img
img

السياسية الجنائية في مواجهة الجاني

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

السياسية الجنائية في مواجهة الجاني

محامي الدكتور مسلم اليوسف

دكتور في الفقه المقارن ما بين الشريعة والقانون

                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده و رسوله. 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.1  

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ 2. 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ 3. 

أما بعد: 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، و خير الهدى هدى محمد – صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، و كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار. 

قال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } 4. 

 

فهذا كتاب في السياسة الجنائية الشرعية في مواجهة الجناة الخطرين على المجتمع و أمنه و أفراده الآمنين حاولت فيه من خلال عدة مسائل: 

المسألة الأولى في مفهوم السياسة الجنائية

المسألة الثانية بحثت فيها مسألة السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية

المسألة الثالثة بينت فيها أدلة مشروعية السياسة الجنائية

 

و عليه و سوف نقسم هذا البحث إلى عدة فروع على النحو التالي: 

مقدمة: 

الفرع الأول: مفهوم السياسة الجنائية. 

الفرع الثاني: السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية. 

الفرع الثالث: أدلة مشروعية السياسة الجنائية. 

خاتمة: 

الفرع الأول 

مفهوم السياسة الجنائية. 

أثبت الواقع العملي في البلاد الإسلامية أن تفعيل السياسة الجنائية الشرعية من أهم أسباب تقليل، ومكافحة الجريمة، وفاعليها في المجتمع الإسلامي. 

فما هو مفهوم مصطلح السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية عند أهل العلم، والاختصاص ؟. 

مضى القرن الأول هجري، و لم تظهر اصطلاحات فقهية، و لم تأخذ الأحكام الشرعية أية صيغة علمية مثل التي عهدناها اليوم، و كانت الآيات والأحاديث في الأحكام ليس لها ألفاظ اصطلاحية خاصية خاصة. وإنما نشأ المصطلح الفقهي مع التدوين، و مع المدونات الفقهية للأئمة بعد القرن الرابع.5 

و الحقيقة أن مصطلح السياسة الجنائية لم يستعمله أحد من الفقهاء بل كانوا يستعملون مصطلحا آخر و هو مصطلح السياسة الشرعية، والذي يمكن أن يكون في أحد معانيه معنى السياسة الجنائية، و هو ما يطلق عليه بعض الفقهاء: بـ ( الشرع مغلظ ) أو ( تغليظ العقوبات ) . 

قال الإمام ابن عابدين – عليه رحمة الله – بعد إيراده للتعريف العام للسياسة: ( و تستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر، و تأديب و لو بالقتل ).6 

فما معنى هذا المصطلح عند السادة عند أهل العلم و الاختصاص، والفقهاء رحمهم الله تعالى ؟. 

مصطلح السياسة الشرعية ( الجنائية ) من لفظين سنقف على كل منهما لغة، ثم اصطلاحاً. 

السياسة لغة:  

السياسة من ساس يسوس سياسة و سوساً، و منه سست الرعية سياسة: أمرتها، ونهيتها، و فلان مجرب قد سَاسَ و سِيْسَ عليه، أي أَمَرَ و أُمِرَ عليه، و أَدَّب و أُدِّب. و( سوس ) فلان أمور الناس صُير ملكاً.7  

و ( ساس ) زيد الأمر ( يَسُوسُهُ ) ( سياسة ) دبره، و قام بأمره.8 

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه.9 

و السياسة: فعل السائس، يقال: ساس الدواب إذا قام عليها وراضها، و الوالي ساس الرعية إذا تولى رئاستهم وقيامهم، و ساس الأمور: دبرها، و قام بإصلاحها.10  

و لم يرد مصطلح الساسة في القرآن الكريم، بل وردت في السنة النبوية الشريفة في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( كان بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، و كلما هلك بني خلفه نبي، و لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا ؟. قال: وفوا البيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم )11.  

قال ابن الأثير – رحمه الله -: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم: أي تتولى أمورهم، كما تفعل الأمراء و الولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه ) 12.  

و نخلص من هذا كله إلى أن السياسة في اللغة و السنة هي: القيام على الأمر بما يصلحه من أمر و نهي و تدبير، و التدبير يدخل فيه بلا شك تغليظ العقوبة، أي السياسة الجنائية. 

