاخذة بالزلات، وعدم الإعذار بالجهل:
لما أراد الشيخ ربيع أن يصرف شباب الإسلام عن اتباع الجماعات الإسلامية، والدعاة والمصلحين، اخترع أصلاً آخر من أصوله، وهو أنَّ كلَّ من وقع في بدعةٍ وجبٍ وصفُه بالمبتدع، وأنَّ كلَّ مبتدعٍ يجبُ هجرُه، ولا يجوزُ الاستفادةُ من علمِه، ولا دعوتِه، ولا جهادِه!! وراحَ يستدلُّ لهذا الأصلِ استدلالاً باطلاً من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وخرج على الناس بكتابه الذي سماه (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف). قال الشيخ الألباني عن كتب الشيخ ربيع المدخلي: "في كلُّ كتبه الشِّدة موجودة".(سلسلة في الهدى والنور، شريط/915(، وقال عن كتاب الشيخ ربيع المدخلي (صدّ عدوان الملحدين): "بأنَّه مصيبة ومتناقضات، المقصود بها تبرير هذا الواقع"، كما في سلسلة الهدى والنور شريط 469).
9-
وَضْع قواعد مخترعة من أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان:
لقد
وَضْع غلاة التبديع المداخلة قواعد مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، ووفقها
قاموا بإخراج السلفيين من دائرة السلفية، وإلحاقهم بركب أهل البدع، فمن تلك
القواعد:
أ)
قولهم: من نزل ضيفًا في بيت حزبي؛ فيُلحق به، ومن التمس عذرًا لحزبي - ولو في أمر
حق- فهو مميع، ومن لم يهجر فلانًا؛ فيُلحق به، وكذا من لم يهجره؛ فهو كذلك، وهكذا
وقولهم: من ذكر حسنة مبتدع - ولو كان ذلك أحيانًا لحاجة شرعية- فهو مميع، وقائل
بالموازنات.
ب)
ومن قواعدهم الفاسدة: أن من اشتغل بتحصيل العلوم الشرعية، دون رد على الجماعات؛
فليس بسلفي، أو مائع، أو في سلفيته نظر، لا سيما إذا عارض شيئًا من أحكام هذه
الطائفة الجائرة!!.
ج)
ومن قواعدهم الفاسدة: أن من استشهد بكلام وهو حق من كلام أحد المخالفين؛ فهو مميع،
وملمِّع لأهل الباطل، ومدافع عن أهل البدع، ومن قال: المسلم يُحب ويبغض على حسب ما
فيه من خير وشر؛ فهو مميع، ومن أهل الموازنات، وإخواني أو قطبي.
د)
ومن قواعدهم الفاسدة: أن من خالفهم ولو في شيء يسير مما يسمونه هم "مسائل
المنهج" فزكى رجالاً جرحوه، أو رأى المصلحة في غير ما يرون، أو نحو ذلك؛
قالوا: هذا أضر على الدعوة من الحزبي الظاهر، لأن الحزبي الظاهر يحذره الناس، أما
هذا فموضع ثقة عند الناس، فيكون ضرره أكبر. وهكذا كلما كان المخالف لهم -مع بقائه
على السنة في الواقع- أكثر صلاحاً وعلماً وفضلاً وجاهاً منفعاً؛ كلَّما كان أضر
على الإسلام وأهله وكلما كان التحذير منه أكبر، وكلما كان المخالف متهتكاً مشهوراً
بالضلالة؛ كلما كان أهون وأخف؛ فبين هذا الفكر شبه وبين فكر من يقتلون أهل
الإسلام، ويدَعون أهل الأوثان، والله المستعان( ).
هـ)
ومن قواعدهم الفاسدة التفريق بين العقيدة والمنهج: والهدف من ذلك تسهيل الطعن في
مخالفيهم من أهل السنة والجماعة بحجة أنه وإن كانت عقيدته سليمة إلا أن منهجه فيه
خلل. لذلك تجدهم يكثرون من القول: "كيف منهجه" عندما يريدون أن يستفسروا
عن أحد من الدعاة ليعرفوا هل هو من جماعتهم أم من الجماعات الأخرى.
ولخَّص
الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق منهج ربيع المدخلي في موقفه من الجماعات الإسلامية
والعلماء، بقوله: "وامتلأ قلبُه المسكين على جلِّ العاملين للإسلام غيظاً
وحنقاً، وبغضاً بل قيحاً وصديداً.. وأصبحَ لا يقومُ ولا يقعدُ إلاَّ وهو يذمُّهم
ويشتمهم ويحذِّرُ منهم، وأصبحَ صراخُهُ الدائمُ: هم أخطرُ من اليهود
والنصارى!!" ( ).
10-
طعن الجاميَّة بعضهم البعض:
ذكر الدكتور مشاري سعيد المطرفي في كتابه (الجامية في الميزان دراسة موضوعيّة نقديّة من بداية ظهورهم إلى وقتنا الحاضر) تسعة عشر نموذجاً من نماذج طعون غلاة التبديع والتفسيق بعضهم بعضًا، وبيَّن أنَّ من تتبَّعَ واستقصى جميع طعونهم في أنفسهم لاحتاج إلى مؤلّف مستقل، لكثرة طعونات بعضهم في بعض( ( .
وقال:
"أما أهل البدع والزيغ - والعياذُ بالله - فيضلل بعضهم بعضاً، ويفسّق بعضهم
بعضاً، ويبدّع بعضهم بعضاً، ويطعن بعضهم في بعض، ويسبّ ويشتم بعضهم بعضاً، ويحذّر
بعضهم من بعض. والجامية خالفوا منهج أهل السُّنَّة والجماعة في التعامل مع أخطاء
بعضهم البعض، وسلكوا منهج أهل الزيغ والبدع في التعامل مع أخطاء بعضهم البعض،
فضلّل بعضهم بعضاً، وطعن بعضهم في بعض، وحذّر بعضهم من بعض، وهذا بلا شك منهج أهل
البدع والزيغ والعياذ بالله. فالجامية لما فرغوا من الطعن والتحذير من الذين
يخالفونهم في منهجهم القائم على الطعن في العلماء والدعاة والتحذير منهم باسم
الجرح والتعديل، تفرّغوا للطعن والتحذير في بعضهم البعض".( (
11-
تفريغ منهج الأنبياء من الدعوة والعمل لتحكيم شريعة الله:
قام
شيخ غلاة التبديع المداخلة ربيع المدخلي بتفريـغ منهج الأنبياء عليهم السلام من
الدعوة إلى تحكيم شريعة الله تعالى، وتحليل ما أحله الله، وتحريم ما حرَّمـه الله،
وحصر منهج الأنبياء عليهم السلام فقط في توحيد العبادة كما فهموه هم: بأن تكون
العبادات والقربات لله وحده، وهذا التوحيد هو الذي اصطلح عليه عند علماء السلف
بتوحيد (الألوهية)، وهو نوعٌ واحدٌ من التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وقد كتب الشيخ
ربيع بن هادي كتاباً لتأصيل هذا الأصل الباطل سمَّاه (منهجَ الأنبياءِ في الدعوة
إلى الله)، أراد الشيخ ربيع أن ينبه جماعات الدعوة التي تهتمُّ بتوحيد الحكم،
وتقدمه وحده دون سائر أنواع التوحيد وهذا خطأ منهم فقلَّل هو من شأن توحيد الحكم،
وقلَّل من شأن جهادهم في الدعوة إليه وإقراره.. والحالُ أنَّ هذا التوحيد قرين
لهذا التوحيد، فإن التحاكم إلى غير شرع الله وعبادة الأصنام والأوثان سواء.. ثم
جاء بعد ذلك من بنى على أصل ربيع الذي أصله في كتابه (منهج الأنبياء في الدعوة إلى
الله) فأنكر أن يكون توحيد الحكم داخلاً في مسمى التوحيد!! ومن قـال إنه فرعية من
الفروع!! وفرح المبدلون لشرائع الله بهذا الأصل الفاسد فرحاً عظيماً لأن فيه صرفاً
للدعاة إلى الله أن يسعوا في أن يحكم المسلمون بشريعة الله! ( )
12- إبطال منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات، فهم يرون أنّ الرد على المخالف يستوجب ذكر مساوئه فقط، ولا يجوز ذكر شيء من محاسنة، لأن هذا يستلزم التزكية له، والرفع من قدره ومنزلته، وهذا أمر لا يجوز. وفيه قد جاء في كتاب ربيع المدخلي: (المحجة البيضاء في الذب عن السنة الغراء)، بعدما ذكر ما يراه من مفاسد في منهج الموازنات: "وبهذا القول والتقرير يسقط المذهب المبتدع المختَرع: مذهب وجوب الموازنات بين الحسنات والسيئات"، وبهذا من ثبتت له سيئة مُحيت حسناته، ووجب تحذير الناس منه ومن منهجه.
الندوة
الأولى / النشأة والتطور
المحور
الثالث
الرموز
والأدبيات والنشاط العلمي الشيخ/ مصطفى البدري
باحث وداعية إسلامي. عضو المكتب السياسي للجبهة السلفية
الحمد
لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة
والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين..
وبعد:
بداية أتوجه بخالص الشكر لله تعالى، ثم للجنة المنظمة التي وضعت اسمي ضمن هذه الكوكبة النيرة من العلماء حيث إنني في الحقيقة لا أجد ما أقدمه وسط هؤلاء، ولكن كما قال القائل: نتكلم وهم يراجعون، ونخطئ وهم يصوبون.
أولًا:
الرموز:
وبين
يدي هذا الموضوع أودّ أن أنبه إلى أننا عندما نتحدث عن الرموز والأسماء المبرزة
والمعروفة عندهم هناك نقاط مهمة لا بد أن نضعها في الحسبان.
تنبيهات
عامة:
1-
التفريق بين من يوافقهم في أدبياتهم ولا يتفق معهم في سلوكياتهم:
هناك
من يتوافق مع هذه الفئة في كثير من أدبياتهم (كتحريم الخروج على حكام اليوم، وتحريم
الانضمام للحركات الإسلامية المعاصرة) إلا أنه في الحقيقة ليس منهم، بل وينكر
عليهم ما يفعلونه في الحركات والجماعات والرموز الإسلامية عندما يطعنون فيهم،
ويسعون إلى إسقاطهم، نعم. قد يوافقونهم في نفس النقاط التي يأخذونها على هذه
الحركات والرموز، ولكنهم لا يوافقونهم في مسألة الإسقاط والهدم.
فهؤلاء
لا ينبغي أن نحسبهم عليهم، أو أن نذكرهم ضمن هذه الطائفة الضالة.
2-
جماعة انشطارية متشظية:
هذه
المدرسة مدرسة انشطارية متشظية، فهناك من كان معهم سابقًا في وقت من الأوقات والآن
هو ضدهم ويتكلم عنهم وهم يتكلمون عنه، ويحاربهم ويحاربونه.
وكمثال
صارخ لهذه الحالة نذكر أسامة القوسي، هذا الرمز المعروف في مصر، فقد كان في يوم من
الأيام أحد الدعاة المشهورين، له مسجده وطلابه وجهوده، إلا أنه كان يفعل شيئًا لم
أعهده، ولا أتخيل أحدًا من دعاة الإسلام يفعله؛ كان يأتي بضابط أمن الدولة المختص
في المنطقة ويقدمه بين يدي دروسه ليحدث الحاضرين! ووصل به الحال الآن إلى حضور
المسرحيات والأفلام، لدرجة أنه يُدعَى باسمه الشخصي للعرض الأول للأفلام، ويقول
بكل تبجح: أنا أحب الممثلة الفلانية، وأحب الممثل الفلاني وأرجو أن يحشرني الله
معهم في الجنة!! ووصل إلى حالة من الانحراف الشديد لدرجة أن المداخلة يتبرؤون منه
ولا يذكرونه ضمن شيوخهم المعتبرين المعروفين.
وبالطبع هناك فالح الحربي وأبو الحسن المأربي وعلي الحلبي ومشهور حسن سلمان وآخرون ممن كانوا معهم ثم تم طردهم والانقلاب عليهم بعد ذلك.
فهي
جماعة انشطارية متشظية لا تثبت على حال ولا يستقر لها قرار، ولا نستطيع أن نقول إن
من معهم الآن سيبقى إلى الشهر القادم، كما أنهم لم يكونوا معهم الشهر الماضي.
لذلك
سأركز على الأسماء والرموز الثابتة ضمن هذه المدرسة المنحرفة.
3-
المتأثرون بهم:
هناك
من هو متأثر بهم دون أن يدري حقيقتهم، فكثير من الدعاة الجدد، أو الذين ينشؤون في
مناطق نائية ربما يقع تحت يده بعض كتبهم أو دروسهم أو محاضراتهم، ويحاول أن يستفيد
منها ظنًّا أن هؤلاء دعاة إلى الخير أو أن مصلحة الإسلام يريدون، فيبدأ يردد بعض
مصطلحاتهم وبعض أدبياتهم دون أن يدري، وهذا ظاهر خاصة في بلاد الغرب، فالدعاة
المنتسبين إليهم هناك من أجهل ما يكون، لكنهم يحفظون بعض الكلمات، ويقرأون بعض
الصفحات ويرددونها كما هي ظنًّا منهم أن مثل هذا ينفع الإسلام، وهؤلاء أيضًا لا
ينبغي في الحقيقة أن نضعهم في صفهم؛ لأنهم يحتاجون فقط لمن يصحح لهم معلوماتهم، أو
يأخذ بأيديهم ليهديهم إلى الطريق المستقيم، ونعتبرهم كأي عاصٍ من عصاة المسلمين
الذي ينتظر اللحظة التي يُهدى فيها إلى سبيل الله تبارك وتعالى.
أبرز
رموزهم:
في
السعودية:
-
محمد أمان الجامي الإثيوبي السعودي
-
ربيع بن هادي المدخلي
-
محمد بن هادي المدخلي
-
زيد بن هادي المدخلي
-
عبيد الجابري
-
صالح السحيمي
-
عبد العزيز العسكر
في
مصر:
-
محمد سعيد رسلان
-
محمود لطفي عامر
-
طلعت زهران
-
محمود عبد الرازق الرضواني – صاحب قناة البصيرة
-ومن
الأسماء المعروفة في الجزائر: محمد علي فركوس
هذه الأسماء أكثرهم إن لم يكن كلهم يلتزمون بالثوابت والأدبيات التي سنشير إلى بعضهما.
ثانيًا:
الأدبيات:
1- تقديس
الحكام:
ما
يفعله هؤلاء ليس تقديرًا ولا احترامًا لكنه تقديس، والعجيب أنهم في هذه النقطة
عندهم تناقض غريب! فتراهم مع بعض الحكام يضفون عليهم هذه القداسة، في حين أنهم
يقفون في مواجهة حكام آخرين ثبت لهم الحكم، فهم مثلًا لم يقبلوا بحكم الدكتور محمد
مرسي في مصر، ولا يقبلون الآن بحكم رجب طيب أردوغان في تركيا، ولم يقبلوا بالذين
أتت بهم الانتخابات في ليبيا؛ وبعد التفكير الكثير استقر في نفسي أنهم يسيرون مع
الحاكم السعودي حيث سار، فإذا وجههم أن هذا حاكم ينبغي أن ندفع وندعم في اتجاهه
فعلوا هذا، وإذا وجههم بأن هذا الحاكم لا ينبغي أن نقبله ولا نرضى بوجوده قاموا
بالطعن فيه والتحذير منه! فصار عندهم تناقض.
وهذا
يدل أنهم يتعاملون مع المسألة من منطلقات سياسية غير شرعية.
لذلك:
وهم يتكلمون عن مسألة طاعة الحكام أصبحوا مفضوحين، وتبين أن المسألة ليست مسألة
طاعة للحاكم الذي وصل إلى الحكم سواء كان بطريقة مشروعة أو غير مشروعة -كما
يزعمون- لكن المسألة ترجع إلى رضا الحاكم السعودي من جهة، وترجع إلى مقياس ومعيار
آخر يضعونه في الغالب: أن هذا الحاكم لا بد أن يكون متجبرًا متسلطًا مجرمًا قاتلًا
سفاكًا للدماء ناهبًا للأموال، لا بد أن يكون حاكمًا فاسدًا لا يصلح أصلًا أن نصفه
بأنه حاكم شرعي، أو أن نقبل بوجوده في بلاد المسلمين.
2-
الغلو في التبديع والتفسيق والتضليل:
حيث
يأخذون بلوازم الأقوال، ويأخذون من كل شخص أي بادرة يريدون من خلالها أن يبدعوه أو
يفسقوه. فمثلًا أول ما بدأوا في تبديع الشيخ سلمان العودة - فك الله أسره - قالوا
إنه ينقل كلامًا عن مبتدع ولا يبين أنه مبتدع، يقصدون بذلك ما ينقله عن سيد قطب
رحمه الله. ثم بعد ذلك أهالوا على الشيخ سلمان سيلًا من الضلالات والبدع والخرافات
الكثيرة كان من شأنها أن يغالوا في تبديعه وتفسيقه، وليس هذا فقط بل كل من لا
يبدِّع سلمان العودة فهو معه في الحكم سواء.. ومن هنا يبدأ التسلسل في التبديع
المعروف كما هو عند غلاة التكفير مثل الدواعش الذين يقولون من لم يكفر الكافر فهو
كافر. وهؤلاء على طريقتهم يقولون من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع، ولم يفسق الفاسق
فهو فاسق، ولم يضلل الضال فهو ضال!
وهكذا
استمروا في التوسع بهذه الطريقة إلى أن بلغ الأمر أنهم لم يتركوا أحدًا من دعاة
المسلمين، أو أحدًا يعمل في أعمال الخير من المسلمين إلا وأسقطوا عليه وصفًا من
هذه الأوصاف!
3-
استحلال الدماء المسلمة:
وهو
أمر غريب يفترض أنه يتناقض مع يكتبونه، فدائمًا ما يتكلمون فيما يخص الخروج على
الحاكم أو ما يمسه ويقدمون بين أيديهم أن دعوى ومبرر كلامهم هو الحرص على حقن
الدماء، لكن رأينا في مصر محمد سعيد رسلان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحرض قوات الجيش والشرطة على قتل المسلمين في قرية اسمها "كرداسة"!
قالها صراحة: اقتلوهم. وهذا مسجل له منشور على الانترنت.
كما
وجدنا زيد بن هادي المدخلي مع محمود الرضواني على قناة البصيرة يحرض على المسلمين
في ليبيا، ويقول صراحة: افعلوا فيهم كما فعل السيسي في الإخوان في مصر.
وأسسوا
جماعة التوحيد والجهاد مع محمود الورفلي وغيره من القتلة والمجرمين الذين يدعمونهم
ويؤيدونهم في هذا.
هذه
النقطة ينبغي أن نضعها في أدبياتهم؛ لأنهم يقولون القول وأفعالهم ضد ذلك، وطالما
أن الأمر في صالح المسلمين تجدهم على طول الخط يقفون أمامه وفي مواجهته.
