أ. إبراهيم عدنان المحمد
كاتب وباحث في المجال السياسي
تعتبر احداث قطاع غزة وتطوراتها الاقليمية، واحدة من اكثر الاحداث التي هزت الاوساط الشعبية والدولية على الاطلاق. ولأول مرة في التاريخ الحديث تستجلب القضية الفلسطينية مركزيتها السياسية والإنسانية، بعد ان كادت ان تضمحل في غياهب النسيان العالمي وذلك بسبب صخب الاحداث الدولية والإقليمية المتسارعة وانشغال ساسة الحكومات وصناع القرار في مواضيع وقضايا احتلت حيز القضية الفلسطينية إلى حد ما .فمن حروب الخليج الثلاثة وحرب افغانستان، إلى ثورات الربيع العربي والحروب التي اتت في سياقاتها كالحروب الاهلية، الى القضية الاوكرانية....الخ كل هذه الاحداث تم اعتبارها على انها مختبرات حقيقية للراي العام العالمي. او بالأحرى هي قضايا واحداث قدمت نفسها للرأي العالمي الذي كان من المتوقع ان يؤثر في توجيه مساراتها او على الاقل التأثير النسبي فيها. لكن هنا لماذا أقحمت القضية الفلسطينية نفسها بقوة من جديد وكانت و من انجح القضايا التي دخلت مختبر الراي العام العالمي؟ وماهي دلالات الاستجابة العالمية للقضية الفلسطينية ؟
هل كانت حركات الاحتجاج في العالم لاسيما حركة الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها الجامعات الأمريكية مثل جامعات كاليفورنيا و أتلانتا و بوستن والتي امتدت إلى تكساس وجامعات اخرى حالة شعبوية غير منضبطة ؟ هل تدرك بعض الشعوب المتقدمة لاسيما في امريكا وتثق بكفاءة أصرحتها العلمية في التأثير في توجيه مسار الاحداث العالمية من خلال الضغط على صناع القرار ؟ هل تفكر الاوساط الشعبية بمكافحة هذا التناقض بأداة شعبوية ام أنها تحاول الخروج بنمط جديد قائم على المحافظة ووقف تآكل هذه القيم والمبادئ التي هي بمثابة مبرر لوجودها ؟
قضية غزة مختبر حقيقي للشرائح الطلابية الواعية
لأول مرة في التاريخ البشري تحظى قضية شرق أوسطية بإنتاج حالة زخم
شعبي عالمي وهذا ما تم التماسه منذ معركة طوفان الاقصى التي اندلعت في السابع من
أكتوبر العام الماضي وأماطت هذه المعركة
بإلحاح اللثام بشكل كامل عن الوجه الحقيقي للصورة الإجرامية البشعة لإسرائيل و للحكومات
الغربية المتماهية مع إجرامها لاسيما
الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت نفسها على أنها واحدة من أسمى الدول الحوامل لحقوق الإنسان. علماً أن اعلان
فيرجينيا للحقوق
12
حزيران 1776 ( Virginia Declaration
of Rights )
هي أول وثيقة دستورية امريكية مهدت الطريق لمسألة احترام حقوق الإنسان والمحافظة عليها والتي تم
اعتبارها مرجعية أساسية للدستور الامريكي والكثير من المواثيق العالمية لحقوق الإنسان. وظلت هذه
المبادئ راسخة إلى حد ما في عقيدة بعض
الشعوب ومؤسسات صنع القرار المحلية
والعالمية. لكن التحدي الابرز يكمن في مدى قدرة هذه الكيانات في المحافظة عليها من
التناقض و الازدواجية في المعايير. فالأزمات والصراعات وتناقض المصالح هي اكثر مختبر قادر على قياس فاعليتها
بكفاءة. فنتائج الاختبارات اظهرت زيف
المعيارية الامريكية في حمل راية حقوق الإنسان. وفي هذا المضمار نجد التحالف
الوثيق بين شعبوية بعض الكيانات
المؤسساتية الامريكية المؤثرة على صنع القرار العالمي وبين غوغائية اللوبيات وجماعات الضغط المؤثرة
عليها في ظل تآكل حقيقي لهذه المبادئ على المستوى الدولي ومن هنا بدأ شعور السخط
والتذمر يطغى على بعض الاصرحة العلمية
الجامعية، والذي انعكس على شكل حركات احتجاجية داخل الجامعات الامريكية
كجامعات كاليفورنيا واتلانتا وبوستن والتي
امتدت إلى تكساس وجامعات اخرى فكان لهذه
الحركات الاحتجاجية عدة اهداف. الاولى،
قصير الامد يتمثل في تحقيق نتيجة الضغط على الحكومة الفيدرالية لتغيير
سياستها في قضية غزة وثنيها عن التماهي المطلق مع جرائم الإبادة الجماعية التي
ارتكبتها حكومة نتنياهو في فلسطين بعد
احداث السابع من اكتوبر.