فالسياسة لغة: هي تصرف الحاكم على الرعية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية بما يحقق المصلحة و يدرأ المفسدة، و منها تغليظ العقوبة المعروفة وفق المصطلح الحديث المعروف بالشرعية الجنائية. 

و المعنى الذي تُطلق السياسة على العقوبات لإفادته هو: تغليظ العقوبة و تشديدها، فكلما كانت الجريمة تتشابك معها خطورة إجرامية أو فعل إجرامي خطير أو ظروف مشددة، فإن العقوبة عليها تغلظ و تشدد تبعا لتلك الظروف، و يطلق على هذا التغليظ و التشديد سياسة. 

فكلمة السياسة يلازمها وصف الشدة، و الحزم في فصل الخصومات، و قد كانت هذه الصرامة تستند غالباً إلى المحتسب، أو إلى ناظر المظالم.  

أما الجنائية في اللغة:  

لفظ الجناية من جني الذنب عليه جناية، أي جره إليه، وقولهم جانيك من يجني عليك يضرب مثلا للرجل يعاقب بجنايته، و يقال جنى الثمرة إذا تناولها من موضعها.13 

الجناية في الشرع:  

قال ابن عابدين في تعريفه للجناية بأنها: ( التعدي على البدن بما يوجب عليه قصاصاً أو مالاً ).14 

و قد غلب لفظ الجناية عند بعض الفقهاء على الاعتداء على النفس، و ما دونها. لكن الأصح لفظ الجناية مرادف للجريمة 15. 

السياسة الجنائية في الاصطلاح:  

يرى بعض شراح القانون الوضعي أن تعبير السياسة الجنائية يرجع إلى الفقيه الألماني فويرباخ الذي كان أول من استعمله في بداية القرن التاسع عشر، و قصد بها مجموعة الوسائل التي اتخذها في وقت معين في بلد معين من أجل مكافحة الإجرام فيه.16 

بيد أن هذا الكلام غير صحيح بالمطلق، لأنه لو اطلع من يقول هذا القول على ما سطره فقهاؤنا في عموم مذاهبهم المعتبرة عند حديثهم عن السياسة الشرعية، لعرفوا أن الفقهاء المسلمون قد سبقوا شراح الفقه الغربي بعدة قرون في بيان السياسة الجنائية و شروطها و أركانها، و ذلك من خلال بحثهم عن السياسة الشرعية كون السياسة الجنائية جزء من السياسة الشرعية موضوع بحثنا. 

و قد عرف بعض علماء القانون الوضعي الغربي السياسة الجنائية بأنها: ( مجموعة من الوسائل التي تحددها الدولة للمعاقبة على وقوع الجريمة ) 17. 

كما عرفها بعضهم بأنها: العلم الذي يدرس النشاط الذي يجب أن تمارسه الدولة لمنع الجرائم و العقاب.18 

الفرع الثاني 

السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية. 

قال ابن عابدين عليه رحمه الله تعالى في تعريف السياسة الشرعية: ( السياسة هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة ).19 

بيد أن الفقهاء استعملوا للسياسة الشرعية معنى خاص، و هو السياسة الجنائية الشرعية. 

و لذا عرفها بعض أهل العلم بأنها: ( تغليظ جناية لها حكم شرعي حسماً لمادة الفساد، و قوله لها حكم شرعي معناه أنها داخلة تحت قواعد الشرع، و إن لم ينص عليها بخصوصها ).20 

و السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية: ( سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم، و تدفع كثيرا من المظالم. و تردع أهل الفساد، وتوصل إلى المقاصد الشرعية. فالشريعة توجب المصير إليها و الاعتماد عليها في إظهار الحق عليها ) 21. 

و الحقيقة أن كثيرا من الفقهاء جعل السياسة الجنائية و التعزير مصطلحان مترادفان، لذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير، فالتعزير تأديب دون الحد و أنه يكون بالضرب و غيره، و لا يلزم أن يكون بمقابلة معصية، و لذا يضرب ابن عشر سنين على ترك الصلاة. وكذلك السياسة الجنائية، كنفي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لنصر بن الحجاج لافتتان النساء به 22. 