4-
الوشاية بعلماء المسلمين عند الحكام:
هذا
الأمر أصبح واضحًا عندنا وعندهم، وقد كان في المدينة التي كنت أعيش فيها في مصر
فتوى علنية فحواها: "أن تبليغ الأمن عن هؤلاء المبتدعة والضلال واجب
شرعي"، وأظن أن طلابهم الآن وكل من يستفيد منهم لم يعد بحاجة لمثل هذه
الفتوى، الأمر يحتاج فقط إلى الاستماع لبعض كلامهم، وقراءة بعض كتبهم، حضور بعض
خطبهم أو محاضراتهم فيستقر في النفس هذا المعنى.
مع العلم أن هذه الفتوى الصريحة قد صدرت من أكثر من واحد منهم مثل أمان الجامي وعلي الحلبي -قبل أن يتركهم ويحصل الخلاف والشقاق بينه وبينهم- كل من يسمع لهم ويقرأ يستقر في نفسه أنه ينبغي الإبلاغ عن الدعاة والعلماء عند رجال الأمن حتى يخلصوا المسلمين من شرورهم كما يزعمون.
5
أذكر
في بداية مساري وطلبي للعلم وقعت على كتاب اسمه: "كتب حذر منها
العلماء"، فيه الكثير من الكتب التي يحتاج إليها كل مسلم ولا ينبغي أن تخلو
منها مكتبة طالب علم، وعقب تحذير المؤلف من هذه الكتب يذكر تحذير فلان وفلان
وغيرهم ممن ينتمون إلى نفس المدرسة.
ومن أمثال هؤلاء علي الحلبي وسليم الهلالي ومشهور حسن سلمان ومحمد عيد عباس وخالد العنبري. وهؤلاء تركوا الفئة بعد أن كانوا في تلك المرحلة من أبرز رموزهم الذين يتكلمون بكلامهم وينشرون كتبهم، حتى بدأت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية بالتحذير منهم ومن كتبهم التي ظهر فيها التأصيل لمذهب المرجئة، وإعادة نشر هذا المذهب بطريقة جديدة.
ثالثًا: النشاط العلمي:
هذه
النقطة هي أهم النقاط، فالنشاط العلمي لهذه المدرسة ينقسم إلى قسمين:
القسم
الأول: ما كان قبل أن يتبنوا هذه الأفكار، ويسيروا في هذا الطريق.
القسم
الثاني: ما أصبحوا عليه بعد تبنيهم لهذه الأفكار، واعتبارها لهم منهجًا ثابتًا لا
ينبغي أن يحيدوا.
أنا
أدعو الجميع إلى زيارة موقع الشيخ ربيع المدخلي، فأول ما يجدونه في صدر الموقع هو
"مجموع ردود الشيخ ربيع على عبد الرحمن عبد الخالق"( ).
ثم
في القسم المخصص للكتب في الموقع يجد الزائر 54 كتاباً لربيع المدخلي ألفها أصالة،
30 منها عنوانها "ردود على أهل البدع والخوارج والمكفرة ووو ..." هناك
كتب عنوانها علمي، ولكن في الحقيقة لا يهدف إلى هذا، في كتاب الشريعة للإمام
الآجري يختار العنوان المتعلق بالخوارج ووجوب قتالهم ويستطرد في ذكر أدبياته
وأقواله، والأمثلة على هذا كثيرة.
نعم.
استفدت منه أنا وكثير من طلبة العلم من كتاب حققه لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمه
"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة"، وكذلك لما كتب "بين الإمامين
مسلم والدارقطني"، ولما كتب عن منهج مسلم في صحيحه، ولما دافع عن صحيح مسلم،
كان يمكن أن يخرج بإنتاج يفيد الأمة، خاصة وأنهم يلقبونه بأوصاف مثل أمير المؤمنين
في الحديث وأنه خليفة الألباني، بينما لو قارنّا بين إنتاج الشيخ الألباني وبين
إنتاجه، أو بين إنتاج الشيخ ابن عثيمين وبين إنتاجه، بل حتى مع إنتاج الشيخ بكر
أبو زيد الذي قد بدعوه وضللوه لمجرد أنه رد على شيخهم وإمامهم في الرسالة المسماة
"الخطاب الذهبي في نصح ربيع المدخلي" .. إذا أحببنا أن نستخرج لهؤلاء
مُنتجًا علميًا في الحقيقة أرى أن نُنزل عليه الوصف الوارد في حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عندما جاءه الشيطان لما كان عاملاً على الصدقة، حيث قال له النبي صلى
الله عليه وسلم في النهاية: ﴿صدَقكَ وهو كذوبٌ﴾ [صحيح البخاري 2311]، في الحقيقة
عندهم بعض الصدق لكنهم في الأصل كَذَبَة، وقد يتنزل عليهم قول النبي صلى الله عليه
وسلم في شأن الجن الذين يسترقون السمع من السماء يأتون بالكلمة الواحدة من الحق
ويخلطونها بتسعة وتسعين كذبة [صحيح مسلم 5711].
أما
لو دخلت موقع محمد سعيد رسلان، قسم خطب الجمعة، وتستمع لما يقوله هذا الرجل في
خطبه التي من المفترض أن تكون وعظية، وفي تثبيت المسلمين، وحثهم على طاعة الله
تعالى وترك معصيته، والكلام في ثوابت الإسلام والمجملات العامة، تجد محمد سعيد
رسلان لا تمر عليه خطبة واحدة إلا ويتكلم عن أهل البدع كما يسميهم! فضلًا عن أنه
أحيانًا من أول الخطبة إلى أن ينتهي وهو يتكلم عن أهل البدع والضلالات والمنحرفين،
وأحيانًا يذكر أُناسًا أنا لا أعرفهم، وطلابه لا يعرفونهم، ويبدأ في التحذير منهم
وبيان ضلالاتهم وانحرافاتهم.
أما
لو اتجهنا إلى الأنشطة التي يقومون بها في أماكن أخرى متفرقة مثل ليبيا لوجدناهم
يحاربون أهل الإسلام، ويقفون بجوار المحاربين للإسلام، كذلك في سوريا وبالتحديد في
الجنوب التركي أنشأوا بعض المعاهد التي من خلالها يريدون جمع بيانات طلاب العلم،
والباحثين والمعلمين والمصلحين لتقديمها لأجهزة الأمن السعودية.
في
دول الغرب لا يتركون المسلمين الجدد وشأنهم، ولا يتركون المسلمين الذين لا يعرفون
شيئًا عن الإسلام وشأنهم، يتتبعونهم وبدل أن يعظوهم أو ينصحوهم يدخلونهم في أجواء
التحذير والتضليل والتبديع، شعارهم "إن لم تأت إلينا فلتبق على كفرك أو
معصيتك"، قولهم وفعلهم: إياك أن تأتي داخل حياض الإسلام الرحب الفسيح وتقبل
أن تسير في أي مسار غير مسارنا نحن!
عندما
كنت أناقش أحد الشباب في مسألة الالتزام والطاعة والدخول في طريق الهداية، إذا به
يعرض عليَّ أمثلة ونماذج من أقوال وأفعال هؤلاء، ويقول: الشيطان طريقه واحد، وأنتم
لكم طرق!
لأن
أدبياتهم تقول له أي طريق تمشي فيه هو طريق ضال ومنحرف إلا أن تكون على هذا الطريق
الذي نسير عليه، وطبعًا أي شاب يرى الطريق الذي يسيرون عليه يعلم أنه يدعو إلى
الخنوع والخضوع والذلة والمهانة والتعامل مع الأمن والإضرار بالمسلمين ومحاربتهم،
وهذا طريق لا يقبله المسلم صاحب الفطرة النقية.
في الحقيقة إذا أردنا أن نتكلم عن أنشطة هؤلاء العلمية نجد أنها أنشطة مشبوهة مدعومة ماليًّا من بلاد ودول معينة.
ولو
نظرنا إلى بعض المكتبات التي تتبنى طباعة كتبهم مثل مكتبة "دار
الفرقان-عجمان"، هذه المكتبة كنت أدخلها عندما يأتي معرض الكتاب في مصر، أنظر
في كتبهم لا أجد كتابًا علميًا يرد بصري، وهذا الأمر موجود على الانترنت ويمكن
مشاهدته.
أو
"دار المنهاج" التي من الممكن أن تطبع بعض الكتب مثل شرح السنة للإمام
أحمد ليبدعوا الناس من خلالها بدعوى أنهم أتباع الإمام أحمد، أو شرح كتاب السنة
للإمام البربهاري وبنفس الطريقة يبدعون كل من لا يقبل كلامهم بدعوى أنهم أتباع
هؤلاء العلماء، وأنهم يشرحون كتب هؤلاء العلماء.
في
الحقيقة لا أستطيع أن أقول إن لهؤلاء إنتاجًا علميًا منهجيًا. فمثلًا محمد أمان الجامي،
مع أنه لم يدرك هذه المرحلة، وله كتب ودراسات وأبحاث يمكن أن يستفيد منها أي مسلم،
لكن بالطبع فتاواه وكلامه ونهجه الذي نهجه بعد ذلك كان بعيداً كل البعد عما كتبه
هو، وما ظهر وما عرف به بعد ذلك. حتى من حمل رايته وهو صاحبه وتلميذه -مع أن
الفارق بينهما ربما سنة واحدة- ربيع بن هادي المدخلي، اللواء الذي حمله في تضليل
وتبديع وتفسيق وهدم رموز المسلمين يمحو هذه الأنشطة والكتابات، وإن كنت في الحقيقة
لا أستطيع أن أداري وجود شيء لهم من هذا، وأدعو الله عز وجل أن يهديهم، وأن يعيدهم
إلى سابق العهد، وأن يكونوا دعاة إلى الإسلام بحق، لأن الذي يفعلونه الآن له مردود
سيء جدًا.
ومن ثَم ندعو الله ونرجوه أن يهدي هؤلاء وأن يردهم إلى جادة الطريق، أو أن يخلص الأرض من شرورهم.
في
الختام: أود أن أضع بين يدي هذا المؤتمر مقترحًا لكل من يتمكن من فعله. على كل من
يستطيع أن يفرغ طالب علم، أو أن يبذل جهده لاستخراج طلبة علم متمكنين بالفعل ينفع
الله بهم هذه الأمة، ويستطيعون إسقاط هؤلاء وإخراجهم من الساحة العلمية والدعوية.
أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.
وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
اليوم
الثاني
الندوة
الثانية/ الانحرافات
المحور
الأول
الانحرافات
المنهجية
الدكتور/
محمد عبد الكريم الشيخ
أمين
عام رابطة علماء المسلمين - المشرف على شبكة الهداية
عضو هيئة التدريس بجامعة الخرطوم
الحمد
لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن والاه .. وبعد:
بداية
أشكر الإخوة الذين نظموا هذا المؤتمر الفريد من نوعه، الفريد في موضوعه، الذي يتناول
قضية ملحة طالما أقلقت العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية، والاتجاهات الإسلامية
المختلفة، وهي تتعلق بهذه النابتة التي نبتت في بلادنا في ظروف استثنائية سياسة
وأحوال متقلبة، وذلك في بداية التسعينات، وربما لكانت لهذه النابتة جذورها قبل
ذلك.
هذه
النابتة التي تتعلق بغلاة التبديع والتفسيق وَجدت رعايتها والاهتمام بها من قِبل
الدوائر الاستخباراتية المختلفة، وأنا في هذه الكلمات بصدد الحديث عن الانحرافات
المنهجية؛ لأن الحديث يطول عن هذه الثلة المنحرفة المبتدعة.
هذه
الثلة المنحرفة المبتدعة تسمى بأسماء كثيرة: أدعياء السلفية تارة، وبالجامية تارة،
وبالمدخلية تارة أخرى أو غير ذلك، عصفت بوحدة أهل السنة والجماعة، وفعلت فيها
الأفاعيل كما ذكر ذلك الشيخ المبارك العلامة الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه
العظيم "تصنيف الناس بين الظن واليقين".
هذه النابتة لها انحرافات منهجية سأتحدث عن انحرافين منها.
الانحراف
الأول: موقفهم من العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية:
أما
عن موقفهم من العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية فهو موقف الانتقاص والسب بدعوى
الجرح والتعديل، فقد أوجبوا معرفة الأخطاء التي وقع فيها العلماء، والتحذير ليس من
هذه الأخطاء، وإنما التحذير من العلماء الذين وقعوا في هذه الأخطاء، وذهبوا يقولون
بمقولة شيخهم: كل من وقع في بدعة فهو مبتدع وحقه التشهير.
ومن
قواعدهم الفاسدة:
-
أن كل من حُكم عليه بالبدعة -عندهم- وجب هجرانه.
-
أن كل جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى في الوقت الحاضر هم جماعات بدع
وضلالات، وأنها امتداد للفرق القديمة الخارجة عن الإسلام.
وهؤلاء
لا نرى لهم مثلاً في التاريخ إلا مثلَ الخوارج، ولكننا سنرى بأن خارجيتهم إنما هي
تقتصر على العلماء، فهم خوارج على العلماء والدعاة، ولكنهم في حق الحكام الظلمة وادعون
يأخذون بمذهب الإرجاء. فجمعوا بين النقيضين!
إن
العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم ولاة هذه الأمة كما قال أهل التفسير قوله تبارك
وتعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:59]، فذكر أهل العلم
أن أولي الأمر بالدرجة الأولى في هذه الآية هم العلماء.
العلماء
هم الذين يستنبطون الأحكام، ويردون الناس إلى الجادة في المواقف الحرجة، كما قال
الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83]، فليس على
ظهر البسيطة في البشرية أشرف من أهل العلم وأهل الدعوة إلى الله، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33].
أما
هؤلاء فقد تسلطوا على العلماء، وتسلطوا على الحركات الإسلامية، وذهبوا يتتبعون
زلات العلماء، ليس لأخذها والعمل بها، وإنما من باب التشهير بها وبالعلماء.
ولو
رجعت إلى منصاتهم، وبعض حواراتهم فيما بينهم لو جدت أن شغلهم الشاغل هو البحث عن
زلات العلماء، وبعض هذه التي يسمون زلات ليست بزلات.
لديهم
قائمة طويلة في جرح وثلب لأهل العلم، ما تركوا حياً ولا ميتاً من أهل العلم
الفضلاء إلا وأغمدوا فيه نصالهم وسيوفهم وألسنتهم الأسنة الحداد، الأشحة على
الخير.
هذه
المسألة أدت بهم في النهاية إلى أن يكون شغلهم الشاغل هو تشريح هذه الجماعات!
ثم
نبتت فيهم نابتة تقول بأن الجماعات الإسلامية الدعوية أو التي تعمل في حقل السياسة
هي من الفرق الخارجة، وذهبوا ينزلون حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه في
غير موضعه، عندما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن أنه سيكون في هذه الأمة خير ثم
شر إلى أن قال: ﴿فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت﴾
[صحيح البخاري 6673]، وبالتالي أنزلوا أحاديث الفرق مثل: ﴿وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي
عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً﴾، [سنن الترمذي (2640) سنن أبو داود (4596)،
مسند أحمد (2|332)] فجعلوا الجماعات الإسلامية هي هذه الفرق، وتعاملوا معها على
هذا الأساس، وهذا انحراف منهجي خطير؛ لأن الجماعات الدعوية إنما قامت من أجل
الدعوة إلى الله، وإنما جاءت من أجل تصحيح مسار الأمة لما انحرفت، نعم. أصابوا في
أشياء وأخطأوا في أخرى، وكان منهم صالحون وبررة حاولوا أن يقوموا بما في طاقتهم
وإمكانهم، وكان فيهم منحرفون، ولكن هذا لا يعني أننا نسقطها تماماً، ونعتبر أنها إنما
جاءت لإضعاف الأمة، حدث هذا في وقت كان فيه علماؤنا يشيدون بالجماعات الإسلامية في
الجملة، وارجعوا إلى الفتاوى القديمة للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، والمشايخ في
مصر أو السودان وفي كل مكان وهم يتحدثون عن الجماعات الإسلامية باعتدال،
ويعتبرونها جماعات أهل السنة والجماعة.
جاء هؤلاء ليعتبروا أن هذه الجماعات ما جاءت إلا لحرب الإسلام، ثم أصبحوا يتحدثون وكأن هذه الجماعات أعتى من اليهود والنصارى، فأدى بهم الانحراف الذي وضعه عليه علماؤهم ومفكروهم في اعتبار الجماعات الدعوية المعاصرة جماعات بدعة وضلالة، وأنها امتداد للفرق القديمة الخارجة عن الإسلام، وأن كل عالم أو داعية وقع في بدعة وجب إهدار كل حسناته، وتنفير الناس منه، وعدم الاستفادة من أي خير يقدمه للمسلمين، وبلغ السفه ببعضهم أنه يحذر بعض من ابتدأوا طريق الاستقامة والالتزام من سماع القرآن من بعض الدعاة لأنه صُنف عند مشايخهم بأنهم من السرورية أو من الإخوان، بل ولا يجوز أخذ قواعد اللغة العربية من هؤلاء! فكل من حكم عليه دعاتهم ومفكروهم وموجهوهم بأنه من صِنف معين أو جماعة معينة، فلا يجوز ذكره بخير حتى لا يُلمَع ويغتر به المسلمون.
تأسس
هذا المنهج الباطل في موقفهم من العلماء والدعاة على أمرين:
الأمر الأول: ما أطلقه شيخهم المدخلي الكبير في إبطال منهج الموازنة بين الحسنات والسيئات، فهم يرون أن الرد على المخالف يستوجب ذكر مساوئه فقط، ولا يجوز ذكر شيء من محاسنه؛ لأن هذا يستلزم التزكية له، والرفع من قدره. فعندما يتكلم عن عالم معين لا بد أن يتكلم عن مساوئ هذا العالم. ماذا عن حسنات هذا العالم؟ وحسنات هذه الجماعة؟ وما قدمته للأمة؟ يحجب ذلك تماماً ويتحدث فقط عن المساوئ حتى لا يؤدي ذلك إلى تلميعه.
الأمر
الثاني: أن كل من حكم عليهم شيوخهم بأنه ضال حزبي سروري قطبي ضال مارق من كلاب النار
... بمجرد أن يتفوه أحد هؤلاء الذين يعتبرون كلامهم كلاماً مقدساً لا يراجع فيه
وكأنه معصوم، فلا يجوز بحال التلقي عن هذا الشخص الذي رُمي بشيء من هذه الأقوال،
أو مجرد مدحه ولو حتى كان فيما يحسنه أو يتقنه أو فيما أصاب فيه كمدح أسلوبه أو
غير ذلك؛ لأن هذا عند هؤلاء القوم يعتبر تزكية له، وبالتالي يكون كما يقولون من
باب التلميع له، وتغرير الآخرين به.
هذه
القواعد لم يعرفها أهل السنة والجماعة، الذين هم أرحم الخلق بالخلق، وأعدل الناس
في الخلق، حتى من خالفهم فإنهم لا يسقطون حسناته، انظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله تعالى وهو يعدد حسنات بعض الطوائف الكلامية، أو التي ابتدعت في السلوك
أو غيرها من الجماعات فيذكر أنهم أحسنوا في كذا وأساءوا في كذا، وهذا المنهج
المتعلق بالموازنة بين الحسنات والسيئات هو منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من
أهل السنة والجماعة.
