img
img

ما الذي لو انكشف الغطاء، يا أهل غزة؟

img
الشبكة

ما الذي لو انكشف الغطاء، يا أهل غزة؟

إن العيش في غزة تحت وطأة الغزو والمعاناة اليومية تكشف عن قسوة الواقع، حيث يشهد سكان هذه الأرض المسلوبة مآسي القتل التي تطال الرجال والنساء والأطفال يومياً فلم تخلو البيوت من فقدان الأحبة سواء عبر قصص القتل أو التهجير، مما يترك شعورًا دائمًا بالألم والحزن يثقل كاهل سكان غزة وتأتي هذه المعاناة في ظل خذلان واضح من العالم العربي والإسلامي والإنساني تجاه قضيتهم.

في هذه اللحظات المؤلمة من التاريخ، نُذكِّر أنفسنا وكل من عاش في مثل هذا البلاء ومن سيعيشه مستقبلا:

ماذا سيكون لو انكشف الستار، عن أولئك الذين فقدناهم وانتقلوا إلى جوار الله؟

قال تعالى:

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170 ) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ).

ذكر المفسرون ان سبب نزول الآية رغبة الشهداء في ابلاغ من بعدهم حتي لا يزهدوا في الجهاد (بلغوا عنا قومنا، أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه) وقال آخرون: (إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا، وقالوا: نحن في نعمة وسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تنفيساً عنهم، وإخباراً عن حال قتلاهم.) وهي من أعظم الآيات في القران الكريم التي تعالج قضية الشهادة والفقد والموت. وفيها النص الصريح لتأكيد المفاهيم التالية:

1-    النهي عن حسبان الذين قتلوا في سبيل الله، وفارقوا هذه الحياة أموات

2-    إثبات صريح أنهم " أحياء عند ربهم ".

3-    وصف ما لهم من خصائص الحياة الشاملة لكل أنواع النعيم فهم " يرزقون ".

وجاءت الاثار ان أرواح الشهداء، في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها تسرح في رياض الجنة، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم واخواتهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم من الأهل والبنون والمال وكل شيء في الدنيا. بل إنهم يحبون الرجوع للدنيا لغاية واحدة

عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة "مسلم.

وفي ضمنها كما ذكر ابن سعدي (تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله أمواتا أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته. ولفظ: عند ربهم يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم. ومع هذا فرحين بما آتاهم الله من فضله أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم له النعيم والسرور، وجعلوا " يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم " أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور.)

وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا. قال ابن القيم (بأن دار الدنيا يكون النعيم فيها للأجساد في الأصل والأرواح تبع، وفي البرزخ للأرواح والأجساد تبع، وفي الجنة أو في النار يستوي عذاب الأرواح وعذاب الأجساد).

وفي تصوير جميل لفهم الحياة يقول سيد قطب (فهذه خصائص الأحياء: من متاع واستبشار، واهتمام، وتأثر وتأثير. فما الحسرة على فراقهم؟ وهم أحياء موصولون بالأحياء وبالأحداث، فوق ما نالهم من فضل الله، وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة؟ وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه؟ والتي يقيمونها بين عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة؟ ولا فواصل ولا حواجز بالقياس إلى المؤمنين، الذين يتعاملون هنا وهناك مع الله؟ إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور. إنها تعدل -بل تنشئ إنشاء -تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها، وهي موصولة لا تنقطع؛ فليس الموت خاتمة المطاف؛ بل ليس حاجزا بين ما قبله وما بعده على الإطلاق! إنها نظرة جديدة لهذا الأمر، ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين، واستقبالهم للحياة والموت، وتصورهم لما هنا وما هناك).

هل يمكن أن يوجد أعظم من هذا الخطاب الرباني المباشر والوصف الدقيق في تصوير حال من استشهدوا في غزة وغيرها من البلدان؟ إن هذا التصوير الإلهي يقدم علاجا ايمانيا يخاطب المشاعر والأحاسيس تجاه الأفراد الذين فقدوا أحبائهم و يسعى إلى معالجة كافة الخطرات والوساوس التي قد تسيطر على من فقدوا عزيزاً موضحًا لهم بلفظة جازمة ناهية "لا تحسبن" لتكون رسالة واضحة في بناء الأمل والطمأنينة وتؤكد أن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، وتعكس عظمة الفضل الذي أعده الله لهم.

يعد هذا الخطاب الرباني بمثابة قوة دافعة للتغيير في قلوب المستمعين والقرّاء حيث ينتقل بهم من حالة التشاؤم والألم إلى حالة من التفاؤل المطلق ليحفز الفرد أولاً نحو اللحاق بالرفاق والأحباب، والانتقال إليهم ليعيش معهم هذه الساعات المباركة، ويدعو الآخرين إلى هذه الحياة السعيدة لينتقل إلى جوار ربه الكريم الرحيم عبر الجهاد في سبيل الله.

هذه الآيات كما ذكر سيد قطب (تعديل كامل لمفهوم الموت -متى كان في سبيل الله -وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم. وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها، بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة. وحيث تستقر في مجال فسيح عريض، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوراتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة، ومن حياة إلى حياة! ووفقا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين، سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة -في سبيل الله)

فيا اهل غزة....

 لا يوجد موت، بل هو ارتقاء إلى مقام رباني يَتَمَنَّاهُ كل مسلم يعيش على هذه الأرض واعلموا أنكم أنتم أهل عزة، بينما الاخرون في ذلٍّه بسبب القيود والشهوات وحب الدنيا والخنوع للاستبداد. وايقنوا بما اخبر به نبينا صلي الله عليه وسلم فيما يروي أن أم حارثة بنت سراقة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم -فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر -أصابه سهم غرب-فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) البخاري

 

هذه الكلمات دعوة لكل من يسعى نحو العزة فليقتدِ بغزة، وليجعل حياته كلها في سبيل الله فهو سيحظى بأجرٍ عظيم حتى لو مات على فراشه عن سهل بن حنيف: أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" مسلم

تعليقات

الكلمات الدلالية