لا ريب أن الشريعة الإسلامية مصالح كلها و حكمة جميعها والسياسة الجنائية الشرعية هي التي لا تقف حائرة في حال عدم وجود نص ظاهر، و إنا تحقق المصالح المشروعة للمسلمين ما دامت تلك المصالح تقع ضمن مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة. و السياسة الجنائية الشرعية هي التي تحفظ المجتمع و توفر له الأمن و الطمأنينة، فلا خير يرجى من مجتمع يسوده الفساد و الجريمة.  

لذلك نرى أن أهل العلم يؤكدون على أن المجرم صاحب الخطورة الإجرامية يجب أن يؤخذ بالشدة، و لو تجاوزت عقوبته الحد بل قد يصل الأمر لقتله، و لو كانت عقوبته تعزيرية ما دامت السياسة الجنائية تسمح بذلك، و تحض عليه حفاظاً على سلامة المجتمع المسلم، و أعضائه. 

فقد يوجد من عتاة المجرمين من لا يزول إجرامه إلا بالقتل مع العلم أن عقوبته - مهما فعل بوجه عام - لا تصل إلى القتل، بيد أن إجرامه تعدى الحد المعقول الذي يمكن أن يتحمل مجتمع سوي، فهل يجوز للقاضي تعزيره بالقتل من خلال السياسة الجنائية ؟. 

يرى بعض أهل العلم أنه يجوز للإمام التعزير بالقتل، ويستدلون برأي الإمام مالك – رحمه الله تعالى – و بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل - عليهم رحمة الله – بجواز قتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة - أي السياسة الجنائية - قتله.  

كما يرى أصحاب الإمام الشافعي و أحمد بن حنبل – رحمهم الله تعالى – في قتل بعض دعاة البدع التي تشكل خطرا على العقيدة الإسلامية من مثل منكر القدر و الداعي إلى الرفض، و أمثال هؤلاء بالاعتماد على السياسة الجنائية الشرعية.23 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى -: ( قد يستدل على أن المفسد إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل، بما رواه مسلم في صحيحه، عن عرفجة الأشجعي – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه "24. و في رواية ستكون هنات و هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، و هي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان "25. وكذلك قد يقال في أمره، يقتل شارب الخمر في الرابعة، بدليل ما رواه أحمد في مسنده عن ديلم الحميري – رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله إنا بأرض نعالج بها عملاً شديداً، و إنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا و على برد بلادنا، فقال: هل يسكر ؟ قلت نعم. قال: فاجتنبوه. قلت: إن الناس غير تاركيه. قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم " 26. و هذا لأن المفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل ) 27. 

فمن مصلحة الأمة أن تفعل السياسة الجنائية الشرعية، فهناك من المجرمين من لا تردعهم العقوبات المنصوص عليها، فيلزم لأمثال هؤلاء أن تشدد عليهم العقوبة حفاظاً على المجتمع، و أعضائه من هؤلاء. 

قال الإمام ابن عابدين – عليه رحمة الله - في الحاشية: ( رأيت في الصارم المسلول للحافظ ابن تيمية أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، و الجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، و كذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك. و يحملون ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – و أصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك و يسمونه القتل سياسة، و كان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تعاظمت بالتكرار. و للإمام قتل السارق سياسة إذا تكرر منه ذلك، و أن من تكرر منه الخنق يقتل به سياسة لسعيه بالفساد. و كل من كان كذلك يدفع شره بالقتل ) 28. 

مما سبق نرى أن كل جريمة خطيرة تكررت من ذات الفاعل فللإمام أن يعاقب المجرم بالقتل بالاعتماد على السياسة الجنائية الشرعية.  

و الحقيقة أن كل من عظم شره، و استفحل خطره و لم يكن لأي حد أو تعزير أن يردعه أو يزجره كان للقاضي أن يحكم عليه بالقتل بالاعتماد على السياسة الجنائية حماية للحفاظ على أمن المجتمع، وأفراده من خطر هذا المجرم و شروره. 

الفرع الثالث 

أدلة مشروعية السياسة الجنائية. 

