المحامي عبد الناصر حوشان
تواردت الاخبار الواردة من فلسطين المحتلّة قيام قوات خاصة للكيان الإسرائيلي مؤلّفة من خمسة عشر عنصرا فجر اليوم الثلثاء الواقع في -30-01-2024 باقتحام مشفى ’’ابن سينا ‘‘ في مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة ، متنكِّرة بالزي المدني وبلباس أطباء وممرضين، وتسللوا إلى المستشفى واتجهوا نحو الطابق الثالث واغتالوا ثلاثة شبّان باستخدام مسدسات كاتمة للصوت وهم الشقيقان محمد وباسل أيمن الغزاوي ينتميان لـ’’ سرايا القدس‘‘ والشهيد محمد وليد جلامنة أحد قيادات ’’كتائب القسام‘‘ في جنين، وإن هذا الفعل يعتبر جريمة ’’غدر‘‘ وهي جريمة حرب وفقاً لاتفاقيّات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيّين لها لسنة 1977 ووفقاً لقواعد القانون العرفي الإنساني ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة التي سنوضح أحكامها فيما يلي :
الغدر في اتفاقيّات جنيف الأربع لسنة 1949 والبروتوكولين الاضافيين لها لسنة 1977:
تأتي خطورة هذا الأفعال التي تعتبر جريمة حرب باعتبار أنّ استخدام الشارات المحميّة للغدر بالخصم واستخدامها للأغراض التي تتنافى مع أهداف الحماية الممنوحة لها ولأصحابه وفقدان الثقة بالهيئات الانسانيّة المحميّة ومنها أفراد الخدمات الطبية وأفراد الهيئات الدينية التي نصّت عليها المادة’’1‘‘ من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 التي نصّت على أنّه :
احترام وحماية أفراد الخدمات الطبية المدنيين أمر واجب.
تسدى كل مساعدة ممكنة عند الاقتضاء لأفراد الخدمات الطبية المدنيين العاملين في منطقة تعطلت فيها الخدمات الطبية المدنية بسبب القتال.
تقدم دولة الاحتلال كل مساعدة ممكنة لأفراد الخدمات الطبية المدنيين في الأقاليم المحتلة لتمكينهم من القيام بمهامهم الإنسانية على الوجه الأكمل. ولا يحق لدولة الاحتلال أن تطلب إلى هؤلاء الأفراد في أداء هذه المهام إيثار أي شخص كان بالأولوية في تقديم العلاج إلا لاعتبارات طبية.
ولا يجوز إرغام هؤلاء الأفراد على أداء أعمال لا تتلاءم مع مهمتهم الإنسانية. يحق لأفراد الخدمات الطبية المدنيين التوجه إلى أي مكان لا يستغنى عن خدماتهم فيه مع مراعاة إجراءات المراقبة والأمن التي قد يرى الطرف المعني في النزاع لزوماً لاتخاذها.
يجب احترام وحماية أفراد الهيئات الدينية المدنيين، وتطبق عليهم بالمثل أحكام الاتفاقيات وهذا الملحق ” البروتوكول ” المتعلقة بحماية أفراد الخدمات الطبية وبكيفية تحديد هويتهم.
الشارات المعترف بها : لقد حدّدت المادة 38 من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الشارات المعترف بها والتي حظرت إساءة استخدامها اثناء النزاع المسلّح حيص نصّت على أنّه : يحظر إساءة استخدام الشارة المميزة للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو الأسد والشمس الأحمرين، أو أية شارات أو علامات أو إشارات أخرى تنص عليها الاتفاقيات أو هذا الملحق ” البروتوكول ” .
كما يحظر في النزاع المسلح تعمد إساءة استخدام ما هو معترف به دولياً من شارات أو علامات أو إشارات حامية أخرى ويدخل في ذلك علم الهدنة والشارات الحامية للأعيان الثقافية.
ويحظر استخدام الشارة المميزة للأمم المتحدة إلا على النحو الذي تجيزه تلك المنظمة.
استخدام هذه الشارات بنيّة خداع أو قتل أو اعتقال الخصم : يعتبر جريمة حرب اذا ارتكب اثناء نزاع مسلّح وهي جريمة ’’ الغدر‘‘ استخدام أحكام اتفاقيات جنيف التي تستهدف حماية الأشخاص بنية الخداع، أو القتل، أو الجرح، أو القبض على أحد أفراد الخصم. ومنها الاستخدام غير اللائق والمحظور لشارة الصليب الأحمر أو أية شارات حامية أخرى أو أعلام أو زيّ توحي بثقة الخصم بحاملها ثم خيانة تلك الثقة، كما هو الحال مع ادعاء المرض والتظاهر بأنه مدني أو طبيب أو ممرّض او مسعف أو من فريق الدفاع المدني أي جهة أخرى غير مقاتلة وهذا ما نصّت عليها الموادّ ’’37-39 و44 ‘‘ من البروتوكول الإضافي الأول .
حيث نصّت المادة ’’37‘‘ منه ‘ على الآتي :يحظر قتل الخصم أو إصابته أو أسره باللجوء إلى الغدر. وتعتبر من قبيل الغدر تلك الأفعال التي تستثير ثقة الخصم مع تعمد خيانة هذه الثقة وتدفع الخصم إلى الاعتقاد بأن له الحق في أو أن عليه التزاماً بمنح الحماية طبقاً لقواعد القانون الدولي التي تطبق في المنازعات المسلحة. وتعتبر الأفعال التالية أمثلة على الغدر:
التظاهر بنية التفاوض تحت علم الهدنة أو الاستسلام.