ومن
الذي لا يخطئ كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ما منا إلا راد ومردود
عليه"، وكان يقول رحمه الله: "ما منا إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب
هذا القبر"، ويشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
من
ذا الذي ما ساء قط *** ومن له الحسنى فقط
فالعلماء يصيبون ويخطئون، وكل إنسان معرض للخطأ والزلل، وبعض العلماء الكبار الذين يعرفون بالشهرة ولهم قدم صدق في السنة نقلت عنهم أقوال هي من أشنع الأقوال التي ردها أهل العلم، لكنهم ما أسقطوا هؤلاء العلماء، ولا شنعوا عليهم، ولا حذروا الأمة من أن يأخذوا عنهم فيما أصابوا فيه في كتبهم ومؤلفاتهم الأخرى.
يقول
شيحنا العثيمين رحمه الله تعالى في مسألة الموازنة بين الحسنات والسيئات:
"لكن هل من جزاء العلماء الذين أتعبوا أنفسهم في تحصيل العلم ولم يدخروا
وسعاً في نشره بين الأمة أنهم إذا أخطأوا خطأ واحداً أن ينشر خطأهم ويسكت عن
محاسنهم؟ ليس هذا من جزائهم، وليس هذا من العدل ولا من القسط، بل العدل أن توازن
بين الحسنات والسيئات، فإذا رجحت الحسنات على السيئات فالإنسان من المحسنين"،
يبين الشيخ رحمه الله تعالى خطأ بعض الناس في هذا، فالبعض - والعياذ بالله - يتخذ
من الخطأ الواحد ذريعة للسب والقيل والقال، ويجعل من هذه السيئات سيئات أخرى.
أدى
هذا المنهج المنحرف إلى انتشار التباغض والتحاسد، وكانت نتيجته صرف الفتية
والفتيات عن محاسن العلماء والدعاة إلى سبحانه وتعالى، وأصبح صغار السنِّ يتجرؤون
على القامات الكبيرة، ثم أدى هذا الطريق الذي انتهجوه إلى ما هو أعظم فيما بينهم،
فأكل بعضهم بعضاً، وقد رأينا ذلك.
فالنهج
الذي انتهجوه ووضعوه للجماعات والدعاة الذين يعتبرونهم من المخالفين لهم ارتد
عليهم، وسرعان ما انقسموا على أنفسهم وانشقوا، ونبتت فيهم نابتة الحدادية أتباع
محمود حداد ومن معه ممن ذهبوا شأواً بعيداً، قال لهم: لماذا تتكلمون عن سيد قطب
المسكين وتدعون البيهقي والنووي وابن حجر وفلان وفلان من الأئمة، ابدؤوا بهم فهم
أحق بالتبديع من سيد قطب وتحذير الأمة منهم!
إن
مسلك إهدار حسنات العلماء والتطاول عليهم، يؤدي في النهاية إلى ما لا تحمد عقباه،
فقد ارتد الأمر عليهم، فألفينا رجلاً مثل فالح الحربي يتحدث عن ربيع ويصفه بأنه من
الرافضة، ومن الطاعنين في الصحابة، إلى غير ذلك من المؤلفات المضحكة التي يرمي
فيها الرجل أصحابه الذين كان يجتمع معهم على سلب وثلم علماء هذه الأمة!
كنت أقول لعدد من الشباب: من دلائل انحراف هذه الثلة وهذا التيار انقسامه على نفسه، وأنه سرعان ما يلعن بعضهم بعضاً، ويبدع بعضهم بعضاً، وهذا مما لا تجده في عند أهل السنة والجماعة، فهم يرحم بعضهم بعضاً، نعم يرد بعضهم على بعض ولكن يردون بإنصاف وعدل.
الانحراف
الثاني: الموقف من الحكام:
هم
مع الدعاة كالأسود الضارية، وكالوحوش المفترسة، ينقض أحدهم على الداعية ويرميه بكل
رزية، ويتهكم عليه، ويصل السفه ببعضهم أن يجعلوا حسنات العلماء سيئات، كأحد
سفهائهم يتكلم على برنامج يشاهده الملايين يجتمع فيه ثلة من العلماء من أجل أن
يقدموا الخير للمسلمين، وكانوا في قاعة محاضرات وفيهم قامات من الدعاة والعلماء،
فذهب يشرحهم بين مجموعته ويقول متهكماً: هؤلاء عاملين فيها تلاميذ، وعاملين فيها
صغار، مع أنها حسنة من حسنات العلماء أن يتنزلوا إلى العامة، وأن يجلسوا إليهم في
أسلوب يقرب الخير إليهم، انظر كيف حول هذا الخير إلى شر؟! ومثل هذا كثير.
أما
عند الحكام فإنهم كالخراف الوديعة؛ لأنهم قلبوا الآية، جاءوا إلى الحكام فتعاملوا
معهم بعقيدة الإرجاء، فالحاكم عندهم لا يمس ولا ينكر عليه، ولا ينبغي إزعاجه بأي
موعظة مهما فعل، ومهما أتى من الموبقات، ولو كانت الموبقة أو المنكر متعدياً فلا
ينبغي بأي حال من الأحوال أن تزعجه.
يقول
رسلان بملء فمه: إن الخروج على الحاكم وإن كان كافراً فهو أيضاً غير جائز. بدعوى
الاستضعاف وعدم التمكين. ثم يقول متهكماً: أم تريدون أن تخرجوا عليه بسكين المطبخ
وعصا الراعي؟!
وهذا
من الخلط. إذا لو كانت عدم الإمكانية وعدم الاستطاعة غير متوفرة في مرحلة من
المراحل فهل يسقط الحكم الشرعي الأساس الذي فيه إجماع الأمة على عدم ولاية شرعية
الكافر الذي تسلط على المسلمين، وقد نقل الإجماع ابن المنذر والقاضي عياض والنووي
وابن حجر قالوا: إذ لا يجب أن يكون للكافر من سبيل على المؤمنين كما أمرنا الله
تعالى بطاعة أولي الأمر من المسلمين، ففي صحيح مسلم من حديث عبادة رضي الله عنه
قال: ﴿دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ،
فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ،
فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا،
وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا
عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ﴾ [صحيح البخاري 7055 ، صحيح مسلم 1709].
قال
الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم عن القاضي عياض، نقل الإجماع على الخروج على
الحاكم إن كفر: قال القاضي عياض: "أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد
لكافر"، وقال: " أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه
لو طرأ عليه الكفر انعزل. إذاً: يحرم ابتداءً عقد الولاية لكافر، وإذا كان مسلماً
فطرأ عليه الكفر في أثناء الولاية وجب على المسلمين عزله عن هذه الولاية. قال:
وكذلك لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها"، فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع
أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته".
بلغت
الجرأة ببعض هؤلاء أنه عندما حصل الاحتلال الأمريكي في العراق، والناس منشغلون برد
هذا الصائل ودفعه، جاءوا يكسرون مجاديف الناس، ويوهنون عزائمهم، ويتحدثون عن خطر
الخروج عليهم!
وقل مثل ذلك في أي موضع من مواضع مواجهة المحتل في هذه الأمة تنبت هذه النابتة لتتحدث عن مثالب المسلمين الذي يواجهون، كما نسمع هذه الأيام والأمة مغتبطة فرحة بالنصر العظيم بأفغانستان لحركة طالبان يخرج من هؤلاء من يتحدث عن صوفية حركة طالبان، يا هؤلاء! ما حال الذين من قبلهم؟ ما هي عقائدهم؟ ما هي مواقفهم؟ ما هي عمالتهم للمحتل؟ لا يتحدثون، يصمتون عن العملاء وعن الكافر وما يفعله، فإذا قام من يدفع ويدافع قامت قيامتهم وشدوا عليهم ورموهم من قوس واحدة.
وقل
مثل ذلك في فلسطين، عندما تستعر المواجهات مع اليهود تجدهم بعض هؤلاء يتحدث عن
حركات الجهاد وحماس والقسام .. فهل هؤلاء يؤازرون أهل الإسلام، أم أنهم يقعون في
البلية العظمة في موالاة أهل الظلم؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى
الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:113]، ويقول الله تعالى عن موسى عليه
السلام: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:17].
تأولوا
عدم الخروج على الحاكم المسلم وغلوا فيه لدرجة أنهم وصلوا لممالأة الظلم، فأصبح
بعضهم جاسوساً للحاكم الظالم على إخوانه المسلمين، فيتبرع لهذا الحاكم بنقل الكلام
إليه، والتجسس على الدعاة إلى الله، ويعتبر ذلك من الدين، فأصبح للظلمة جيش من
هؤلاء الساقطين في هذه البدعة العظيمة!
في
ليبيا في بداية أمر ثورة الشعب على القذافي المجرم الطاغية استدعوا أناساً من
الخارج، وجاءوا بالقنوات من أجل تزيين القذافي، وعدم الخروج عليه، وأن هذا يعتبر
من أظلم الظلم في الأرض، ثم لما حصل ما حصل من دحر ذلك الظالم، وزوال فتنته جاءتنا
فتنة أخرى خرجوا فيها، ووقفوا ضد العلماء الربانيين، حتى عمدوا إلى أحد علمائنا في
رابطة علماء المسلمين ووكيل وزارة الأوقاف الليبية سابقاً الدكتور نادر العمراني،
فأخذوه على حين غرة غيلة وغدراً فقتلوه؛ لأنهم صنفوه عندهم على أنه من الخوارج
بزعمهم وأنه من تيار القطبية، أو نحو ذلك من الإطلاقات التي يطلقونها، ثم يقومون
بما يحلوا لهم.
من
أفضل الكتب التي ترجعون إليها في الرد على الانحرافات المنهجية لهذه الطغمة كتاب
"تصنيف الناس بين الظن واليقين" للشيخ العلامة بكر أبو زيد رحمه الله
تعالى، فهو من أفضل الكتب في الإحاطة ببعض أصول هذه الثلة المنحرفة، يقول فيه:
"وكم جرَّت هذه المكيدة من قارعة في الديار بتشويه وجه الحق، والوقوف في
سبيله، وضرب للدعوة من حدثاء الأسنان في عظماء الرجال باحتقارهم وازدرائهم،
والاستخفاف بهم وبعلومهم، وإطفاء مواهبهم، وإثارة الشحناء والبغضاء بينه، ثم هضم
حقوق المسلمين في دينهم وعرضهم، وتحجيم لانتشار الدعوة بينهم، بل صناعة توابيت
تقبر فيها أنفاس الدعاة، ونفائس دعوتهم. انظر كيف يتهافتون على إطفاء نورها، فالله
حسيبهم".
وارجعوا
إلى كلمات الشيخ ابن جبرين، والشيخ عبد الله بن غديان له كلمات ماتعة في التحذير
من هذه الثلة، وغيرهم من أهل العلم والفضل.
أسأل الله تعالى أن يريح الأمة من شر هؤلاء وأن يبدلنا خيراً، وأن يصرف عنا شرهم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الندوة
الثانية / الانحرافات
المحور
الثاني
الانحرافات
العقدية
الشيخ
/ سامي الساعدي
عضو مجلس الأمناء في هيئة علماء ليبيا - رئيس مجلس حكماء وأعيان طرابلس المركز - أمين عام مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء
الحمد
لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير
كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، أنعم علينا بجلائل النعم ودقائقها، فله الحمد كله، وله الشكر كله، وإليه
يرجع الأمر كله، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقدوتنا ومعلمنا محمداً عبد الله ورسوله،
وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، أرسله الله تبارك وتعالى بين يدي الساعة بشيراً
ونذيراً؛ فبلغ الرسالة وأدى الأمة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه
اليقين، صلى الله تعالى وملائكته والصالحون من عباده عليه وعلى آله وأصحابه
وأزواجه وذريته من المؤمنين، وأتباعه وإخوانه وأنصاره ومحبيه وعلينا معهم برحمته
سبحانه وتعالى إنه أرحم الراحمين.
أما
بعد:
فاللهم
لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سبحانك لا علم لنا إلا
ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم إنا نبرأ من حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك
يا رب العالمين.
أولاً:
لا بد لي أن أتوجه بالشكر إلى الإخوة المشايخ والأساتذة الكرام الذين تعبوا
للتحضير لهذا المؤتمر المهم الذي يعالج ظاهرة هدامة ومتفشية في عالمنا الإسلامي
عامة، وفي صف المنتسبين إلى الدعوة والالتزام، ولولا أن هذه الظاهرة ظاهرة متعدية
الضرر والخطر لربما كنا انشغلنا عنهما بما هو أهم، فهناك انحرافات عقدية أو فكرية
كثيرة ولكنها في النهاية تبقى حبيسة صدور
أصحابها، وبين جدران عقولهم وحوافظهم، أما وقد تعدى ضرر هذه الظاهرة بشخوصها
وأذرعها التي تعسكرت في بعض البلدان -كما حصل عندنا في ليبيا- وتعدى ضررها إلى
إفساد عقائد الشباب المسلم ومناهجهم وأفكارهم وسلوكهم، فالشكر كل الشكر بعد الله
تعالى للإخوة الذين أعدوا لهذا المؤتمر، وتعبوا من أجل التحضير له.
كُلفت
بالحديث عن جانب من الانحراف عند طائفة غلاة التبديع أو من يُسمون بالمداخلة أو
الجامية أو من شابههم، والحقيقة أنهم درجات، فهناك جامية مداخلة مائة بالمائة،
وهناك من هو دون ذلك.
أما عن الانحرافات العقدية، فإن الفصل بينها وبين الانحرافات المنهجية بل والسلوكية يصعب في كثير من الأحيان؛ لأنه يصعب علينا أن نضع خطاً فاصلاً يفصل بين انحراف عقدي مجرد وبين انحراف فكري أو منهجي مجرد، فالعقائد تنبثق عنها قواعد وسلوكيات وأخلاقيات، ولهذا سنجد شيئاً من التداخل بين الانحرافات العقدية والانحرافات المنهجية.
سأنطلق
من قاعدة عقدية، وهي:
أن
أول انحراف عقدي حصل في هذه الأمة هو انحراف الخوارج، ويقول العلماء الذين تكلموا
في الفرق المنحرفة منذ بداية ظهورها: إن سبب انحراف الخوارج هو ذاته سبب انحراف
المرجئة. في الظاهر يظن كثير من الناس أنه لا تلاقي بين المرجئة والخوارج، وهذا
صحيح في نهايات الأمر، ففي نهاية المطاف ذهب هؤلاء إلى أقصى اليمين وذهب أولئك إلى
أقصى اليسار ولكن المنطلق واحد، وهذا يفيدنا في تحليل هذه الظواهر سواء كانت ظاهرة
داعش وغلاة التكفير، أو ظاهر غلاة التبديع من المداخلة والجامية ومن نحا نحوهم،
وقد ذكر لنا بالأمس الدكتور مشاري مقولة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق رحمه الله:
"إن داعش والجامية وجهان لعملة واحدة". بهذا نستطيع أن نسلط عليهم الضوء
من خلال هذا التحليل التاريخي لبداية ظهور فرقتي الخوارج والمرجئة، فكل منهما اتفق
على أن الإيمان جزء لا يتجزأ، لكن الخوارج قالوا إذا ذهب بعضه ذهب كله، ولهذا
كفروا مرتكب الكبيرة، وأما المرجئة فقالوا إذا تركت الأعمال وارتكبت الموبقات
والكبائر، فالإيمان كما هو لا ينقص، ولهذا يقولون إيمان جبرائيل كإيمان أفسق
الفساق ممن يقول لا إله إلا الله!
أما
في عصرنا الحاضر فأشباه الخوارج من غلاة التكفير، وأشباه المرجئة في بعض
الاعتقادات التي صرح بها بعض المداخلة والجامية هما ينطلقان من عقلية واحدة، ألا
وهي عقلية التعامل مع النص بجمود وظاهرية أفرزت هذه الانحرافات، وهذه القواعد
البدعية، والسلوكيات المنحرفة.
ولهذا نجد أن العلماء علقوا أيضاً إنكار الشفاعة عند المعتزلة والخوارج بناء على هذا الأصل الفاسد: لا يوجد مسلم مِليٌ نقص إيمانه جزئياً ولم يبطل إيمانه كلياً. وهذا النَفَس الخارجي المعتزلي موجود عند غلاة التبديع.
الموازنة
بين الحسنات والسيئات:
هذه
القضية أشار إليها الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم، وهي جرثومة وسوس نخر في جسم
الأمة، وفي جسم الطليعة الأولى والخط الأول لجبهة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
وهم العلماء والمصلحون والدعاة، إذا وقع الإنسان في خطأ - بزعمهم وإلا قد لا يكون
خطأً - هُدمت كل حسناته، ويدعي ربيع المدخلي أن هذا إجماع السلف، وعندما عرض عليه
كلام ابن تيمية تلعثم الرجل وتناقض، وظهر من هذا التناقض والتلعثم أنه وإن كان
يدعي اتباعه لمنهج ابن تيمية رحمة الله عليه إلا أنه في وادٍ ومنهج ابن تيمية في
وادٍ آخر.
إن
الله سبحانه وتعالى هو العدل، ونحن نعلم من أسماء وصفاته أن هناك أسماء وصفات لله
سبحانه وتعالى يُشرع التخلق بها، ويُشرع الاقتداء بالله سبحانه وتعالى فيها، وهذا
يدخل في إحصاء أسماء الله تعالى الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم ووعد عليه
دخول الجنة في قوله: إن
لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة
[متفق عليه]، من هذه الأسماء العدل؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي عن أبي ذر
رضي الله عنه: يا عبادي! إني
حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا
[صحيح مسلم]، فإذا ما جئنا إلى مقتضيات العدل الإلهي، وآثار العدل الإلهي نجد أن
الله تعالى يقيم الموازين القسط ليوم القيامة، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا
تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا
بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ
[الأنبياء:47]، ينصب الله سبحانه وتعالى الموازين فيزن حسنات الإنسان وسيئاته، فمن
رجحت حسناته ولو بواحدة كان من الناجين، ومن رجحت سيئاته ولو بواحدة كان من
الهالكين والعياذ بالله، ومن تساوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف ثم يرحمهم
الله تعالى فيدخلهم الجنة آخر الأمر، كذلك الإنسان مطالب بأن يعدل في تقويمه
للرجال والجماعات والطوائف والأحزاب، وأن يكون منصفاً الإنصاف الذي يقول فيه
الذهبي: "الإنصاف عزيز". هذا الإمام الذي ترجم لكثير من الأئمة والعلماء
وأئمة أعيان العلماء، يقول عن الغزالي: "إمام كبير، وليس من شرط العالم أنه
لا يخطئ".
نظرياً
الجامية أو المداخلة ومن سار على طريقتهم يدَّعون العدل ويقولون به نظرياً، لكن
عندما يحاسبون مخالفيهم لا يُعملون هذه القاعدة، إذا أخطأ رجل أو عالم بتأويل
واجتهاد أو بتقليد يسوغ له لا يرحم من قِبلهم.
من
أمثلة ذلك: أذرع المدخلي الذين يزكيهم في ليبيا يبدعون ويشنون حرباً على سماحة
المفتي؛ لأنه كما يزعمون إخواني، وهو ليس كذلك، قالوا أيضاً مبررين: أنه يفتي
بإخراج زكاة الفطر نقداً. انظروا إلى ضيق الأفق، وإلى ضحالة المستوى الذي يصلون
إليه؟!