بما أن السياسة الجنائية الشرعية سياسة منضبطة بالقواعد العامة للشريعة الإسلامية، فمن أهم الأدلة على شرعية السياسة الجنائية هي سنة النبي المصطفى – صلى الله عليه و سلم – و سنة الخلفاء الراشدين، و التي جرى بين الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم أو طالب علم، و لعل أهم تلك الأدلة ما يلي: 

أولا ً – سنة النبي – صلى الله عليه و سلم – في السياسة الجنائية: 

1. عن زهر بن عبد الله الحرازي أن قوماً من الكلاعيين سرق لهم متاع، فاتهموا أناساً من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحبسهم أياماً ثم خلى سبيلهم فأتوا النعمان، فقالوا خليت سبيلهم بغير ضرب، و لا امتحان فقال النعمان: ما شئتم إن شئتم أن أضربهم، فإن خرج متاعكم فذاك، و إلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم، فقالوا هذا حكمك، فقال: هذا حكم الله و حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو داود: إنما أرهبهم بهذا القول، أي لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف ) 29. 

قال ابن القيم الجوزية – رحمه الله -: ( حبس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تهمة..... لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن أطلق كل متهم و خلى سبيله، أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونقب الدور و تواتر السرقات، و لاسيما مع وجود المسروق معه، و قال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل، أو إقرار اختيار وطوع، فقوله مخالف للسياسة الشرعية ) 30 أي السياسة الجنائية الشرعية وفق المصطلح الدقيق للمسألة. 

2.عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ناساً في بعض الصلوات، فقال: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم، فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، و لو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها يعني صلاة العشاء ) 31. 

قال ابن فرحون - عليه رحمة الله -: ( فائدة قوله: " لقد هممت " تقديم الوعيد كالتهديد على العقوبة، لأن المفسدة إذا ارتفعت واندفعت بالأخف من الزواجر لم يعدل إلى الأعلى ) 32.  

3. عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض، و الزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها، و لهم ما حملت ركابهم ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم – الصفراء، و البيضاء ويخرجون منها، فاشترط عليهم أن لا يكتموا و لا يغيبوا شيئا، فان فعلوا فلا ذمة لهم، و لا عصمة، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لعم حيي ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير، فقال: أذهبته النفقات، و الحروب، فقال صلى الله عليه وسلم: العهد ).33 

4.عن عبيد الله بن أبي رافع، و هو كاتب علي، قال: سمعت عليا - رضي الله عنه – و هو يقول: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا و الزبير و المقداد، فقال: ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: اخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا حاطب ما هذا. قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت أمرا ملصقا في قريش، قال سفيان: كان حليفا لهم، و لم يكن من أنفسها، وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، و لم أفعله كفرا، و لا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق، فقال عمر: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرا، و ما يدريك لعل الله يتحقق على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء...... ) 34. 

قال ابن فرحون عليه رحمة الله: ( فالطريق التي استخرج بها الكتاب من السياسة الشرعية، و هي التهديد و الإرعاب ).35 

ثانياً – سنة الخلفاء الراشدين – رضوان الله عليهم – في السياسة الجنائية الشرعية: 

1.سنة الصديق - رضي الله عنه - في السياسة الجنائية: روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار.... فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي - صلى الله عليه و سلم – و استشارهم فيه، فقال علي: إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما عملتم أرى أن يحرق بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول - الله صلى الله عليه وسلم - أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار، فأحرقه، ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه، ثم أحرقهم هشام ابن الوليد، ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق ) 36. 

2.سنة الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في السياسة الجنائية الشرعية:  

( عن نافع، و معمر عن أيوب عن نافع عن صفية ابنة أبي عبيد قالت: وجد عمر بن الخطاب في بيت رويشد الثقفي خمراً، و قد كان جلد في الخمر، فحرق بيته، وقال: ما اسمه. قال: رويشد، قال: بل فويسق ) 37. فالفاروق عمر - رضي الله تعالى عنه - حرق بيت هذا الفاسق، لأن شره طار و استفحل، فاستعمل الفاروق صلاحياته الشرعية في السياسة الجنائية لمعالجة هذا الأمر. 

