بمناسبة كلام المرشد الإيراني خامنئي عن أبدية الصراع بين ما أسماه "الجبهة الحسينية" و"الجبهة اليزيدية".
الجبهتان الحسينية واليزيدية المزعومتان، وهما متوهمتان ومفترضتان ليس لهما وجود مادي على الأرض اليوم، مرادف لمفهوم فلسفي إسلامي يتعلق بالتحسين والتقبيح، فكل حسن وجميل هو حسيني، وكل سيئ وقبيح يزيدي، ومن يحدد الحسيني من اليزيدي، ليس الشيعة عموما، وإنما إيران وتحديدا المؤسسة الدينية وفي مقدمها المرشد علي خامنئي.
عبارة خامنئي تستمد حياتها وزخمها من منطق واحد يسري في أوصال كل "منتصر" عبر التاريخ: إما معي أو ضدي، فقد قالها جورج بوش الابن في 2001 عقب سقوط برجي التجارة في نيويورك، بعد أن تملكه شعور الغاضب المزهو بفائض قوته، ويقولها اليوم خامنئي بعدما ضمن نفوذا مطلقا في قلب العالم العربي والإسلامي، وعصبه الديني والتاريخي: الشام والعراق، مضافا إليهما اليمن.
لا ينبغي أن يفسر كلام خامنئي على ظاهره فحسب، وهو أن إيران ذات الإرث والروح الصفوية، ستواصل حربها على المسلمين، وإخضاعهم إقليما بعد آخر، وإنما هناك معنى إستراتيجي في الكلام، مؤداه أن القوم سيعضون على كعكة المنطقة العربية، التي صارت بين فكيهم، بالنواجذ، بما يعنيه ذلك من عدم إمكانية حصول أي مواجهة عسكرية، ذات بال، مع معسكر غربي تدين طهران له بالفضل في تغلغلها بالمنطقة.
لم يكن عقلي يسمح لي يوما أو ساعة أو حتى دقيقة أن أومن بفكرة المواجهة بين إيران وأمريكا، لأن الأولى في صورتها الراهنة المحملة بفائض نفوذ وقوة أكثر من حجمها الحقيقي في المنطقة، مدينة في وجودها وتمثلها العملي لإرادةٍ إستراتيجية غربية يحددها سياق تاريخي من الصراع بين الغرب، مسيحيا كان أم علمانيا، والشرق، وفي مقدمه الإسلام، على شكل العالم وطريقة النظر إلى الأشياء ومن ثم طريقة العيش.
كلام خامنئي يوجه ضربة قاضية لعقول الأغرار الذين دفعهم إحساسهم باليأس، إلى رؤية السراب ماء، واعتناق فكرة المفاصلة بين إيران والغرب.
في منشوره، الذي يقرأ فيه يأس من أن تدين المنطقة بالتسليم لمعتقداته الغريبة عن الإسلام وروحه، أعلن خامنئي جهة الصراع الإستراتيجية لإيران، وأعلن تأبيد الصراع معها، وهم المسلمون الذين يرمز لهم في الأدبيات الصفوية تارة بالنواصب وأخرى باليزيدية، وثالثة بالبكرية.
والحقيقة لدى المراقب، أن النخب الإيرانية الدينية والسياسية والفكرية، أسرى لموروث تاريخي تغذيه روح قومية وطائفية وحضارية، وهذا الموروث هو الذي يهندس عقولهم حول فكرة تفوق العرق الآري، وتميز إيران بالمعنى الحضاري، عن محيطها العربي البدوي والجلف والغليظ.
علينا أن ننتظر أياما صعبة وشاقة في مواجهة مزيد من التمدد الإيراني في منطقة شديدة الأهمية، بعدما أفرغت عمدا من مرابط قوتها، وهو تمدد تحتكم شدته ومداه لطبيعة النظام الدولي الجديد الذي نشاهد مخاضه بدءا من أوكرانيا، ومرورا بمنطقتنا، وانتهاء ببحر الصين.
وليس هذا التمدد الصفوي قدرا مقدورا، بالضرورة، ولكن ما يعزز فرص تحققه أبعاد ثلاثة حاسمة: إرادة دولية، وإضعاف الذات العربية وإحساسها بقيمتها الدينية والتاريخية، والفراغ الإستراتيجي الكبير الذي صُنِع بهدوء وروية ليُملأ بقوة وظيفية تُشغِل المنطقة عن أي نهوض لعقود مقبلة.
خامنئي يعرف ماذا يقول، وكلامه ناقوس خطر يقرع في آذان المراقبين.
اكتب مراجعة عامة