ومن
الأمثلة: مدخلي يقسم بالله أيماناً أن سيد قطب جمع كل أصول البدع وكررها - يعني
ليست كلمة صدرت سهواً – ويقول: إنني قارنت بين الزمخشري المعتزلي الغالي وبين سيد
قطب فوجدت أن سيد قطب أسوأ بكثير!
ومن فساد رأيهم في الموازنة بين الحسنات والسيئات أنهم لا يؤخذون العلم عمن خالفهم في مسألة من المسائل، وينزلون عليه قول ابن سيرين: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"( ).
ومن
الأمثلة: أنهم يحاسبون سيد قطب على كلام له سابق مرجوع عنه - كما ذكر الشيخ الددو
بالأمس - والأئمة ما زالوا يرجعون عن أقوالهم في مسائل، فهناك القول المرجوع عنه
لمالك، والقديم للشافعي، والروايات المتعددة في المسائل لأحمد وغيرهم من الأئمة.
ألم
يكن ربيع المدخلي إخوانياً؟
ألم
يمدح سيد قطب قديماً؟
ماذا
لو حاسبناه على معياره ومقياسه بكلامه القديم كما يفعل هو مع سيد قطب في كلامه في
العدالة الاجتماعية؟!
إن العدل
والإنصاف الذي أمرنا به، ونقيضه الظلم الذي حُرم علينا يقتضي أن ننظر إلى من غلبت
حسناته سيئاته كان من الممدوحين، والتنبيه على الخطأ بدون إهدار مكانة العالم
والرجل والمجتهد لا سيما من كان له قدم صدق في الدعوة وفي الجهاد وفي الإصلاح ..
هذا كله يراعى، وتنظر قصة حاطب وغيره وكلام أهل العلم في ذلك.
ومن
الأمثلة: هناك كتاب للمدخلي اسمه "عون الباري" يجيب فيه على سؤال: هل
يجتمع في الرجل المبتدع حب وبغض؟! قال: "إذا تأملنا كلام السلف واستقرأنا
عموم كتب السنة فلا نجد هذا التوزيع، توزيع القلب في قضية أهل البدع إلى حب من جهة
وبغض من جهة لا نجد ذلك، ولا نجد من السلف إلا الحث على بغضهم وهجرانهم".
يعني: براء كامل مع أن هذا المبتدع ليس كافراً بل هو مسلم يقول لا إله إلا الله
محمد رسول الله، ويصلي إلى قبلتنا ويأكل ذبيحتنا، وفي الحديث الذي ذكره الذهبي في
نفس هذا السياق: لا يحافظ على
الوضوء إلا مؤمن( )، ثم يقول المدخلي.
"بل حكى عدد من الأئمة الإجماع على بغضهم وهجرهم ومقاطعتهم، هذا الإجماع من
الصحابة ومن بعدهم". هذا خلل في مفهوم الولاء والبراء، وفيه مشابهة لأهل
البدع، ولما قيل له إن ابن تيمية يقول الرجل يجتمع فيه حب وبغض، قال: هذا في
الفاسق أما المبتدع فلا، المبتدع يجب أن تبغضه فقط، ونص كلام شيخ الإسلام يرد
عليه، يقول في مجموع الفتاوى [ج28]: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر
وفجور وطاعة معصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير،
واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات
الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من
بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة
والجماعة".
وأنا
هنا أقول: أيها الشاب السني اختر الآن بين ابن تيمية الذي يحكي لنا إجماعاً، وبين
ربيع المدخلي الذي يحكي لنا إجماعاً مناقضاً تماماً .. اختر لنفسك أي المنهجين
تراه الحق، وأي الطريقين تريد أن تسير فيه!
نريد أن نفك هذا الارتباط المدعى بين المدخلي وأتباعه وبين ابن تيمية ومنهجه، كثير من الناس يظن أن ربيع المدخلي على خطى ابن تيمية، ويحاكم ابن تيمية على أخطاء المداخلة اليوم، باعتبار أن هؤلاء مريدون مخلصون ومتبعون على وجه الدقة لمنهج ابن تيمية، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق.
نحن
أمام انحراف منهجي لكن أصوله عقدية؛ لأن فيه مشابهة للخوارج والمعتزلة!
ثم يقول شيخ الإسلام: "وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، بل لم يجعلوا الناس إلا مستحقاً للثواب فقط وإلا مستحقاً للعقاب فقط، وأهل السنة يقولون إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجه منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته".
مسألة:
تجزؤ الإيمان:
مسألة
التبعض في الإيمان وأنه يزيد وينقص هي عقيدة يتفق عليها عامة أهل السنة - نظرياً -
وإن كان بعضهم يعبر بقوله يقوى ويضعف، حتى اليقين يتفاضل في القلوب كما يقول
الإمام أحمد.
هذا المبدأ "التجزؤ" يجده الباحث والناظر سارياً في معظم أبواب الشريعة، نجده في أصول الفقه عند الكلام على المجتهد ومرتبة الاجتهاد حين تكلم الأصوليون عن تجزؤ الاجتهاد، وأنه يمكن أن يكون في باب دون باب، وأن الاجتهاد يقبل التجزئة والانقسام كما يقول ابن القيم وغيره. نجده أيضاً في باب التمكين، هل التمكين كامل مطلق أو لا تمكين، وهذا مفيد في السياسات الشرعية وفي سياسة الواقع المعاصر، بعض الناس من حماسه وغيرته وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يريد خلافة راشدة على منهاج النبوة اليوم ولا يقبل بأي وضع دون ذلك، بينما التمكين ربما يكون جزئياً، فيوسف عليه السلام تولى وزارة في حكومة كافرة، وأصلح ما أمكن له إصلاحه، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، وكلام العلماء في الاستنباط من هذه الآية فيه تفصيلات تطول ليس هنا موضعه.
التجزؤ أيضاً في التجديد، فالرسول صلى الله عليه وسلم وعده هذه الأمة كما في الحديث: إن الله يبعث على رأٍس كل مائة سنة من يجدد لها دينها( )، والمجدد قد يكون في باب أو دون آخر، فعمر بن عبد العزيز المجدد الأول كان على رأس المائة الأولى، وكان مجدداً في السياسة وعالماً وإماماً، وله فتاوى ومباحثات مع العلماء، ومجدد في الحرب على الخوارج، والإمام الشافعي رحمه الله اعتبر المجدد الثاني بعد عمر بن عبد العزيز، ولكن تجديده لا يشمل كل الأبواب والمجالات التي جدد فيها عمر بن عبد العزيز، ولهذا لما سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن حسن البنا رحمه الله، ومن يقول عنه إنه مجدد، قال: "هو مجدد فيما أصاب فيه". هذا هو الفهم الذي أريد أن أذكره وأطرحه وأبسطه لمن يتابعنا اليوم، مفهوم التجزؤ مهم جداً لأنه غيابه أصل من أصول الغلو، من وقع في بدعة يهجر، بينما منهج العلماء في القديم والذي ساروا على منهج الأسلاف لم يكن كذلك، ابن تيمية يقول: "لما انتشر القدر في البصرة وانتشر التجهم في خراسان رأى العلماء أنهم لو لم يأخذوا عن هؤلاء المبتدعة القائلين بالقدر ومن فيه شيء من التجهم لاندرس كثير من العلم والسنن والآثار". انظروا للإنصاف! لم يكن هؤلاء العلماء يتعاملون بالأمزجة، إن بدعني فلان أو انتقدني أو حاربني أو فضل الأتباع علي فأنا أبدعه!
كذلك فإن جمهور المحدثين على قبول الرواية عن المبتدع بشروط، ليس لمجرد أنه مبتدع لا نأخذ منه شيئاً -على فرض تحقق البدعة فيه- ولهذا أبان بن تغلب أول رجل ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال قال عنه ما حاصله: "صدوق مبتدع لنا صدقه وعليه بدعته". كأنه اقتبسها من أثر الحسن البصري الذي علقه البخاري في صحيحه في باب إمامة المفتون والمبتدع: "صلِّ وعليه بدعته".
وأعظم
من هذا وأوضح موقف عثمان ذي النورين المبشر بالجنة رضي الله عنه عندما حصره
المتمردون يريدون قتله، دخل عليه رجل وقال له: (إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ،
وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى ، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ ؟!
[يعني: نخشى من الحرج، وهو الإثم في الصلاة معه. كأنه يريد أن يقول أنا لا أصلي
خلفه]. ماذا كان قول الرباني أمير المؤمنين ذي النورين رضي الله عنه؟ لم يقل له
نعم هذا عدو الله. لا. لأن لديه ميزان وليس الأمر مزاجياً بل قال له: الصَّلاةُ
أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ،
وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) ( ).
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ظَاهِره أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ فِي الصَّلاة مَعَهُمْ،
كَأَنَّهُ يَقُول: لا يَضُرُّك كَوْنُهُ مَفْتُونًا، بَلْ إِذَا أَحْسَنَ
فَوَافِقْهُ عَلَى إِحْسَانه وَاتْرُكْ ما افْتُتِن به، وَهُوَ الْمُطَابِق
لِسِيَاقِ الْبَاب".
فإذا اقتنعت بأن الشخص مبتدع في مسألة خذ عنه العلم الآخر، ما الذي يمنعك من ذلك؟!( )
مشابهتهم
المرجئة والخوارج:
أما
أنهم شابهوا المرجئة والخوارج فهذا صحيح، وقاله الدكتور عبد الرزاق الشايجي أنهم
خوارج مع العلماء ومرجئة مع الحكام، فسائر التأويلات والتبريرات للحكام الظلمة
والفجرة، بل بعضهم مرق من الإسلام بحربه للدين، وموالاته لأعداء الله، وتصريحه بما
يضادُ المعلوم من الدين بالضرورة، القذافي عندنا لما اختلفت معه بعض الحكومات
الخليجية كفروه، وجمعوا توقيعات العلماء في تكفيره، وبعض أتباع مشايخ هؤلاء نهوا
عن الخروج عنه واعتبروه ولي أمر، ومن يخرج عليه فهو خارجي مبتدع، وينزلون عليه كل
أحكام الخوارج من وجوب قتله، والترغيب في قتله، وطوبي لمن قتلهم وقتلوه( ).
الجانب
الآخر المظلم في مشابهة الخوارج هو في الألفاظ التي يطلقها رؤوس هؤلاء، عندما يقول
ربيع المدخلي أنا لم أكفر سيد قطب، ولكن أتمنى أن يكفره العلماء! ونحن نسأله: أنت
تدعي أن سيد قطب يقول بوحدة الوجود، فهل أنت لا تكفر من يقول بوحدة الوجود؟ إن قلت
لا أكفر من يقول بوحدة الوجود فقد وقعت في الإرجاء، وإن قلت هم كفار. فمعناه أنك
ملزم بهذا الكلام، علماً بأن ربيع المدخلي ربما يكفر من يقول بما دون ذلك بكثير.
في ليبيا أتباع المدخلي يعتبرونه مرجعاً كمرجع الشيعة، لما سئل هل ربيع معصوم؟ قال إنه معصوم في المنهج، وبعضهم يتهرب من كلمة معصوم ويقول هو مسدد. هؤلاء هم أتباعه ومريدوه الذين يزكيهم وينصبهم في العراق وليبيا، كما قال هو بنفسه: أنا أمّرت فلاناً في العراق، ولما تبين لي أنه على تواصل مع علي حسن عبد الحميد أزلته ونصبت رجلاً آخر.
التسلسل
المدخلي في إخراج الناس إلى الكفر والبدعة:
أتباع
المدخلي في ليبيا لهم يستخدمون مقدمات تؤدي إلى النتيجة الأخيرة، ولا تحتاج إلا
إلى ربطة صغيرة من المتلقي، فهم يقولون الإخوان كفار، ثم يلبسون لبوس الإخوان لكل
مخاصم لهم، ثم يرددون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن قتلهم وقتلوه،
قال أشرف الميار أحد الرؤوس في ليبيا: الخوارج كفار( ).
هذه
الإطلاقات وهذا التشدد والغلو هو الذي أنتج لنا ما أشار إليه الدكتور محمد عبد
الكريم من مقتل الشيخ الدكتور نادر العمراني رحمة الله عليه على أيدي هؤلاء الغلاة
في ليبيا.
بعضهم قال لي مرة: يبدوا أن المداخلة في ليبيا يختلفون عن المداخلة في البلد الفلاني، قلت له: لا يختلفون؛ فالعقلية والمنطلقات والأفكار والأصول هم فيها شيء واحد، لكن في ليبيا توفرت لهم الظروف فقط، ففي الجزائر في التسعينات توفرت لهم الظروف، فيما كان يعرف بالجماعة الإسلامية المسلحة وجذورها هي نفس جذور هؤلاء، والنواة التي كانوا يسمونها جماعة الأمر بالمعروف نفس منطلقات ربيع المدخلي وجماعته أدى بهم ذلك إلى سفك الدماء، واستحلال دم المخالف، وقتل الشيخ محمد السعيد رحمه الله والمآسي التي تعرفونها.
الضرر
المتعدي للمداخلة والجامية على المسلمين:
هل
هذه الظاهرة متعدية الضرر أم لا؟
لربيع
المدخلي عبارة ممتلئة بالسم والحقد والتحريض على دماء المخالفين باعتبارهم أهل
بدعة بدون تفصيل، يقول: "إنه مهما تشدد السلفيون في مواجهة الباطل والبدعة لا
يبلغون عُشر معشار ما كان عليه السلف من الشدة على أهل البدع". بعض المغردين
ينقلون هذه العبارة إلى هنا ولا يكملونها كأنهم يستعظمون بقيتها، وبقيتها بالنص
يقول عن السلف في موفقهم من المبتدعة: "لدرجة أنهم يأمرون بقلتهم ويطاردونهم
ويهجرونهم، ويضربونهم ويذلونهم، نحن السلفيون ما عندنا شيء مساكين". بمثل هذا
التحريض وهذه العبارات قُتل أناس أفاضل وأخيار وعلماء من أمثال الشيخ نادر رحمه
الله تعالى.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يهدي ضلال هذه الأمة إلى الصواب، وأن يجمع كلمة أهلها على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الندوة
الثانية / الانحرافات
المحور
الثالث
الانحرافات
الأخلاقية والسلوكية لغلاة التبديع وأسبابها
الدكتور/
حميد عالي
أستاذ في كلية علوم الإسلامية بجامعة المدينة العالمية سابقا
بسم
الله الرحمن الرحيم
إِنَّ
الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ
بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ
يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ،
وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وحده لا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
الحمد
لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأرسله شاهداً ومبشراً
ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، والحمد لله الذي أرسله كافة للناس
بشيراً ونذيراً وما أرسله إلا رحمة للعالمين والصلاة والسلام الدائمين المتلازمين
عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ
حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ،
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وآلِ إِبْرَاهِيمَ
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وصَلِّ اللهمَّ عَلَى على رسولك المتخلق بخلُق القرآن بل
كان خلقه القرآن نبي الرحمة بل رحمة مُهداة إلى الناس جميعا وعلى أصحابه الأخيار
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأهل بيعة شجرة الرضوان وعلى كلِّ من آمن
به وأَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وبعده والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين
آمين.
أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث وخير الكلام كلام الله الملك المنان، وخير الهَدي وأحسن الهُدى هَديُ وهُدى محمد صلى الله عليه وسلّم، وشرَّ الأمور محدثاتها فإنَّ كلَّ محدثة في الدين مخالفة للكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح بدعة وكلُّ بدعة ضلالة وكلُّ ضلالة في النار.
تعريف
الخلق في اللغة:
قال
الراغب: "والخَلْقُ والخُلْقُ في الأصل واحد، كالشَّرب والشُّرب، والصَّرم
والصُّرم، لكن خصّ الخلق بالهيئات والأشكال والصّور المدركَة بالبصر، وخصّ الخُلْق
بالقوى والسّجايا المدركة بالبصيرة] قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم/ 4]، وقرئ: ﴿إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾"( ).
تعريف الخلق لغة: قال ابن الأثير: "الخُلُق- بضم اللام (أو الخُلْق ب) سكونها: الدين والطبع والسجية"( ).
تعريف
الخلق في الاصطلاح:
قال
الإمام الغزالي رحمه الله: "فنقول الخُلُق والخَلْق عبارتان مستعملتان معا
يقال فلان حسن الخلق والخلق أي حسن الباطن والظاهر فيراد بالخَلْق الصورة الظاهرة
ويراد بالخُلُق الصورة الباطنة ...
شرح
الغزالي التعريف "فالخُلُق عبارة عن هيئة في النفس راسخةٍ عنها تصدر الأفعال
بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال
الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خُلقاً حسناً وإن كان الصادر عنها
الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خُلقاً سيئاً وإنما قلنا إنها هيئة
راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما
لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير
روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء
والحلم"( ).
وقال
ابن الأثير: "وحقيقته: أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها
المختصة بها بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة
وقبيحة، والثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان
بأوصاف الصورة الظاهرة"( ).
(السلوك)
سيرة الْإِنْسَان ومذهبه واتجاهه يُقَال فلَان حسن السلوك أَو سيء السلوك و (فِي
علم النَّفس) الاستجابة الْكُلية الَّتِي يبديها كَائِن حَيّ إزاء أَي موقف
يواجهه"( ).
رِفْقُهُ
وَرَحْمَتُهُ صلى الله عليه وسلم بالعالمين عموما وبالمؤمنين خصوصاً.
قَالَ
تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
قال
ابن جرير: "وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدّبه الله به،
وهو الإسلام وشرائعه"( ).
قال
ابن كثير: "﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 136] -بضم الخاء
واللام -يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد.
ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا
معاد؛ ولهذا قالوا: {وما نحن بمعذبين} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إن هذا
إلا خلق الأولين} يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير"( ).
﴿وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة ن: 4].
قال
ابن كثير: "ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثال القرآن، أمرا ونهيا، سجية
له، وخلقا طبعه، وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه.
هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح
والحلم، وكل خلق جميل"( ).
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 6].
خُلُقُهُ
صلى الله عليه وسلم:
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: (انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ - رضي الله عنها -...(فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: " فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ "( ). (أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]( ).
بيان
رحمته صلى الله عليه وسلم في سيرته للكافرين والجاهلين:
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو
الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا) (قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا)
(" فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ
يَدَيْهِ ") (فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ) (فَقِيلَ:
هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ")(
) .
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ عَلَى
الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: " إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا
بُعِثْتُ رَحْمَةً "( ).
وَعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ "( ).
عَنْ
أَنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ "، وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ)
(فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي
وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا) (" فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم وَقَالَ: لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا( ) (- يُرِيدُ رَحْمَةَ
اللهِ -) (فَمَا لَبِثَ أَنْ) (قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَبَالَ
فِيهَا فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "
لَا تُزْرِمُوهُ( ) دَعُوهُ "، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ " ثُمَّ إِنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ) (فَلَمْ يُؤَنِّبْ، وَلَمْ يَسُبَّ)
(وَلَمْ يَضْرِبْ) (فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ
مِنَ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ،
وَذِكْرِ اللهِ، وَالصَلَاةِ) (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ
مِنَ الْقَوْمِ: قُمْ فَائْتِنَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشُنَّهُ عَلَيْهِ
(فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ( ) وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ( )
") (فَأَتَاهُ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ) (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ)( ).