كما حرق الفاروق - رضوان الله عليه - قصر سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه – بالاعتماد على السياسة الجنائية، لما احتجب سعد في قصره عن المسلمين، فأرسل محمد بن مسلمة 38، و أمره أن يحرقه عليه، فذهب فحرقه عليه.39 

و كذلك فعل الفاروق - رضوان الله عليه - مع نصر بن حجاج لما كان يعس بالمدينة فسمع امرأة تتغنى بأبيات تقول فيها: 

هل من سبيل إلى خمر فأشربها  أم من سبيل إلى نصر بن حجاج    فدعى به فوجده شاباً حسناً فحلق رأسه، فازداد جمالاً، فنفاه إلى البصرة لئلا تفتتن به النساء.40  

و ذكر أبو الحسن بن القصار المالكي أن عمر – رضي الله عنه – رفع إليه كتاب زوره عليه معن بن زائدة، و نقش مثل خاتمه، فجلده مائة ثم سجنه فشفع له قوم. فقال: ذكرتني الطعن و كنت ناسياً، ثم جلده مائة أخرى ثم جلده مائة ثالثة ).41  

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه، عن حجاج عن أبي سنان البكري قال: أتي عمر برجل شرب خمرا في رمضان، فضربه ثمانين، و عزره عشرين ) 42.    

3.سنة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في السياسة الجنائية الشرعية: 

 عن عكرمة أن ناسا ارتدوا على عهد علي - رضي الله عنه -فأحرقهم بالنار، فبلغ ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال: لو كنت أنا كنت قتلتهم، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بدل دينه فاقتلوه، و لم أكن أحرقهم، لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تعذبوا بعذاب الله. فبلغ ذلك علياً - رضي الله عنه - فقال: ويح ابن عباس ) 43. 

و ورد في كتاب المغني لابن قدامة المقدسي أن علياً أتي بالنجاشي قد شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين الحد، و عشرين سوطاً لفطره في رمضان ) 44. 

و روى ابن أبي شيبة في مصنفه، عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: ( أتي علي برجل شرب خمرا في رمضان، فجلده ثمانين و عزره عشرين ) 45.  

ففي مثل هذه الأحكام و أمثالها استعان الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - و الخلفاء الراشدون، و من سار على هداهم بالسياسة الجنائية لمواجهة الوقائع التي عرضاً عليهم، فاهتدوا بروح التشريع للشريعة الإسلامية و المصلحة العامة للمسلمين، فصلحت أحوال المسلمين و استقامت. 

و على هذا تكون السياسة الجنائية متطابقة أو قريبة جداً من العقوبات التعزيرية، و في هذا قال ابن عابدين - رحمه الله تعالى -: ( الظاهر أن السياسة و التعزير مترادفان، و لذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير..... و سيأتي أن التعزير تأديب دون الحد... و لا يلزم أن تكون بمقابلة معصية، و لذا يضرب ابن عشر سنين على الصلاة، و كذلك السياسة كما مر في نفي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لنصر بن حجاج.....) 46.  

غير أن السياسة الجنائية تمتاز - كما أوردت فيما سبق - في كثير من الأحيان بالشدة و الغلظة، أي أن السياسة الجنائية هي: التعزير المشدد أو المغلظ، لذلك قال ابن عقيل – رحمه الله: ( للسلطان سلوك السياسة، و هو الحزم عندنا ) 47.  

وأختم هذا البحث بهذه المناظرة التي جرت ما بين أبي الوفاء ابن عقيل، وبين أحد الفقهاء. 

قال ابن عقيل عليه رحمة الله -: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال الآخر: لا السياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح و أبعد عن الفساد، و إن لم يشرعه الرسول – صلى الله عليه وسلم – و لا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: " لا سياسة إلا ما وافق الشرع " أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، و إن أردت ما نطق به الشرع فغلط و تغلط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل و المثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليّ - كرم الله وجهه – الزنادقة في الأخاديد، و نفى عمر نصر بن حجاج ) 48. 

وفي الختام: 

نسأل الله تعالى أن يهدينا، وإخواننا بالعودة إلى كتابه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم.  

{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } (سورة البقرة 285 - 286). 

و الحمد لله رب العالمين. 



تعليقات