إنَّ الضعف ليس عذراً بل
هو الجريمة، فما يريد الله لأحدٍ أنْ يكون ضعيفاً، وهو يدعو الناس إلى حماةٍ يعتزون
به، والعزة لله، (( فَقَالَ
الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ
أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ))والضعفاء هم الضعفاء الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم
على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه، وجعلوا أنفسهم
تبعاً للمستكبرين والطغاة، ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله،
وما يريد الله لأحدٍ أنْ ينزل طائعاً عن نصيبه في الحرية التي هي ميزته ومناط تكريمه
أو ينزل كارهاً . والقوة المادية كائنة ما كانت لا تملك أنْ تستعبد إنساناً يريد الحرية،
ويتمسك بكرامته الآدمية فقصارى ما تملكه تلك القوة أنْ تملك الجسد وتؤذيه وتعذبه وتكبله
وتحبسه، ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أنْ يدخل عليه مؤثرٌ من مؤثرات هذه الأرض.
إنَّ المستضعفين كثرة، والطواغيت
قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة؟ إنَّما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة، وقلة النخوة،
والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان!
إنَّ الطغاة لا يملكون أنْ
يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير. وما يمكن أنْ يطغى فردٌ في أمةٍ رشيدةٍ أبداً
وما يمكن أنْ يطغى فردٌ في أمةٍ تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أنْ تتعبد لواحدٍ من خلقه
لا يملك لها ضراً ولا رشداً!
فالضعف جريمة في الإسلام
نصيبه النار ((فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا
نَصِيبًا مِنَ النَّارِ))
وعلى العصبة المسلمة التي
ترتقي في الأفق السامق أنْ تستعلي وتعتز بعقيدتها المستمدة من عزته تعالى. العزة
التي لا تهون ولا تهن، ولا تنحني ولا تلين. ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات
إلا أنْ يتضعضع فيه الإيمان. فإذا استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرةٌ راسخةٌ. ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) إنَّ العزة كلها لله، وليس شيءٌ منها عند أحدٍ سواه.. ويكفي
أنْ تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزاً كريماً ثابتاً
في وقفته غير مزعزع، عارفاً طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس هنالك سواه!
إنه لن يحني رأسه لمخلوقٍ
متجبر. ولا لعاصفةٍ طاغية. ولا لحدثٍ جلل. ولا لوضعٍ ولا لحكم. ولا لدولةٍ ولا لمصلحة،
ولا لقوةٍ من قوى الأرض جميعاً. يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة، ومخاوفه
ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحدٌ وسيلةً لإذلاله وإخضاعه
وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان والتمكين.
رئيس الأكاديمية
د. منيف محمد الطواله
اكتب مراجعة عامة