وَعَنْ
مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا
أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ
الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ
فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا
يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ
يُصَمِّتُونَنِي سَكَتُّ " فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ
أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ وَاللهِ مَا كَهَرَنِي( ) وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا
شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ وفي رواية:
(لَا يَحِلُّ فِيهَا شَيْءٌ) مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ
وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ "( ).
وهذه
الأدلة من الكتاب والسنة كلها دليل واضح على خُلُقه صلى الله عليه وسلم الكريمة مع
الناس كلِّهم مسلمهم، وكافرهم، وجاهلهم، فأحرى بمن يدَّعي اتباع الكتاب والسنة أن
يكون رحيماً وشفيقاً، مع عامَّة الناس بل مع العلماء، والفضلاء، والجماعات
الإسلامية العاملة لدعوة الناس إلى الخير، والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر
فكيف يسوِّغ لنفسه أن يتكلَّم عنهم ويتبع، بل يتصيَّد العثرات، والزلات، ويفضحهم
أمام عامة الناس ألا يخاف الله أن يفضحه في عقر داره دفاعاً عن أعراض المسلمين؟
فأعمالهم
يؤدي إلى الفرقة، والنزاع، والشقاق، قال الغزالي رحمه الله: "اعلم أن الألفة
ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق يوجب التحابب، والتوافق،
وسوء الخلق يثمر التباغض، والتدابر، ولا يخفى ما في حسن الخلق من الفضل، والأحاديث
دالة على ذلك"( ).
عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ»( ).
وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: " لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ
خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا "( ).
عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ
خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ، وَلاَ بِالقَصِيرِ»( ).
عَنْ
أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ
النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ:
أَحْسِبُهُ - فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا
فَعَلَ النُّغَيْرُ»( ).
عَنْ
أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا،
وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»( ).
قال الإمام الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ...
وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ.
عَنْ
أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ
وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِئُكُمْ أَخْلاقًا، الثَّرْثَارُونَ
الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ».
وَفِي
بعض الرِّوَايَات: «أحاسنكم أَخْلَاقًا، الموطئون أَكْنَافهم الّذين يألَفون
ويؤلفون»( ). الثرثار: المكثار فِي الْكَلَام، وَأَرَادَ بِهِ الّذين يكثرون
الْكَلَام تكلفا.
والمتفيهق:
الَّذِي يتوسع فِي كَلَامه، ويفهق بِهِ فَمه، أَي: يَفْتَحهُ، مَأْخُوذ مِن الفهق،
وَهُوَ الامتلاء، يقَالَ: أفهقت الْإِنَاء ففهق، وبئر مفهاق كَثِيرَة المَاء.
الْمُتَشَدِّقُونَ:
الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ اِحْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ.
وَقِيلَ:
أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئِ بِالنَّاسِ يَلْوِي شِدْقَهُ بِهِمْ
وَعَلَيْهِمْ وَالشِّدْقُ: جَانِبُ الْفَمِ. تحفة الأحوذي – [ج 5 / ص 272].
قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ
فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»( ).
(يحكي نبيا) يشبهه ويصفه بحاله وقيل المراد نبي
من بني إسرائيل وقيل نوح عليه السلام وقيل النبي نفسه صلى الله عليه وسلم.
(فأدموه) أسالوا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ
الحَاشِيَةِ»، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً
شَدِيدَةً، حَتَّى «نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ
جَبْذَتِهِ»، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي
عِنْدَكَ، «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»( ).
وَخَرّجَهُ
فِي: باب الضحك والتبسم (6088).
عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: لَمَّا
كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا
فِي الْقِسْمَةِ. ( كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ). (فَأَعْطَى الأَقْرَعَ مِائَةً
مِنْ الإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ
مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ
أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ فقَالَ رَجُلٌ) (مِنْ الأَنْصَارِ) (: وَالله
إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا).(وَالله مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ
بِهَذَا وَجْهَ الله) (فَقُلْتُ: وَالله لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْت)ُ (وَهُوَ فِي مَلاَ من أصحابه فَسَارَرْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ
أَخْبَرْتُهُ). (فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ الله
وَرَسُولُهُ رَحِمَ الله مُوسَى قَدْ
أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»( ).
وَخَرّجَهُ
فِي: باب ذكر موسى فِي كِتَابِ الأنبياء (3405) وفِي بَابِ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ
بِمَا يُقَالَ فِيهِ (6059) وفِي بَابِ الصَّبْر عَلَى الأَذَى وَقَوله تَعَالى
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (6100) وفِي بَابِ
إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَلاَ بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ
وَالْمُنَاجَاةِ (6291) وفي حَدِيثِ مُوسَى والْخَضِرِ (3405) وفِي بَابِ قَوْلِ
الله عَزَّ وَجَلَّ {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} وَمَنْ خَصَّ أَخَاهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ
نَفْسِهِ (6336).
عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا، ثُمَّ
قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا
كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104] فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ
يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ،
فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى
أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ،
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، قَالَ: مُحَمَّدُ
بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ قَبِيصَةَ،
قَالَ: " هُمُ المُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي
بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"( ).
فالنَّبي
كان رفيقا رحيما بأمته حتى بالمرتدين من امته كماكان الأنبياء من قبله قال رسول
الله: "فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ
أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا يدعو عليهم بالعذاب والغضب بل يكلهم إلى الله
تعالى، والحديث الآخر الذي يرويه إمام مسلم تحت باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم
لأمته، وبكائه شفقة عليهم كما أنَّ إبراهيم عليه السلام يدعوا ﴿رَبِّ اجْعَلْ
هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾
[إبراهيم/35] ويقول إنَّ الأصنام تسببوا في إضلال كثير من الناس ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ
عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم/36] فمن تبعني وأطاعني فإنَّه مني
ومن عصاني فأنت الغفور الرحيم فلا يدعو عليهم بالعذاب والغضب بل يكلهم إلى غفرانه
ورحمته هذا هو خلق الأنبياء مع أقوامهم الكفار فالنَّبي صلى الله عليه وسلَّم يشير
إلى أنّه عل عيسى وإبراهيم قدوة له في تعامله مع المرتدين والكافرين من أمته فلا
يدعو عليهم بالعذاب والغضب بل يشفق عليهم، ويرحم بهم، ونص الحديث كما سيأتي:
وَعَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: " تَلَا رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم قَوْلَ اللهِ - عز وجل - فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ
عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم/36] وَقَوَلَ عِيسَى عليه السلام:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/118] فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللهُ
- عز وجل -: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ -
فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَسَأَلَهُ
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ - وَهُوَ أَعْلَمُ -
فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إِنَّا
سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ"( ).
قال
الإمام النووي رحمه الله: "هَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْفَوَائِد
مِنْهَا: بَيَان كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمَّته
وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِهِمْ، وَاهْتِمَامه بِأَمْرِهِمْ. وَمِنْهَا:
اِسْتِحْبَاب رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء.
وَمِنْهَا:
الْبِشَارَة الْعَظِيمَة لِهَذِهِ الْأُمَّة - زَادَهَا الله تَعَالَى شَرَفًا -
بِمَا وَعَدَهَا الله تَعَالَى بِقَوْلِهِ: " سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا
نَسُوءك " وَهَذَا مِنْ أَرْجَى الْأَحَادِيث لِهَذِهِ الْأُمَّة أَوْ
أَرْجَاهَا.
وَمِنْهَا:
بَيَان عِظَم مَنْزِلَة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عِنْد الله تَعَالَى
وَعَظِيم لُطْفه سُبْحَانه بِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْحِكْمَة فِي إِرْسَال
جِبْرِيل لِسُؤَالِهِ صلى الله عليه وسلم إِظْهَار شَرَف النَّبِيّ صلى الله عليه
وسلم وَأَنَّهُ بِالْمَحِلِّ الْأَعْلَى فَيُسْتَرْضَى وَيُكْرَم بِمَا يُرْضِيه
وَالله أَعْلَم.
وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِ الله - عز وجل -: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى﴾ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: (وَلَا نَسُوءك)، فَقَالَ صَاحِب (التَّحْرِير): هُوَ تَأكِيد لِلْمَعْنَى أَيْ: لَا نُحْزِنك؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاء قَدْ يَحْصُل فِي حَقّ الْبَعْض بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَيَدْخُل الْبَاقِي النَّار فَقَالَ تَعَالَى: نُرْضِيك وَلَا نُدْخِل عَلَيْك حُزْنًا بَلْ نُنَجِّي الْجَمِيع. وَالله أَعْلَم"( ).
ومن
خلقه صلى الله عليه وسلَّم تركه الأفضل خشية الفتنة.
عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
الْجِدارِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ
يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ
النَّفَقَةُ» قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكَ
قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ
بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ
تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ
بَابَهُ بِالأَرْضِ» «لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا
أَخْرَجَتْ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا
شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» فَذَلِكَ
الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ «فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ
بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ» فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
قَالَ يَزِيدُ (ابن رومان.): وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ
وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ
حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ
مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى
مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا قَالَ: جَرِيرٌ فَحَزَرْتُ مِنْ الْحِجْرِ سِتَّةَ
أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا"( ).
وفي رواية لمسلم: فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، ويُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيرِ فِي شَيءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ( ).
ومن
أسباب الانحراف الأخلاقي والسلوكي الاشتغال بالغير ونسيان النفس:
قَالَ
تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ
رَحِيمٌ﴾ [الحجرات/12].
وَعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
" يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ
فِي عَيْنِهِ؟ "( ).
وَعَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: عَجِبْتُ مِنَ الرَّجُلِ يَفِرُّ
مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ مُوَاقِعُهُ، وَيَرَى الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَدَعُ
الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ، وَيُخْرِجُ الضَّغْنَ مِنْ نَفْسِ أَخِيهِ وَيَدَعُ
الضَّغْنَ فِي نَفْسِهِ، وَمَا وَضَعْتُ سِرِّي عِنْدَ أَحَدٍ فَلُمْتُهُ عَلَى
إِفْشَائِهِ، وَكَيْفَ أَلُومُهُ وَقَدْ ضِقْتُ بِهِ ذَرْعًا؟( ).
وَعَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم: " أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ
يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ "( ).
عَنْ
أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ يَخْدُمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْأَسْفَارِ،
وَكَانَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَجُلٌ يَخْدُمُهُمَا، فَنَامَ،
وَاسْتَيْقَظَا وَلَمْ يُهَيِّئْ طَعَامًا، فَقَالَا: إِنَّ هَذَا لَنَئُومٌ
بَيْنَكُمْ. فَأَيْقَظَاهُ فَقَالَا: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يُقْرِآنِكَ
السَّلَامَ، وَهُمَا يَسْتَأْدِمَانِكَ. فَأَتَاهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْبِرْهُمَا أَنَّهُمَا قَدِ ائْتَدَمَا» . فَفَزِعَا،
فَجَاءَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْنَا نَسْتَأْدِمُكَ، فَقُلْتَ: ائْتَدَمَا، فَبِأَيِّ
شَيْءٍ ائْتَدَمْنَا؟ فَقَالَ: «بِأَكْلِكُمَا لَحْمَ أَخِيكُمَا، إِنِّي لَأَرَى
لَحْمَهُ بَيْنَ ثَنَايَاكُمْ» . فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاسْتَغْفِرْ
لَنَا. قَالَ: «هُوَ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمَا»( ).
قال
المتوكل بن عبد الله بن نهشل الليثي: من شعراء (الحماسة) اختار أبو تمام قطعة من
شعره.
يا
أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ
/// هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ
الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا
/// كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ
سَقيمُ
وَنراكَ
تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا /// أَبَداً وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ
بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها /// فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ
يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي /// بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ /// عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ
ومن
أسباب الانحراف الأخلاقي والسلوكي الاقتراب من السلاطين وإرضائهم، وعدم الاحتراز
من مخالطتهم.
وَقَالَ
حُذَيْفَةُ: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على
الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه.
وَقَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ: إِن عَلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ فتنا كَمَبَارِكِ الإِبِلِ،
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُصِيبُونَ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلا
أَصَابُوا مِنْ دِينِكُمْ مِثْلَيْهِ"( ).
وقال
سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا منه فإنه لص(
).
ومن
أسباب الانحراف الأخلاقي والسلوكي التسرع في الفتوى
وكان
في الفقهاء من يقول لا أدري أكثر مما يقول أدري منهم سفيان الثوري ومالك بن أنس
وأحمد بن حنبل والفضيل ابن عياض وبشر بن الحرث.
وقال
عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا وَدَّ أن أخاه
كفاه ذلك. ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم، يقدمون على الجواب
في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه لجمع أهل بدر. واستشارهم"( ).
من
أسباب الانحراف عدم بحثهم فى علم الأعمال عما يفسدها ويكدر القلوب ويهيج الوساوس،
فإن صور الأعمال قريبة سهلة، وإنما التعب فى تصفيتها.
وأصل
الدين: التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يعرف.
ومن صفاتهم: البحث عن أسرار الأعمال الشرعية، والملاحظة لحكمها. فان عجز عن الاطلاع على العلة كفاه التسليم للشرع.
ومن
أسباب الانحراف عدم اتباع الصحابة وخيار التابعين:
قال
ابن الجوزي: "قال السلمي: وقال حمدون: من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه
عن درجات الرجال؛ وقال: لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستوراً منك؛ وقال: من
استطاع منكم أن لا يعمى عن نقصان نفسه فليفعل"( ).
قال
ابن تيمية: "وأهل العلم والإيمان؛ فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق
الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو
ظلمهم ... ويرحمون الخلق، فيريدون لهم الخير والهدى والعلم"( ).
قال
ابن الجوزي: " عبد الرحمن بن عمر قال: انتهى إلينا يوماً رجل من هؤلاء
الخبثاء القدرية فقال له: يا أبا عبد الرحمن بلغني أنك رجل زنديق. فقال له زهير:
أما زنديق فلا، ولكني رجل سوء.
عبد
الله بن عبد الغفار الكرماني قال: سمعت زهير بن نعيم البابي يقول: لوددت أن جسدي
قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاع الله"( ).
نكتفي بهذا القدر والله المستعان
اليوم
الثالث
الندوة
الثالثة / الآثار السلبية والتصدي لها
المحور
الأول
العلاقة
بين غلاة التبديع والإلحاد
الدكتور/
محمد العوضي
داعية ومفكر إسلامي - مدير مركز "رواسخ للدراسات والنشر"
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأكرمين، وبعد:
مقدمة:
أولاً:
ربما يطلب منك المضيف التحدث في أمر فرعي، وهو يحضر لديه استيعاب لفرعية أخرى يُحب
أن يجعل فيها إضاءة، أو ربما يكون فيها شيء من الإضافة، أو فتح باب لبحث هذا الحقل
المعرفي في تلك المشكلة العويصة التي نعيشها والتي أصبحت مزعجة جداً في حياتنا
المسلمة، وانعكست علينا ضعفاً وتشريداً وتشرذماً.
الموضوع الذي اخترتموه بالجملة مهم وحيوي ومستَحق وفي سلم الأولويات لما يعيشه المسلمون من هذه المرحلة التاريخية غير المسبوقة في ما يحصل لواقع أمة الإسلام.
ثانياً:
الموضوع أن أريد أن أتكلم به هو تميم كلبنة في البناء الذي سبقنا به الإخوة
الأفاضل الذين تكلموا، أريد أن أتكلم عن العلاقة بين الطغاة الذين استباحوا العرض
والدم، وقبل ذلك استباحوا الشرع، وأيضاً من سماتهم أنهم لا يمتلكون الطغيان الذاتي
إنما هم صناعة غربية وامتداد ولائي لذلك المستعمر الذي وضع أذرعه وذيوله في وطننا
العربي منذ عقد مضى، وتتنوع الوجوه، وتكون المراهنات والموازنات، والتنقل أيضاً في
الولاء من كافر لكافر ومن مستعمر إلى مستعمر، مع خصوصيات كل واحد.
هذا
التحالف والتخادم بين الطغيان السياسي والجبروت الدكتاتوري مع غلاة التبديع – في
التاريخ الإسلامي حتى اليوم لدينا غلاة لا يدخلون في هذه الدائرة - لكن أن يتحالف
غلاة التبديع مع الطغيان الذي يستبيح العرض والأرض والدم، وينكل بالشعب المسلم،
ويطبق عليهم أجندة غربية. هذا شيء مهول!
بناء
على ذلك ستكون كلمتي الموجزة.
القواسم
المشتركة بين الإلحاد وغلاة التبديع:
سأدخل
لهذا الموضوع من مدخل ربما يكون مفاجئاً للبعض، وهو ما تخصصت به ألا وهو الإلحاد!
لا
حظ كيف سأربط بين الإلحاد وهذه النزعة في الغلو المرتبطة بالطغيان.
وما
علاقة الإلحاد بغلو ديني يرفع رايات الكتاب والسنة والاتباع؟
العلاقة
كالتالي: ملف الإلحاد الشائك أحد عناصره في إثارة الشبهات في الدين هو شبهة واقع
المسلمين.
يقول
لك: أنت تريد أن تروج بضاعة هي كاسدة عندك، فأنتم المسلمون متخلفون في ذيل الحضارة
الإنسانية: عسكرياً منهزمون، تكنولوجياً مستوردون، حتى في التنظيم الإداري
وعبقريته تأخذون برامج الغير، في دوراتكم التدريبية والتطويرية كذلك .. أنتم كتلة
من المسخ الذي يحتضن بعض تراثه ويضع عليه من الغرب ما يستورده، كيف تدعوني إلى
الإسلام وتقول إن دينك حق؟
هنا
تتجلى هذه الآية العظيمة: رَبَّنَا
لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[الممتحنة:5]، لاحظ قوله: لِلَّذِينَ
كَفَرُوا، واقرأ كلام إغاثة
اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم في كلامه على هذه الآية وهو موافق لكلام
المفسرين في : أن واقع المسلمين وهزيمتهم تنعكس على المتلقي الآخر والخصم؛ فلو كان
الله معهم لم يهزموا، ولو كانوا على الحق لم يخذلوا .. واقعهم يشهد عليهم، كيف
تناقش الملحد في هذا؟
نناقشه
بأن الواقع ليس حكماً، ولا مصدراً من مصادر التشريع، الواقع محط تشخيص يُنزل عليه
الفقيه المجتهد أحكام الشريعة في النوازل والطوارئ.
فالواقع
السيء للمسلمين أحد محطات أو منازع التشكيك في الدين وزهد الناس فيه.
أخي
الكريم! هؤلاء الغلاة صاروا فتنة للذين آمنوا، فتنة للدعاة، فتنة للعوام، فتنة
للمصلين، فتنة لشريحة تحتفظ باحترام عظيم للدين والتدين.