الامر الآخر، المحافظة على فاعلية زخم القضية الفلسطينية عالمياً انطلاقاً من الولايات المتحدة الامريكية الطرف الاكثر تاثيراً في هذه القضية، وكونها البلد الاكثر فاعلية في السياسة الدولية ايضا. ثالثاً، التأكيد على قابلية تشكيل فكرة القيام بنمط جديد يحمل على عاتقه حماية مبادئ حقوق الإنسان والحريات العالمية في حال انهيار الحوامل التقليدية داخل المؤسسات الامريكية. او على الاقل إصلاحها ورأب الصدوع والشروخ التي تتسرب منها هذه القيم
ومن هنا لا يمكن صبغ هذا الحراك بصبغة شعبوية كما ادعت بعض الاوساط والجهات ، لكن في الوقت نفسه لا يمكن نفي شعبويتها الإيجابية المنضبطة فكرياً ايضاً في سبيل مكافحة مرض الشعبوية السياسية المقيتة. والمفارقة هنا أن الشعبوية والغوغائية تسربت إلى بعض المؤسسات الليبرالية الامريكية في مسألة التعاطي مع بعض القضايا الدولية كقضية غزة. بينما بدأت شريحة من شرائح المجتمع الامريكي جزئياً تستنهض افكارها وتحرص على تخليصها من شعبويتها المقيتة ليُعَبَرَ عنها كأفكار إصلاحية من شانها حماية الإنسان والمحافظة على حقوقه. وإن شعور هذه الشريحة الطلابية من خلو الدولة الامريكية وانحطاط معياريتها يشي وينبئ بزوال فاعليتها داخلياً وخارجياً. ولأن الشعب الامريكي يفتخر بما تم إنجازه من تأسيس هذه الدولة ومؤسساتها على أُسس دستورية قوية ومتينة فبمبرد تصدع هذه الاسس وانهيارها دولياً ستنعكس على الداخل السياسي الامريكي بقوة وهذا ما تستهجنه شريحة الحراك الطلابي. ومن هنا تقدم الشرائح الطلابية الواعية نفسها في هذه القضية كمشروع لحماية المعيارية الأمريكية الراسخة في اصرحتها العلمية.
التحديات الامريكية
وفي هذه الحالة تجد الحكومة الفدرالية معضلة
ثلاثية المحاور. أولاً، تتمثل في الاستمرار في محاباة اسرائيل والحفاظ على
استمرارية كيانها الوظيفي القائم على استمرارية جرائمها بحق الفلسطينيين وبالتالي
تقاسم الولايات المتحدة مع اسرائيل الوجه
الدموي القبيح البشع عالمياً. ثانياً، اخفاقها في
المحافظة على معياريتها الدولية من
التآكل والاضمحلال وهذا ما تم استنتاجه من
خلال اللعب والانتقال من دور الفاعل تارة المجرم
إلى دور الوسيط الإنساني تارة اخرى. التحدي الثالث، يتمثل في الوصول لآلية
فاعلة في إسكات الاصوات الشعبية الداخلية او لجمعها والحول دون عرقلة مساعيها
والتأثير في سلوكها السياسي الموجه للخارج. هذه التحديات الثلاثة كانت حاضرة في
اغلب القضايا الدولية بشكل نسبي ومتواضع.
لكن هذه المرة مع قضية غزة شكلت
هذه التحديات الثلاثة عبئ كبير على
المؤسسات السياسية الامريكية. التي من
المفترض على حد ادنى ان توازن بين مصالحها ومسألة تعاطيها بجدية مع قضية حقوق
الإنسان في غزة دون الاستهانة بها. فمن الازدواجية في المعايير إلى الاصطفاف الغير
مبرر مع اسرائيل ككيان يشكل ندبة سوداء في وجه الإنسانية إلى عدم الكفاءة في
معالجة الازمات الدولية وهدر حقوق الإنسان .كان لابد من خروج اصوات تمثل وعي
انساني حقيقي بالحفاظ على المكتسبات الإنسانية المقدسة التي تم انتزاعها من طواغيت
الاستبداد ورعاته
اكتب مراجعة عامة