التظاهر بعجز من جروح أو مرض.
التظاهر بوضع المدني غير المقاتل.
التظاهر بوضع يكفل الحماية وذلك باستخدام شارات أو علامات أو أزياء محايدة خاصة بالأمم المتحدة أو بإحدى الدول المحايدة أو بغيرها من الدول التي ليست طرفاً في النزاع.
كما المـادة ’’39 ‘‘ منه استخدام العلامات الدالة على الجنسية الخاصة بالدول المحايدة أو غيرها من الدول التي ليست طرفاً في النزاع. واستخدام الأعلام أو استخدام العلامات أو الشارات أو الأزياء العسكرية المتعلقة بالخصم أثناء الهجمات أو لتغطية أو تسهيل أو حماية أو عرقلة العمليات العسكرية.
كما أوجبت المادة ’’44/3‘‘ منه على المقاتلين إزكاء لحماية المدنيين ضد آثار الأعمال العدائية أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجوم أو في عملية عسكرية تجهز للهجوم. أما وهناك من مواقف المنازعات المسلحة ما لا يملك فيها المقاتل المسلح أن يميز نفسه على النحو المرغوب فإنه يبقى عندئذ محتفظاً بوضعه كمقاتل شريطة أن يحمل سلاحه علناً أثناء أي اشتباك عسكري. وإلّا يعتبر عملهم من قبيل جريمة الغدر.
في القانون الدوليّ الإنساني العرفي:
تعتبر جريمة حرب وفقًا لدراسة قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 2005 حيث يُحظَر قتل فرد من أفراد الخصم أو جرحه أو أسره باللجوء إلى الغدر في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية . حسبما نصّت عليه القاعدة ’’65‘‘ منها .
في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة :
تعتبر جريمة غدر مركبة وفقاً للمادّة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة إذ أنها جريمة در باستخدام علم الطرف المعادي او شارته أو زيّه العسكري ، وجريمة الغدر بإساءة استعمال الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف
فالمادة 8 (2) (ب) ‘7’ – 2 بيّنت أركان جريمة الحرب المتمثلة ’’ الغدر‘‘ بإساءة استعمال عَلَم الطرف المعادي أو شارته أو زيه العسكري وهي :
أن يستعمل مرتكب الجريمة علم الطرف المعادي أو شارته أو زيه العسكري.
أن يكون الاستعمال الذي قام به مرتكب الجريمة محظورا بموجب القانون الدولي للنزاع المسلح أثناء القيام بالهجوم.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم أو يفترض أن يكون على علم بالطبيعة المحظورة لذلك الاستعمال.
أن يسفر السلوك عن موت أو إصابة بدنية بالغة.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم بأن السلوك قد يسفر عن وفاة أو إصابة بدنية بالغة.
أن يصدر السلوك في سياق نزاع مسلح دولي أو يكون مقترنا به.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح.
كما بيّنت المادة 8 (2) (ب) ‘7’ – 4: اركان جريمة الحرب المتمثلة ’’ الغدر‘‘ بإساءة استعمال الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف وهي :
أن يستعمل مرتكب الجريمة الإشارات المميزة لاتفاقيات جنيف.
أن يتم هذا الاستعمال لأغراض قتال بطريقة محظورة بمقتضى القانون الدولي للنزاع المسلح.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم بالطبيعة المحظورة لهذا الاستعمال أو يفترض أن يكون على علم بها.
أن يسفر السلوك عن موت أو إصابة بدنية بالغة.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم بأن السلوك قد يسفر عن وفاة أو إصابة بدنية بالغة.
أن يصدر السلوك في سياق نزاع دولي مسلح ويكون مقترنا به.
أن يكون مرتكب الجريمة على علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح.
وبناءًا على ما سبق يمكننا القول بأن قيام مجموعة القوات الاسرائيليّة التي اقتحمت مشفى ابن سينا مستخدمة زيّ الأطباء والممرضين بأسلحتها الحربيّة وقيامها باغتيال ثلاث شبّان فلسطينيين عُزّل كانوا متواجدين في هذا المشفى ، حيث تأتي هذه العمليّة في سياق العدوان الإسرائيلي الواسع على الشعب الفلسطيني في غزّة و الضفّة والقدس ، وتأتي بعد أيام من قرار محكمة العدل الدوليّة بفرض التدابير المستعجلة والمؤقّتة على الكيان بوقف عملياته العسكريّة ضد الفلسطينيين واحترام التزاماته الملزمة التي تتضمنها اتفاقيّة الإبادة الجماعيّة والتوقّف عن قتل الفلسطينيين أو إيذائهم أو فرض أحوال معيشيّة تؤدّي الى الهلاك الكلّي أو الجزئيّ أو منع الانجاب و وقف استهداف البنى التحتيّة المشافي و المدارس ودور العبادة و فك الحصار و تأمين وصول المساعدات الإنسانيّة و الاحتياجات الاساسيّة، مما يدل على علم قادة وعناصر هذه العمليّة بأن هذا العمل الدنيء من المحظورات في القانون الدوليّ الإنساني و نيّتهم المُسبقة بارتكاب هذه الجريمة ضاربين عرض الحائط بالمبادئ الأخلاقيّة و قواعد القانون الدوليّ الإنساني والقانون الدوليّ الإنساني العرفي و ميثاق روما للمحكمة الجنائيّة الدوليّة ، مما يجعل من هذه العمليّة جريمة ’’ غدر‘‘ مركّبة وهي جريمة حرب تقتضي ملاحقة ومحاسبة مرتكبيها أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة
اكتب مراجعة عامة