شرائح
المسلمين اليوم:
1)
تطبيقات فاشلة للتجربة في الحكم الإسلامي: كل الدول التي طبقت الإسلام بكل مناهجها
تجارب فاشلة تعكس انطباعات عند المتلقي المسلم وغيره. ولهذا أنا أتوجه بالسؤال
للذين يسلمون حديثاً من الغربيين لا سيما الأوروبيين فهم من دول حقوقية قانونية
حداثية تنويرية لديهم قوانين حقوق إنسان والتداول السلسل للسلطة، أقول لهم: كيف
أسلمتم وهذا واقع المسلمين؟ يقولون: لا علاقة لنا بكم نحن أسملنا لنتبع محمداً عليه
الصلاة والسلام والقرآن وليس أنتم، وهذا وعي ممتاز منهم.
2)
سوء من يحمل الإسلام: سلوك المسلمين الآن سواء في العالم الإسلامي أو خارجه.
3)
النخبة من أهل العلم: وهذا هو موضعنا وواقعنا من هؤلاء الذين نتكلم عنهم، وهو فساد
النخبة من أهل العلم والفتيا، والدعاة والخطباء وأئمة المساجد والمجامع العلمية
ومدرسي الشريعة ومساندة بعضهم في هذا النوع من الفساد للطغيان السياسي، وتلميعهم
للطغاة. فعندما ترى هذا كله تجد فتنة في الصد عن الدين، هل تريد مني أن أتبع ديناً
فيه داعش بالتوجه العربي، والحشد الشعبي بالتوجه الإيراني؟ كلاهما يزهد الناس في
دين الله. ثم جاء هؤلاء الغلاة فكان لهم انعكاس على فئات إسلامية في تزهيديهم في
الدين، وإثارة الشك، وحتى الفتور الديني.
إن
غلاة التبديع الجدد أشداء على المسلمين، رحماء بالظالمين؛ أصحاب شدة وقسوة وغلظ
وعدم عذر وسوء نية تجاه المسلمين، ينتقون أسوأ في حياتهم للحكم عليهم، بينما مع
الحكام إما صمت كصمت القبور أو ما هو أكثر وهو التلميع.
بماذا
نفسر هذا المسلك؟!
مسلم يدعي أنه عنده علم شرعي، ويزخرف العلم الشرعي بالكتاب والسنة بتأييد أنظمة علمانية ملحدة ليبرالية طغاة دمويين عملاء لليهود عملاء ولأمريكا وللروس، هل نفسره فقط أنه غالٍ؟ الواقع يشهد والحقائق توجب أن نفصل فهؤلاء.
أصناف
غلاة التبديع:
1)
هم في الأساس استخبارات دينية جاهزة "لحية تركيب، وتدين ظاهري" جاءت
مرحلة استخدامهم ودورهم في المشهد السياسي القائم فتحركوا، يشهد لهذا ما كان يجري
في أروقة تحقيقات المباحث في الخمسين سنة الماضية، كانوا يسأل الشخص عن كتب ومراجع
ومسائل عقائدية، ومبادئ دعوية، وبعض الفتاوى الخاصة، وأسماء علماء قدماء ومعاصرين
ودعاة، تماماً كما صنع المستشرقون الغربيون في دراسة الإسلام، لقد انتقل استشراق
الإسلام القديم الفردي إلى استشراق مؤسسي اليوم.
2)
مرتزقة يأكلون على كل الموائد: رأيتم ورأينا في العشر سنوات الأخيرة بعد الثورات
والاضطرابات علماء وأدباء ومفكرين وشعراء ومكتبات ودور نشر، بل وجيوش وحكام وأنظمة
بأكملها يتم شراؤهم.
3)
الجهلة المتحمسون من بعض البيئات المتخلفة، وبعض البيئات النائية.
وأحياناً تشترك هذه العناصر الثلاثة: استخبارات دينية جاهزة، مع مرتزقة يأكلون على كل الموائد، مع الجهلة والعوام غلاظ الأكباد جفاة الطباع يدفعهم الحماس بلا أي علم شرعي.
نموذج
معاصر للتخادم المتبدل بين الغلاة والحكام:
لن
نفهم هذا المشهد الكر كتيري لهؤلاء الغلاة إلا إذا عرفنا التخادم الرسمي
الاستخباراتي المتبادل بينهم وبين الطغيان. هذه نقطة يجب أن نركز على أنهم رجال
دين صنعوا استخباراتياً، وبعضهم قديم يدرب هذا الجديد عبر قارات ومناطق.
يعتبر
النموذج الليبي خير نموذج للتشخيص.
يبرز
في المشهد حادثة اغتيال الشيخ الدكتور السلفي المحدث خريج جامعة المدينة المنورة
الشيخ نادر العمراني رحمه الله، خطفوه بين الأذان والإقامة، بعد أن سلطوا عليه
جاره ليراقبه لفترة، وعندما أخذوه رموه في حفرة ثم قام اثنين من مشايخ الغلاة
باستجوابه وأفرغ فيه أحدهما الرشاش الأول ثم أكمل عليه الثاني! جاره الشاهد ذُهل
من المشهد واعترف!
حادثة
أخرى: حادثة حرق منزل الشيخ محمد أبو شعالة، والذي ظل أربعين عاماً يُحفِظ الناس
القرآن الكريم.
حفتر
هذا العلماني المدعوم غربياً، الذي يهيأ للتصهين، هذا الرجل أنصاره من غلاة
التبديع المتحالفون مع الطغيان. بعد الانضمام إليه وإثارة الفتن في المساجد ذات
المذهب الواحد وهو المذهب المالكي، أتت المرحلة التالية حين اعتبروا الجيش الرسمي
الشرعي القانوني المعترف به دولياً وسموه الجيش الخارجي، وجعلوا المتمردين على
الجيش هم الجيش الرسمي، ثم يأتون بفتاوى من الخارج يطعنون بها في المشايخ الأصليين
للبلد، لصناعة بديل جديد، ثم مرحلة الزم بيتك، ثم انتهوا إلى مرحلة {طوبى لمن
قتلهم وقتلوه}، وفق منهجية منظمة ومدروسة، في تبادل وتخادم بين الغلاة والطغيان
لأنهم أصلاً من أجندتهم، ورجالهم، وأدواتهم.
حوادث
أخرى: كم قتلوا من القراء ورموهم في المزابل! مهما بلغ الإنسان في التبديع فأنه لا
يفعل ذلك.
هؤلاء دواعش بلا سلاح، ثم جاءت الحكومات فأمدتهم بالسلاح، وجاءتهم الفرصة فتحولوا لكن بمنطق آخر، والمحصلة النهائية هي التفتيت في هذا البحر الواسع الذي يضرب فيه الكل وهو بحر السنة العام لأهل السنة والجماعة.
نموذج
تاريخي للتخادم المتبدل بين الغلاة والحكام:
من
ناحية تاريخية الأمر ليس جديداً، الجديد هو التكنيك والآليات الحديثة، من خلال
الاستخبارات الجديدة بالتقنيات ووسائل التواصل في التنظيم، وإلا فالمساءلة كأصل
الفكرة موجودة عند من ذكرنا: استخبارات مصنوعة بلحية مركبة، أو الذين يأكلون على
كل الموائد، أو غلاة الجهلة العاطفيون، أو الشراكة بين هذه العناصر.
من
النماذج التاريخية المشهورة: الطاغية المجرم تيمور لانك [ت 807هـ]، في ترجمته في
إنباء الغمر في أبناء العمر لابن حجر العسقلاني وهو من نفس قرنه [ت 852هـ]، يقول
عنه: "كان مغراً بغزو المسلمين وترك الكفار. وكان يقرب العلماء والشجعان
والأشراف وغيرهم وينزلهم منازلهم ولكن من خالف أمره استباح دمه. وكان يقدم قواعد
جنكيز خان ويجعلها أصلاً؛ ولذلك أفتى جمع جمٌّ بكفره مع أن شعائر الإسلام في بلادة
ظاهرة".
ويقول
أيضاً الأديب الكبير ابن عربشاه صديق ابن حجر العسقلاني والذي توفي بعده بسنتين
والذي عمل كاتباً عند تيمور لانك ثم رمى بنفسه مع الرعاة حتى يهرب منه، وألف كتابه
عجائب المقدور في نوائب تيمور، ذكر أسماء العلماء الذين كفروه كعلاء الدين محمد
الحنفي، وشيخه الحافظ محمد. هذا المجرم الدموي الطاغية يلعنه الكتاب عندما يذكرونه
ومع ذلك يوجد حوله مشايخ، فعنده قارئه الخاص، وإمامه الخاص، والفقيه عبد الجبار
وغيرهم؛ لذلك أنا أسمي هؤلاء الغلاة المعاصرين بتسمية جديدة (الجماعة التيمورية).
من
النماذج التاريخية: ما جاء في كتاب المنهل الصافي لابن تغري بردي في كتابه المجلد
الثالث فقد تكلم عن المعروف بالسيد الشريف بركة الذي يعتقدون ببركة دعائه وصلاحه
وانتشر ذلك في ذلك العصر في أحداث 804 فقد
كان من خواص تيمور لانك ومعه ومسانده في معاركه وغزواته ضد المسلمين في حروبه على
الشام، ما الذي قاله ابن تغري بردي بعد أن ذكر دعوات الشريف بركة وتضرعه لنصرة
تيمور لانك ضد المسلمين، وإذا دخل هتك الأعراض وفعل أشياء لا تخطر ببال لا تحتاج
إلى ذكر.
يقول: "هل للشريف المذكور فيما فعله ثواب أم يكون رأساً برأس، أم عليه الوزر لهذا الظالم الكافر؟" ثم ختم ترجمته بقوله؛ لأن تيمور لانك كان يعتقد فيه ويطلب دعاءه، قال: "فعلى كل حال أنا لا أعتقد بصلاحه لمصاحبته الطاغية تيمور لانك خصوصاً إعانته على أغراضه الكفرية". وهؤلاء الجماعة التيمورية الجديدة يمثلون نفس النموذج، يقفون مع الكفر الواضح: إنسان اشتراكي يحرف الشريعة ويدعو لدين جديد، أو آخر يدعوا لدين الإبراهيمية والتلفيق بين الكتب السماوية مع القرآن الكريم!
بعض
الآثار السلبية للتيمورية الجديدة:
هذا
كله أنا درسته في دائرة الردة الجديدة التي تسبب بها هؤلاء الغلاة، ورصدته ضمن
ظاهرة رصدت من يلحد علمياً، وآخر يلحد فسلفياً، وثالث يلحد أهوائياً وغرائزياً،
ورابع يلحد بشبهات عابرة في الشريعة، لكن من أنواع الزهد في الدين والإلحاد هؤلاء.
قال
ابن تيمية في كتابه درأ تعارض العقل والنقل (ج1): "احذروا فتنة العالم
الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فكيف إذا اجتمع في الرجل
الضلال والفجور".
أبو
حامد الغزالي في المنقذ من الضلال عندما ذكر أسباب فتور الخلق وضعف الإيمان
الأربعة جعل من الرابع سوء سيرة العلماء، قال: "معاملة الموسومين بالعلم فيما
بين الناس"، وذكر أمثال هؤلاء.
هذا
يجعلنا نجمع الموضوع في عدة دوائر مترابطة بعضها مع بعض، لا نفصل البعد السياسي عن
البعد الجهلي عن البعد المصلحي المالي، ثلاثتها مرتبطة، ونبين أن واقع الحال الذي
موجود بتقنياته وتركيبه كان موجود قديماً، وكيف أن علماءنا تبرؤوا منه.
أختم
بنموذج للصمود العلمي الورع أمام الطغيان السياسي بقول الحق في مقابل هذا الابتذال
والغلاة الدمويين الذي يستبيحون دماء المسلمين، حتى لو كان المسلمون الذين
استباحوهم من المبتدعة المخطئين أو المتأثرين، وممن لك عليهم ألف صفة وصفة.
ذكر
الذهبي في سير أعلام النبلاء عند ترجمته للإمام الأوزاعي إمام أهل الشام موقفه من
عبد الله بن علي عم السفاح العباس، وكان دموياً قتل سبعين أموياً، ثم استدعى
الأوزاعي وسأله: ما تقول فيما فعلت في دماء وأموال بني أمية؟ فقال الأوزاعي كلمة
الحق، هنا يأتي تعليق الذهبي السلفي المحدث الورع المنصف مع الخصوم، قال: "قد
كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً، سفاكاً للدماء، صعب المراس، مع هذا فالإمام
الأوزاعي يصدع بمُرِ الحق كما ترى لا كخلق من علماء السوء الذين يحسنون للأمراء ما
يقتحمون به من الظلم والعسف ويقلبون لهم الباطل حقاً، قاتلهم الله أو يسكتون مع
القدرة على بيان الحق" [سير أعلام النبلاء ص725].
ونحن نقول لكل من يسفك دماء المسلمين ويتحالف مع الطغاة بقطع النظر عن الاسم والمسمى: قاتلكم الله، هذه هي التيمورية الحديثة التي يجب التحذير منها، وهي بلاء على الأمة، ونهاية مصبِّ ثمرتها للمستعمر الصيهوني والمستعمر الغربي.
شكر الله لكم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الندوة
الثالثة / الآثار السلبية والتصدي لها
المحور الثاني
دور
غلاة الطاعة
في
ترسيخ استبداد الحاكم
الدكتور/
أنور الخضري
كاتب
وباحث - رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث سابقاً
مقدِّمة:
جاء
الإسلام ليجرِّد الإنسان مِن كلِّ عبوديَّة إلَّا عبوديَّة الله تعالى، وفي تجريده
هذا يجرده مِن كلِّ صور العبوديَّة لغير الخالق، سواء عبوديَّة التَّأله أو
الطَّاعة أو التَّقديس أو المحبَّة أو الخوف أو الطَّمع. وهو في سبيل ذلك يعيد
التَّصوُّر الحقيقيَّ للوجود البشري باعتبار البشر جميعا جنسًا واحدًا، ليس فيهم
أحد مميَّز بخصائص ربوبيَّة أو ألوهيَّة أو قداسة. وعليه فإنَّ المجتمع الإنساني
مجتمع متساوي النَّشأة والخصائص الطَّبيعيَّة، ومتساوي الحقوق والواجبات أمام الله
تعالى. فليس فيهم –فيما عدا اصطفاء الأنبياء للرِّسالة والوحي- مَن يتمتَّع بصفات
خارقة أو طبيعة فوق بشريَّة تعطيه امتيازًا قدريًّا أو شرعيًّا.
وعلى
أساس هذه العبوديَّة يقوم المجتمع المسلم وتقوم الدَّولة المسلمة، فالمسلمون
جميعهم بشر أحرار، وأمَّة واحدة دون النَّاس، يعود أمرهم إليهم: {وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38]. وليس لأحد
عليهم طاعة واجبة إلَّا مَن اختاروه مِن بينهم لتولِّي الأمر عليهم. فباختيارهم له
يكون وليًّا للأمر عليهم: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ} [النساء:59]. ولم يأت الإسلام لبناء ملك عائلي أو قبلي أو عرقي، بل جاء
لإقامة خلافة راشدة عادلة تقوم على أساس مِن الإجماع أو التَّوافق واختيار أنسب
رجل في الأمَّة لتولِّي قيادتها وشئون السُّلطة فيها.
فأعظم
تعبير عن إجماع الأمة إجماعها على اختيار الحاكم لها، ولا يكون اختيار إلَّا
بحرِّيَّة تامَّة، لا بإكراه وتغلُّب بالسِّيف أو بوصاية تحرمها التَّعبير عن
اختيارها بحقٍّ. وهذا ما ميَّز عهد الخلفاء الرَّاشدين، حيث جرى اختيار ومبايعتهم
مِن جمهور الأمَّة دون إكراه ولا وصاية.
والقرآن الكريم ضدَّ إكراه الإنسان على قول أو فعل أو موقف لا يرتضيه، فكيف يكون مع إكراه الأمَّة بمجموعها في أعظم شئونها خطورة وأولاها أهميَّة. لذلك، فلم يقرَّ الإسلام مبدأ "الملكيَّة" في الحكم بل لا يعتبرها مفهوما شرعيًّا إلَّا في حدود مفهوم السُّلطة والتَّمكين لا الحيازة والتَّوريث كما هو سائد في العادة البشريَّة. فلم يورِّث يوسف –عليه السَّلام- سلطته لأحد مِن ذرِّيَّته، ولم يورِّث طالوت سلطته لأحد مِن ذرِّيَّته، وأمَّا سليمان –عليه السَّلام- وقول الله تعالى عنه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل: 16] فهو مِن قبيل الاستحقاق لما تحلَّى به سليمان مِن حكمة وعلم لا لمجرد النَّسب، وشتَّان أن يقول تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} و((وورث سليمانُ داودَ))، فالأولى تدلُّ على التَّوريث العائلي والثَّانية تدلُّ على إحلال تعاقبي.
نظريَّة
المتغلِّب بين شرعيَّتها الدِّينيَّة وشرعيَّتها الواقعيَّة تاريخيًّا:
بالرُّجوع
إلى الكتاب والسُّنَّة يعلم أيُّ مسلم بأنَّ الشُّورى هي مبدأ الحكم في الإسلام،
وأنَّه لا محلَّ ولا تشريع يجيز في الإسلام أن يتغلب فريق ما على الأمَّة كرها
ليحكمها. وأنَّ الأصل في الحكم هو قبول الأمَّة ورضها. فلا يوجد نصٌّ مِن كتاب أو
سنَّة يجيز حمل السِّيف وقهر المسلمين لحكم رقابهم. وتجاوز هذا الملحظ المهم في أي
نقاش وحوار مع هؤلاء الصِّنف مِن النَّاس خطأ كبير، إذ أنَّ هذا يجردهم مِن الكذب
الِّذي يمارسونه باسم الدِّين في حين أنَّ الدِّين مِنه براء.
كما
أنَّ سيرة الرَّسول –صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الرَّاشدين مِن بعده تثبت أنَّه
لم يعرف التَّغلُّب كوسيلة للحكم، وأنَّ الخلفاء كانوا يطلبون قبول الأمَّة بهم
ورضاها عن تولِّيهم للسُّلطة.
وقد
كانت أولى حوادث التُّغلُّب هي هيمنة الأموييِّن على السُّلطة بعيدا عن الرِّضا
والقبول العام، وإنَّما مِن منطلق قبول ورضا قوَّة موالية لهم تمسك بصميم
جغرافيَّة الدَّولة المسلمة في حينه. وهذا التَّغلُّب المخالف للسَّنَّة
النَّبويَّة والنَّهج الرَّاشدي وجد رفضا مِن الصَّحابة –رضي الله عنهم، ورفضا مِن
التَّابعين كذلك. ولم تستقرَّ له البنية التَّشريعيَّة خلال قرن كامل. ثمَّ جاء
العباسيُّون ليأسِّسوا ويشرعنوا بصورة أقوى وأكبر تغلُّبهم وحكمهم للأمَّة مِن دون
النَّاس باعتبارهم الأحقَّ بالسُّلطة.
وشيئا
فشيئا بدأ فقه الضَّرورة يسيطر على المشهد الفقهي، ويرى في استقرار الدَّولة ضرورة
للمسلمين، وأنَّ العودة إلى الشَّورى مع تعدد العصائب والولاءات والمذاهب بات غير
ممكن. لكنَّ أخطر ما تمَّ تاريخيًّا هو تحويل فقه الضَّرورة الآني والظَّرفي إلى
فقه تأصيل وتقعيد وتأسيس، بحيث أتى مَن يعتبر طرق التَّغلُّب والقهر بالسِّيف طرقا
مشروعة للحكم في الإسلام، وأنَّ التَّغلُّب يكسب المشروعيَّة للحاكم في ذاته.
وهكذا
أغلق باب الشُّورى وسدت منافذ التَّغيير خاصَّة مع استبداد المتغلِّبين وأصبح كلُّ
طامع في التَّغيير مطالبا بحمل السِّيف وإنفاذه في الخصوم. وعوضا أن تحقِّق نظرية
المتغلِّب الاستقرار في الأمَّة والوضع السِّياسي لها أطلقت العنان لكلِّ ذي قوَّة
وعصبة أن يتطلَّع لطلب الحكم على ما يمكنه وضع يده عليه، لأنَّه والحالة أنَّه
قويٌّ ومتغلِّب قادر على كسب مشروعيَّة دينيَّة مِن فتاوى "رجال
الدِّين".
وظلَّت حالة الهرج والمرج، والتَّغلُّب والتَّغلُّب المضاد تحكم البلدان العربيَّة قرونا مِن الزَّمن، حتَّى داهم المستعمر الخارجيَّ بلاد المسلمين واحتلَّها على حين ضعف ووهن وشتات.
الحاكم
المتغلِّب في الأنظمة المعاصرة:
الأنظمة
الجمهورية والدِّيمقراطيَّة:
تقوم
الأنظمة "الجمهوريَّة" و"الدِّيمقراطيَّة" على مبدأ أنَّ
السُّلطة للشَّعب وليس لعائلة مالكة، أو سلالة حاكمة، أو فرد مستبد. وتنصُّ
دساتيرها عادة على أنَّ: الشَّعب مالك السُّلطات. وقد أخذت عدد مِن الدُّول الإسلاميَّة
بهذا المبدأ مِن الأنظمة السِّياسيَّة، ونصَّت عليه في دساتيرها. وهي بهذا ترفض
–تأسيسا- القبول بمبدأ التَّغلُّب مِن أيِّ جهة كان وتحت أيِّ تبرير يرفع.
فجاء
هؤلاء الغلاة ليخدموا رغبات "الحكام المستبدِّين" في البقاء وربَّما في
توريث أبنائهم سلطة الحكم، ناقضين بذلك الدُّستور ومخالفين بذلك الإسلام، إذ لا
توريث للحكم في الإسلام. فأظهروا مِن الفتاوى ما يؤيِّد ويبارك هذا التَّوجُّه
للحاكم على حساب الشُّعوب. علما بأنَّ بعض هؤلاء الحكَّام يظهرون العلمانيَّة ولا
يأبهون بشريعة الإسلام وإنَّما يتمسَّحون به لغرض إضفاء شرعيَّة دينيَّة لهم أمام
المجتمع، فيما تمنحهم العلمانيَّة شرعيَّة أمام الغرب.
وفي حين تعطي هذه الأنظمة الأحزاب بمختلف صورها حقَّ المعارضة والتَّشكُّل يرى هذا الصِّنف مِن النَّاس أنَّ هذه أحزاب غير شرعيَّة، وأنَّها تفرُّق في الدِّين. وغالب سهامهم تتجِّه للأحزاب الإسلاميَّة بوصفهم خوارج! أمَّا الأحزاب العلمانيَّة فلا تجد لهم نكيرا عليها! فهم يتسامحون مع الحاكم "الدِّيمقراطي" لكن لا يتسامحون مع الحزب "الدِّيمقراطي" إذا ما كان إسلاميًّا.
الأنظمة
الملكيَّة والأميريَّة:
لا
تزال بعض البلدان العربيَّة تحكم بالأنظمة العائليَّة –الملكيَّة والأميريَّة.
وعلى رغم مساندة هؤلاء الشَّريحة مِن مدِّعي التَّديُّن للأنظمة الملكيَّة
والأميريَّة باعتبارها تمثِّل الإسلام [فهم يعتبرون الدِّيمقراطيَّة كفر مطلق]
إلَّا أنَّهم حتَّى مع هذا المبدأ متناقضين، ففي حين يدافعون عن نظام هنا لكونه
مستقرًا، ولأنَّه ولي أمر، فيحرِّمون المظاهرات والمعارضات ويعتبرونها خروجا على
ولي الأمر، يفتون في بلد آخر لمجرد الاختلاف السِّياسي بجواز الانتفاض والخروج على
الأمير والتَّظاهر لإسقاطه، كما فعلوا أيام مقاطعة وحصار قطر مِن الدُّول
الرُّباعيَّة.
إذن
فهم ليسوا مع المبدأ دائما، وإنَّما حسب مقتضيات الحال الَّتي يوجَّهون إليها.
الأنظمة
العسكرية:
تعدُّ الأنظمة العسكريَّة الانقلابيَّة مِن أسوأ الأنظمة للحكم، وهي مرفوضة مِن جميع الشُّعوب الحرَّة عادة. لكن هذا الصِّنف مِن النَّاس يتقبَّل التَّكيُّف مع حكم العسكر، وخدمته، وصبغ الشَّرعيَّة عليه باعتباره حاكما متغلِّبًا! وتحريم مقاومته والخروج عليه لخروجه على الأمَّة! كما جرى مع انقلاب مصر، إذ ذهبوا لمباركة الانقلاب ودعمه والوقوف إلى صفِّه.
ترسيخ
استبداد الحاكم:
يسعى
هذا الفريق مِن النَّاس إلى خدمة الحكَّام المستبدِّين وترسيخ استبدادهم، فهم
ليسوا إلا عبيدا للسُّلطان وليس للرَّحمن؛ فحيث كان رضا السُّلطان اتَّجهوا.
ومِن أساليبهم في خدمة الحكَّام المستبدين ما يلي:
1-رفع
الحاكم فوق مكانته الشَّرعيَّة: فالحاكم أجير عند الأمَّة، وكيل عنها، ينوبها في
القيام بشئونها بمقتضى اختياره لها ومبايعته على انعقاد السُّلطة له تخويلا له مِن
الأمَّة. فهم يجعلون الحاكم ملكا ومالكا للوطن وثرواته ومقدَّراته وللشَّعب، فلا
حقَّ للشَّعب إلا ما وهبه الحاكم ومنحه إيَّاه. لذلك فعبارات الثَّناء والمديح
والتَّبجيل والتَّقديس للحاكم هي الطَّاغية عليهم، ولا يرون أبدا نصحه أو نقده أو
الاعتراض عليه أو إبداء مخالفة لتوجَّهاته وتوجيهاته، في مخالفة واضحة لسيرة
الصَّحابة مع الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم.
2-القول بالطاعة المطلقة للحاكم، ومنحه الصَّلاحية المطلقة لقعل ما
يشاء باعتباره أعلم بالمصلحة: فلا يرون لأيِّ عالم معتبر مقاما إزاء الحاكم،
فالقول ما يقوله الحاكم ولو كان أجهل النَّاس بالشَّرع والدِّين. بل ربَّما جعلوا
أقوال العلماء إذا خالفت رأي الحاكم صورة مِن صور الخروج عليه، في سابقة لم يعرف
لها التَّاريخ مثيلا. فقد خالف كثير مِن العلماء اجتهادات الحكَّام عبر التَّاريخ
وبشكل صريح ولم يصفهم أحد بالخروج على الحاكم.
3-الدِّفاع عن ظلم الحاكم وفساده وإجرامه، والاعتذار له في كلِّ ما
يصدر عنه، أو تبريره، بل ربَّما الافتاء بما يمكِّنه مِن فساده أو ظلمه أو إجرامه.
فالحاكم يقتل، ويأخذ أموال النَّاس ويضع يده على المال العام ويعبث فيه، ولا يجد
مِن هؤلاء إنكارًا بل الدِّفاع والتَّبرير في صورة لم يعرفها السَّلف في تاريخهم.
بل ربَّما أجاز له بعضهم المجاهرة في التَّلفاز بالزِّنا لنصف ساعةّ! فكيف يكون
رأيه في زنا الحاكم في وجود حاشيته وخاصته؟!
4-إبطال الفقه المتعلق باختيار الحاكم ومساءلته وعزله ومحاسبته: فهذا
الفقه لديهم رغم وجوده في زمن الخلفاء الرَّاشدين وبني أميَّة ومَن بعدهم لكنهم
يتغاضون عنه، ويهملونه ولا يوردونه في أدبيَّاتهم إطلاقا. بل هو في نظرهم تحريش
ضدَّ الحاكم وتشكيك فيه!! وبهذا يحصِّنون الحاكم تجاه أيَّ فساد يقوم به هو
وحاشيته.
5-تعطيل مناصحة الحاكم أو الاحتساب عليه أو مقاضاته، واعتبار أي نقد
له أو اعتراض عليه أو مقاضاته خروجًا عليه، إذ توسَّعوا في مفهوم الخروج على
الحاكم حتَّى جعلوا أيَّ معنى صحيح شرعًا وعرفًا في مواجهة طغيان الحاكم وفساده
خروجا، مبيحين له بذلك قتال وقتل مخالفيه. وقد رأينا كيف أفتوا في علماء الحرمين،
وأفتوا في الثُّوار بمصر واليمن.
6-إحلال الحاكم من دماء معارضيه ومناصحيه وناقديه بدعوى أنهم خوارج
يجب قتلهم: وهي نتاج المسألة الأولى وامتداد لها. والعجيب أنَّهم لم يقفوا في ذلك
مع الحاكم الَّذي تمكَّن بل مع الانقلابيِّين كحفتر في ليبيا، إذ ساندوا قتاله
وشرعنوا تمرُّده واستباحوا دماء مخالفيه بالرَّغم مِن أنَّ الرَّجل لم يتمكَّن له
الأمر. لكنَّهم إرضاء لمموليهم في الخليج انخرطوا في هذا القتال وهذه المواقف
الضَّالة.
7-إبطال حقوق الأمَّة وصلاحياتها واختصاصاتها لصالح حقوق الحاكم
ومكانته: فهم لا ينادون بشيء مِن الحقوق ولا الاختصاصات الَّتي للأمَّة، بل لا تجد
لهم بها احتفاء في تقرير الأمور وموازنة القضايا. فحيث دارت عقارب القوَّة تبعوها
أذلة وهم صاغرون يشهدون للمتغلِّب بشرعيَّته.
8-تشريع التَّوريث والتَّغلُّب والانقلاب كطرق مباحة لاكتساب
الشَّرعيَّة: فحيث ما وجدت هذه الأمور رأيت لهم جلبة وزحمة ومقالا في حين لا يأتون
ولا ينطقون في مبدأ الشًّورى واختيار الأمَّة لحاكمها اختيارًا حرًّا. بل حيث
حاولت الأمَّة أن تختار وتنتخب عارضوا وقاوموا وحذَّروا!
9-محاربة المصلحين والعلماء والدَّعاة المخالفين لآرائهم، وتحريض
الحاكم عليهم، بل ربَّما أجازوا قتلهم وتعذيبهم وتشريدهم. كما هو الحال في بلاد
الحرمين وفي مصر وفي ليبيا وغيرها.
10-عدم الاعتراف بنواقض الدِّين الَّتي يرتكبها بعض الحكَّام ممَّا هو معلوم مِن الدِّين بالضَّرورة، والصَّمت عنها، في حين يتتبعون المتشابه والأخطاء غير المقصودة لغيرهم: فها هم يصمتون عمَّا يجري مِن قبل نظام الإمارات مِن نشر للإلحاد، وفتح لدور العبادة الوثنيَّة في جزيرة العرب، وتطبيع مع الصَّهاينة، ومِن حرب على الإسلام. كما أنَّهم صامتون على وقوف أنظمتهم إلى جانب نظام الإمارات في حلف مشترك بالمنطقة!
الندوة
الثالثة/ الآثار السلبية والتصدي لها
المحور
الثالث
أوجه
مخالفة غلاة التبديع لأصول أهل السنة
وآثاره
السلبية
الشيخ
/ سمير كعكه
رئيس الهيئة الشرعية العامة
الحمد
لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما
بعد:
أسأل
الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المؤتمر سبيلاً لجمع الكلمة، وإزالة الشحناء
والبغضاء والتدابر بين المسلمين، وأن يجعل هذا المؤتمر بوابة خير لهذه الأمة، أسأل
الله تعالى أن يكفي هذه الأمة شر المنكرات والبدع التي فتت في عضد هذه الأمة.
محوري
في هذه المداخلة:
المحور
الأول: بيان وجه مخالفة غلاة التبديع لأصول أهل السنة بالحكم على الأفراد
والجماعات.
المحور الثاني: الآثار السلبية التي ترتبت على ذلك، والانعكاس السلبي على صفاء المنهج السلفي، وكيف كان علماء السلف يتعاملون مع المخالف.
أصول
أهل السنة والجماعة:
نقول
وبالله والتوفيق، قبل البدء في المحاور لا بد من مقدمة نبين فيها أصول أهل السنة
التي بنوا عليها مذهبهم.
الأصل
الأول: يجب علينا جميعاً أن نحافظ على وحدة الصف وجمع الكلمة على ما كان عليه
سلفنا الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وكلنا مخاطبون بقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وقوله سبحانه وتعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، هذه الآيات كلها وأمثالها المسلمون أهل القبلة
مخاطبون بها، ويجب عليهم الاجتماع على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عيله
وسلم، ولا يسع أحداً العدول عن دين الله تعالى برأي أو رؤية أو فكر أو نحو ذلك.
الأصل
الثاني: الرد على المخالف أصل من اًصول أهل السنة ولا يحق لأحد أن يتنازل عنه،
فكما أنه يجب علينا الآن أن نرد على غلاة التبديع لأنه أصل من أصول أهل السنة
وللحفاظ على دين الله تعالى، وحتى لا يعبث العابثون بدين الله عز وجل، فإذن هذا
الأصل ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان وإنما هو خاضع لبعض الاعتبارات كما
سنذكرها، يدل على هذا الأصل نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، ومنها ما رواه مسلم من
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من
نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته
وَيَقْتَدُونَ بأمره، ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما
لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل، فإذاً مجاهدة المخالفين لدين الله
سبحانه وتعالى فرض، ومن خصال الإيمان.
كذلك
هذه النصوص في جملتها يستطيع كل أحد وكل طرف أن يستدل بها على أنه هو المحق، لكن
الحجة في ذلك الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وليس المقصود مطلق الرد على المخالف،
وإنما يحتاج إلى ضوابط ليكون هذا الأمر مضبوطاً كتاباً وسنة، وكل هذا لحراسة الدين
من خلال هذه الوظيفية الجهادية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم سوق الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف رأسه التوحيد، والنهي عن المنكر، والمنكر
الذي رأسه الشرك، نعوذ بالله من الشرك.
وكذلك
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف
الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. فهذا الدين لا بد أن يحمله ثلة من
العدول ينفون عنه هذه العلائق التي قد تدخل على دين الله تعالى، وعلى المجتمعات
الإسلامية من خلال الغلو، ومن خلال الانتحال والنفاق والجهل، فهناك من يغلو في
العقيدة، وهناك من يغلو في المنهج، وهناك من يغلو في السلوك، وهذا كله مخالف لدين
الله تعالى. ولا بد من الرد على المخالف صيانة للدين وللدواخل، وهو من جنس الجهاد
في سبيل الله.
الأصل
الثالث: يجب حمل المسلمين على السلامة بحق الإسلام، ولقول الله تعالى: "
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [التوبة:71]، إذن هذه المقدمة يجب أن تؤخذ
بعين الاعتبار، وأن الأصل في المسلم حمله على السلامة وأنه بريء الذمة إلا ما دل
على ذلك الدليل، وهذا الأصل مطرد في كل مسلم من أهل القبلة من المصلين.
الأصل
الرابع: كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو من أهل السنة
بالمعنى الأخص، يعني أنه كمعينٍ، يدخل ضمن الدائرة الضيقة لأهل السنة التي تجمع
جميع المسلمين والذين يحملون على سلامتهم، ولا يجوز أن يخرج المعين من المسلمين
ببدعة ارتكبها أو كفر تلبس به إلا بعد إقامة الحجة الرسالية، فالحجة الرسالية هي
المعتبرة في ذلك، وليست الحجة العقلية التي هي قاعدة المعتزلة، بل يجب في من تلبس
ببدعة أو وقع في كفر إذا أريد أن يحكم عليه بمقتضى قوله أو فعله أو اعتقاده لا بد أن
تقام عليه الحجة من وجه معتبر، وأن تزال عنه الشبهة، وأن تتوفر فيه الشروط وتنتفي
عنه الموانع؛ حينئذ يحق لهذا المجاهد في سبيل الدعوة إلى تعالى أن يحكم على المعين
بالخروج السنة على قدر ما خرج، قال الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وكلام أهل العلم موفور في ذلك وكثير، من ذلك ما
قاله النووي رحمه الله في شرح حديث: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه
الأمة من يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بي إلا أكبه الله في النار [صحيح
مسلم] قال الإمام النووي: "وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام
فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل وورد الشرع على
الصحيح". يعني لا يجوز أن يحكم على أحد من هؤلاء الذين لم تبلغهم الحجة
الرسالية بجنة ولا نار، ولا يحكم عليه بأحكام الآخرة إلا بعد وورد الشرع.
قال
الإمام الشافعي فيما رواه الذهبي عنه في كتاب العلو بسند صححه الألباني: "
لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا
يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول، فمن خالف ذلك بعد ثبوت
الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا
يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر
إليه بها".
وأوضح
من ذلك كذلك قول الإمام ابن حزم: " فصح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي
صلى الله عليه وسلم؛ فإن بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن ثم اعتقد ما شاء الله
أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عمل ما شاء الله تعالى أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك
عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخلاف ما اعتقدوا قول أو فعل فلا شيء عليه أصلاً
حتى يبلغه "....... يعني هذا واضح كلام الإمام ابن حزم في أن المؤاخذة لا
تكون إلا بعد بلوغ الحجة.
ومثل
ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإنما المقصود هنا أن يثبت قبحه من البدع
وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن
شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه إما بالاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما
لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع، وقررته أيضاً في أصل التكفير والتفسيق
المبني على أصل الوعيد؛ فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة
والتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت
الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، أما في عذاب الآخرة
فمستحق الوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير
خالد وأشباه هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة، سواء كان بسبب بدعة
اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا، وهو الفسق بالأعمال".
هذه
النقولات تدل على أن الأصل في المسلم السلامة وأنه ضمن الدائرة السنية إلا إذا عمل
ببدعة وأقيمت عليه الحجة الرسالية من وجه معتبر فحينئذ يحكم عليه في أسماء الدنيا
وفي أحكامها وفي أحكام الآخرة.
الأصل
الخامس: امتحان الناس في عقائدهم من بدع الخوارج وليس من أصول أهل السنة، وهو
مخالف لما قدمناه من وجوب حمل المسلمين على السلامة، فلذلك تجد كثيراً من هؤلاء
يمتحنون الناس في فلان وفلان هل تبدع فلاناً أو لا تبدعه؟ فإذا كان بدعه فيوالونه
وإذا لم يبدعه أو جهل حاله فيزدرونه، وهذا موجود فيهم كثيراً كما سيأتي، إذن
امتحان الناس في عقائدهم هذه من بدع الخوارج، ومن أشنع البدع التي فرقت المسلمين.
الأصل
السادس: يجب في الرد على المخالف التزام أصول الإسلام في الرد:
الأول:
أن يكون مخلصاً في رده.
الثاني:
أن يكون مصيباً متبعاً للدليل المطابق لفهم السلف، وليس مطلق المخالفة توجب عليك
الرد على من يخالفك، وليس مجرد تصوره في مسألة يكون معه الحق، كما يفعل هؤلاء.
الثالث:
أن يكون حريصاً على نشر الخير وإنقاذ المخالف من غلطه لا التشفي به والتشهير
والتنفير. يعني المسلم إذا أراد أن يرد على المخالف يجب أن يكون برحمة وبحرص على
إنقاذه والقاعدة في ذلك قاعدة أهل السنة: "الحمد لله الذي أنقذه الله بي من
النار" وأما قاعدة أولئك: الحمد لله الذي أدخله الله بي إلى البدعة أو أدخله
الله بي إلى النار! مع الأسف، فهم يشاركون الخوارج في هذا الأصل الفاسد، يبقى يسعى
جاهداً لإخراجه من دائرة السنة. نسأل الله العافية والسلامة.
الرابع:
أن يكون الرد على قدر الحاجة، والتمادي في ذلك ولوغ في عرض المسلم، والأصل فيه
الحرمة؛ لأن الأصل في المسلم أنه حرام الدم والعرض والمال، فإذا تلبس ببدعة، يجب
على الراد عليه أن يرد على هذه البدعة على قدر الحاجة، وأما التمادي في ذلك فيكون
تعدٍ على حرمة هذا المسلم.
الأصل
السابع: أنه يجب الموازنة بين الحسنات والسيئات في الرد، ويفرق بين من غلب عليه
حرصه على السنة وبين من غلب عليه ولوغه في البدع كالرافضة والجهمية والخوارج،
فينظر إلى حسناته وسيئاته ويوازن بينهما، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم
لما جيء برجل قد شرب الخمر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلده فقال له رجل:
"لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
"لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ" [صحيح البخاري]، هذا هو الأصل وهذا هو دليل الموازنة بين
الحسنات والسيئات في أخذ المخالف بمخالفته، والنصوص في ذلك كثيرة جداً.
الأصل
الثامن: يجب الموازنة بين المصالح والمفاسد في الرد على المخالفين، وهذا أصل عظيم
يجب على كل داعية وكل مسلم أن يكون عنده تمرس في هذا الباب حتى لا يُدخل على دين
الله تعالى ما ليس منه، فإذا غلبت مصلحة الرد على مفسدته فيجب الرد، فإذا غلبت
مفسدة الرد على مصلحته فيحرم بالاتفاق كما ذكر ذلك ابن القيم، وإذا تساوت المصلحة
والمفسدة فهذا موضع اجتهاد، وهو الذي يقدر، وهذه تعتبر من أدق المسائل مما تستدعي
من طلبة العلم أن يتريثوا في الرد على المخالفين وفي الطعن بالمخالفين ونحو ذلك،
وأن لا يكون الأمر هكذا مفتوحاً على مصاريعه كما يفعل هؤلاء غلاة التبديع.
الأصل
التاسع: إذا تزاحمت مفسدتان تُدرأ الأكبر منهما، مثال ذلك: عندنا مفسدتان مثلاً،
مفسدة بعض المخالفة من بعض الإسلاميين، وهناك مفسدة العلمانيين في بعض المناطق
مثلاً، فيأتون إلى هذا العالم أو الداعية، ويبدأون به سلخاً وتجريحاً ووووو إلخ،
ويضعفون جانبه أمام العلمانيين، فهذا لا شك أنه حرام مخالف للكتاب والسنة، مخالف
لأهل السنة، كذلك إذا تزاحمت مصلحتان تقدم الأعلى منهما، وهذا الأصل كما ذكره
الشيخ السعدي في قواعده، "تقديم أعلى المصلحتين، ودرء أكبر المفسدتين"
وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل العلم.
نأتي
إلى غلاة التبديع ونقول: إن الغلو في التبديع وفي الرد على المخالف بدعة منكرة،
حتى لا يتقرب هذا الراد وهذا المغالي إلى الله تبارك وتعالى بهذه البدعة، وهو يحسب
نفسه أنه يحسن صنعاً، مثلاً: لو غلط عالم من العلماء في أمر ما، فتضيع في بحر
حسناته، فيأتي أولئك الغلاة ويقومون بالتشهير به صباح مساء .. هذه بدعة ويجب عليهم
أن يتوبوا إلى الله تعالى منها، ولم نعلم أحداً من السلف ولا من الخلف ممن تبعه
بإحسان إلى يومنا هذا، أنهم كانوا على هذه الطريقة الرعناء.
ونقول تأصيلاً: إن هذه الطريقة التي يعامل بها المسلمون من غلاة التبديع والتفسيق بدعة منكرة من أشنع البدع ولا تقل خطورة عن بدعة المكفرة الذين يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم، لإن هذه مُفسدة إفساداً عظيماً للمجتمعات، كما أن التكفير مفسد إفساداً عظيماً للمجتمعات، بل أقول: إن بدعة الغلو في التفسيق والتبديع أشد خطورة من بدعة الخوارج لأثرها وسوء فسادها وإفسادها للمجتمعات، فحذار للمسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر أن يركب مثل هذه الفتنة وأن يمضي بها وأن يحاكم الناس على أساسها، فهذه ليس لها من دين الله تعالى نصيب ولا صلة، نسأل الله العافية والسلامة.
الآثار
السلبية للغو في التبديع:
أما فيما يتعلق بالآثار السلبية:
فأنا
واحد من أولئك الذين اصطلوا بنار هؤلاء الغلاة سواء كان قبل الثورة السورية أو
أثناءها!
يوماً
أذكر أني دخلت السجن قبل الثورة فرأيت شاباً يبتعد عني ويتحاشاني، فاستعطفته شيئاً
فشيئاً حتى جاء إلي فسألته عن سبب ابتعاده عني، فقال لي: كان عندي تصور عنك أنك
مبتدع وسروري ونحو ذلك، فقلت له: لماذا يا أخي؟ وبعد كلام طويل بيني وبينه، قال
لي: مشايخنا قالوا لنا هكذا، وأنا مخطئ. ثم قال: ذهبت مرة أحد المشايخ الذين يشار
إليهم بالبنان، وأول ما زرته وأنا في ظني أني سأزور رمزاً من رموز أهل السنة، فأول
ما رآنا وقبل الاطمئنان على حالنا وسفرنا وقبل أن يرحب بنا قال: هل وصلتكم بدعة
فلان، قلنا: لا والله ما وصلتنا؟! فبدأ يقول: هذا رجل مبتدع ضال مضل وكذا وكذا،
فقال لي: والله ما شعرت بروح الإسلام عندما اجتمعت به، وكنت أتصور أني سألقى رجلاً
من بقية السلف، وإذا بي قلبي يقسو ويتغلظ على المسلمين، فالحمد لله الذي جمعني بك
في السجن، وعرفت خطورة هذا المنهج.
ثم
قال: سيلحقني آخر هو معلمنا. فالتقيت بالآخر، فقال لي بالحرف: عندنا فتوى من غلاة
التبديع في سوريا بجواز كتابة التقارير عمن يظنون أنه من الخوارج للنصيرية، بل يجب
علينا أن نشي به. وكم دخل أناس في السجن بسببهم لسنوات طويلة، وقال لي بأنه يتعامل
مع منهل سويد رئيس فرع من أفرع المخابرات.
هذا
من فساد هذه البدعة المنكرة، ومن آثارها السلبية التي تنتج عنها، ومن الشطط في
ذلك، حتى وصل بهم الأمر إلى أنهم يسلمون المسلمين إلى أعداء الدين، إلى أعداء
الأمة، هذا من فساد هذا المنهج العظيم الذي أسأل الله تعالى أن يريح الأمة من
شرورهم، له مفاسد كثيرة جداً.
وأذكر
رجلاً قال لي: هل تعرف من عنده لوثة تكفيرية أو نحو ذلك؟ قلت له: لماذا؟ قال: لأني
أريد أن أكتب به تقريراً للمخابرات. قلت له: لا يجوز لك يا رجل؟ وهذا كان قبل
الأحداث، فكانوا يحاكمون الناس على تصورهم. قال: عندي فتوى. قلت له: هذه الفتوى ما
تصلح يا أخي، ماذا تقول؟! كيف تسلم إخوانك المسلمين الذين يصلون، على منهج السلف،
عندهم بعض الغلط؟ ثم ذهب إلى الشيخ عبد الله علوش وقال له: أريدك أن تعطيني أسماء
من تلبس بلوثة تكفيرية ونحو ذلك، عندكم في البلد، فقال له الشيخ: لا يجوز لك أن
تفعل هذا. فذهب هذا الرجل وكتب تقريراً بي وبالشيخ عبد الله إلى المخابرات
واستدعوا الشيخ، واستدعوا الشيخ زهران وسأله الضابط -وكان حريصاً نوعاً ما على ألا
يؤذي الشيخ- فقال له: بلغنا أنك تمنع من كتابة التقارير في أسماء التكفيرين؟ فقال
له الشيخ: أنا لا أمنع، من الذي قال لك هذا؟ قال الضابط: بلى قال لي فلان، فقال
الشيخ: قلت له قبل أن تكتب فيه التقارير هاته لننصحه قبل أن نتلفه، فقال هذا
الضابط للشيخ عبدالله: يا شيخ لا تتكلم أمام هذا الرجل فإنه أحمق.
فلذلك
أقول لكم إخواني: أن الكثير من الثورات، وعلى سبيل المثال الثورة السورية، خُذلتْ
بهذا الفكر، فما هو السبب؟ السبب أنهم يرون أن الحاكم تجب طاعته طاعة مطلقة ولو
كان كافراً. هذا العدو صال على حرمات المسلمين وصال على أعراضهم، ونحن نقوم بمدافعة هذا العدو
الصائل، ونبعده عن حرمات وأعراض المسلمين ودينهم؛ فلا يرون ذلك، إنما يرون أنك أنت
الخارجي وبشار الأسد يعتبر عندهم من الأئمة الذين يجب طاعتهم، ولذلك سلبياتهم
كثيرة جداً وأكثر من أن تحصى، وقد اصطلينا بنارهم.
وأذكر كذلك مرة اجتمعنا بآخر منهم كان يقول عن شيخنا الشيخ عبد الله علوش: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]. فلما اجتمعنا معه وجدناه يحمل هذا الفكر الخبيث، ويبدع ويفسق ويخرج ويدخل من شاء، فالله عز وجل أعاننا عليهم، وحاربناهم بفضل الله تعالى محاربة قوية ولا نزال نحارب هذا الفكر المغالي كما نحارب الخوارج في أفكارهم،
أخيراً: يجب محاورة هذا الفكر بالأصول العلمية وبكلام السلف حتى نفوت عليهم الفرص، وألا يكونوا باب شر على المسلمين وعلى السذج من الناس.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يبعد عن شرهم، وأن يردهم إلى جادة الصواب، وأن يرزقنا السلامة والإخلاص، والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
البيان الختامي للمؤتمر
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه ومن اهتدى
بهديه أجمعين
أما بعد:
فإن
الله تعالى قد تكفل بحفظ دين الإسلام كما في قوله جلَّ في علاه: ﴿إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وكان من نعمته
سبحانه أن يسر له رجالاً يتعاقبون على صيانته من التحريف والتبديل حتى تبقى حجة
الله قائمة على خلقه إلى يوم القيامة، اتصفوا بصفات الخيرية التي ذكرها النبي صلى
الله عليه سلم في قوله {يحمِلُ هذا
العِلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه، ينفونَ عنهُ تحريفَ الجاهِلينَ، وانتحالَ
المبطلينَ، وتأويلَ الغالينَ}، وقد وضع صلى الله عليه وسلم قواعد وضوابط لأمته من
بعده يسير عليها هؤلاء العدول الثقات، ومنها:
أنه
صلى الله عليه وسلم بين مفهوم الابتداع في الدين فقال: {من أحدث في أمرِنا هذا ما
ليس منه فهو رَدٌّ}، وحذر من الولوج فيه فقال: {إياكم ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإن
َّكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ}.
وعلى
هذه الضوابط توالى علماء الإسلام وفقهاؤهم حتى ظهرت في العصور المتأخرة طائفة زعمت
زوراً أنها تنتسب لمنهج السلف الصالح وابتدعت قواعد جديدة خالفت فيها منهج
الأولين، وحكمت من خلالها على الدعاة والعلماء والمؤسسات الدعوية بالضلال والهلاك،
وشغلت المسلمين ببعضهم؛ حتى وصل الأمر لقطع الرحم، وسفك الدماء بين أبناء الملة
الواحدة.
ومن أجل بيان خطر هذا المنهج الضال فقد تداعى علماء الأمة ومؤسساتها العلمية والدعوية لعقد مؤتمر يبيّن انحراف هذا المنهج عن سنة النبي صلى الله وسلم، وخطره على الأمة، وصرفه لها عن وظيفتها الأساسية في تمكين دين الله في الأرض، وتضمّن هذا المؤتمر عدداً من الندوات وورش الحوار والنقاش على مدى أربعة أيام متتالية، بينت بالتفصيل كيف نشأ هذا المنهج وانحرف عن رسالة الإسلام الصحيحة، وخطر انتشاره وتأثيره على الأمة الإسلامية جمعاء، وعلى صورة الإسلام عند الأمم الأخرى.
وفي
ختام هذا المؤتمر فإن المشاركين فيه يبينون للأمة ما يلي:
1) أن
البدعة مصطلح شرعي له ضوابط وأصول عند أهل السنة والجماعة أخذها الخلف عن السلف
وهي تخالف ما يدعيه غلاة التبديع والتصنيف.
2) أن
النصيحة للحاكم المسلم وطاعته فيما أمر الله تعالى من أصول أهل السنة والجماعة،
وأننا ندعو له بالصلاح، ولكن لا نطيعه في معصية، ونأمره بالمعروف، وننهاه عن
المنكر، وفق تلك الأصول، ولا نبرر له معاصيه كما ذهب إليه غلاة التبديع والتصنيف،
والنصيحة العلنية مشروعة بحسب الأحوال والمصلحة والوسائل الشرعية.
3) أن
الأصل في عِرض المسلم أنه مصونٌ، لا يجوز الخوض فيه إلا لضرورة تقتضي ذلك يقدرها
أهل العلم، وما كان في كتب المتقدمين من كلام في علم الجرح والتعديل كان بالحدِّ
الذي يحفظ به هذا الدين. يقول ابن تيمية رحمه الله: "وإذا اجتمع في الرجل
الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة، استحق من المعاداة والعقاب بحسب
ما فيه من الشر".
4) أن
تتبع عورات الناس، وزلات أهل العلم، واختبار الناس وامتحانهم في عقائدهم لا يمتُ
للإسلام ولا للسنة بصلة، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى [32/ 239]:
"ليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان
إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا كما قال تعالى:
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد
فعلت".
5) أن
هذه الفئة وافقت الخوارج في الحكم على مخالفيها بالضلال والهلاك، ووافقت الباطنية
في الموقف من الحكام؛ فهم يأمرون بطاعة حاكم ويفتون بالخروج على آخر على حسب ما
تقتضي مصالحهم وأهواؤهم دون بيان، ووافقت الرافضة في جعل الحق يدور في فلك أئمتهم
ومشايخهم كأنهم معصومون.
6) أن
هذا المنهج يخالف منهج أهل السنة والجماعة، وأن ما تدعيه هذه الطائفة من الانتساب
لمنهج السلف الصالح باطل، وأن السلف رضي الله عنهم بريئون من هذا الفكر. و أن
الغلو في التبديع ليس قاصرا على فئة مدخولة تنتسب إلى السلفية لتهدمها، وإنما
تسبقهم وتلحقهم فئات غالية تنتسب إلى فرق عقدية عقلانية معاصرة كالأحباش، وخارجية
كالدواعش، ومسلكية كغلاة الصوفية.
7) ندعو أتباع هذا المنهج إلى الرجوع عما هم فيه، والتوبة عن الخوض في أعراض العلماء، ونحذرهم
من وعيد الله في الدنيا والآخرة، كما قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله: "إن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ فإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب".
ويوصي
المشاركون في المؤتمر بما يلي:
• أن
يقوم علماء الأمة ودعاتها بالتصدي لهذا المنهج الغالي، والتحذير منه، وبيان
مخالفته لمنهج أهل السنة والجماعة.
• إعداد
الدراسات والأبحاث التي ترصد هذا الفكر وتبين انحرافه وآثاره السلبية على الأمة
الإسلامية.
• الدعوة
إلى إشهار منتدى علمي دائم يضم العلماء والدعاة والمؤسسات العلمية من مهامه التصدي
لمنهج غلاة التبديع والتصنيف والدعوة إلى الوسطية والاعتدال والتزام منهج أهل
السنة والجماعة.
• إشهار
مركز مشكاة المتخصص في مواجهة غلاة التبديع لتأهيل كوادر متخصصة في هذا المجال.
نسأل
الله تعالى الهداية والسداد والعصمة وسلوك سبيل الرشاد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتدى به إلى يوم الدين
صادر عن مؤتمر الأمة في مواجهة فلاة التبديع الأربعاء 10 محرم 1443 الموافق 18 أغسطس 2021
الموقعون على البيان الختامي للمؤتمر:
م اسم الرابطة / الهيئة
1 رابطة علماء المسلمين
2 الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
3 رابطة علماء أهل السنة
4 منتدى العلماء
5 رابطة علماء المغرب العربي
6 هيئة علماء السودان
7 هيئة علماء فلسطين في
الخارج
8 المجلس الاسلامي الأوروبي
9 ملتقى علماء فلسطين
10 رابطة علماء فلسطين
11 جمعية علماء تركستان الشرقية
12 هيئة علماء المسلمين في لبنان
13 هيئة علماء ليبيا
14 دار الإفتاء الليبية
15 رابطة دعاة الكويت
16 رابطة المعاهد الشرعية في
الصومال
17 رابطة خطباء الشام
18 الجبهة السلفية
19 الهيئة الدائمة لنصرة القدس
وفلسطين في لبنان
20 اتحاد العلماء والمدارس
الإسلامية
21 مركز مشكاة
22 مركز المجدد
23 الحملة العالمية لمقاومة
العدوان
24 مركز نوى للبحوث والدراسات
25 منصة مناصحة
26 مؤسسة ابن تاشفين للدراسات
والأبحاث والإبداع
27 مركز محكمات للبحوث والدراسات
28 مرصد الإسلام والسياسة
29 مؤسسة مسلمي أوروبا
30 موقع على بصيرة
31 مؤسسة إرث الأنبياء
اكتب مراجعة عامة